السابقتكوين ٤:٢٣التالي

تكوين ٤

تكوين 4:23

وَقَالَ لَامَكُ لِٱمْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: «ٱسْمَعَا قَوْلِي يَا ٱمْرَأَتَيْ لَامَكَ، وَأَصْغِيَا لِكَلَامِي. فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي.

English (KJV):

And Lamech said unto his wives, Adah and Zillah, Hear my voice; ye wives of Lamech, hearken unto my speech: for I have slain a man to my wounding, and a young man to my hurt.

ماذا تعني تكوين 4:23؟

تفسير تكوين ٤: ٢٣ من المنظور الأرثوذكسي

المعنى والشرح

هذه الآية تسجل قول لامك المتعجرف والمدعِّس لامرأتيه، عادة وصِلَّة، حيث يتباهى بقتله رجلاً لجرحه وفتىً لشدخه. على السطح، تبدو هذه الكلمات تصويراً مروعاً لانتشار الخطية والعنف بعد سقوط آدم وحواء. ولكن في عمقها، تُظهر هذه الآية محبة الله ورحمته من خلال تباينها الصارخ مع قلب الله المحب؛ فالله يسمح لنا أن نرى مدى انحدار البشرية عندما تبتعد عن مصدر الحياة والمحبة، لكي ندرك حاجتنا الماسة إليه. هذه الآية ليست تشجيعاً على العنف، بل تحذيراً من ثمار الخطية عندما تُترك دون علاج، وتذكيراً بأن الله، في محبته، لم يتخلى عن البشرية رغم شرها، بل أعدَّ خطة خلاص من خلال المسيح.

السياق المباشر يوضح أن هذه الكلمات تأتي من لامك، وهو سابع من آدم من نسل قايين القاتل. إنه يمثل ذروة التمرد والكبرياء البشري. قوله "فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي" يُظهر عقيدة انتقامية متطرفة حيث أن العقاب يتجاوز بمقدار هائل الجرم الأصلي (قتل فتى لمجرد شدخ أو جرح). هذا يتناقض تماماً مع عدالة الله الرحيمة التي تضع حدوداً للانتقام (كما نرى لاحقاً في "العين بالعين"). الله يسمح لنا أن نرى هذه الصورة القاتمة ليس ليأسنا، بل لندرك أن الخلاص لا يمكن أن يأتي من ذواتنا، بل من الله وحده. حتى في وسط هذا الظلام، محبة الله تظل منارة رجاء، فهي تُظهر لنا بوضوح حقيقة القلب البشري الساقط وتدفعنا إلى التوبة واللجوء إلى الطبيب السماوي.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي / تاريخ خلاصيالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأصلي
انتشار الخطية وحاجة البشرية إلى المخلصالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في نهاية قصة قايين وهابيل (تكوين ٤: ١-١٦) وتوسعها في سرد نسل قايين (تكوين ٤: ١٧-٢٤). قبل هذه الآية، نرى تطور الحضارة البشرية في نسل قايين (بناء مدينة، تربية مواشي، صنع آلات موسيقية، صناعة أدوات حديدية)، لكن كل هذا التقدم المادي يصاحبه انحدار روحي عميق. بعد هذه الآية، ننتقل فجأة إلى سرد جديد: "وعرف آدم حواء امرأته فحملت وولدت ابناً ودعت اسمه شيثاً" (تكوين ٤: ٢٥)، ثم يبدأ نسب آخر يصل إلى نوح. هذا التباين المقصود بين نسل قايين (خطية، عنف، كبرياء) ونسل شيث (دعوة على اسم الله) يوضح اختيار الله لخط نسل شيث ليحمل الوعد الخلاصي. الله، في محبته، لم يترك البشرية في دوامة العنف، بل أعدَّ طريقاً للخلاص من خلال نسل المرأة (تكوين ٣: ١٥).

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، يروي قصة خلق الله للعالم بخيرٍ ومحبة، وسقوط الإنسان بخطيته، وبدء عمل الله الخلاصي لاستعادة الخليقة. تكوين ٤ يقع بعد السقوط مباشرة، ويُظهر كيف أن الخطية، بعد دخولها العالم، لا تبقى ساكنة بل تتكاثر وتتنوع (الغيرة، القتل، الكذب، الكبرياء، الانتقام المفرط). لكن رسالة السفر الأكبر هي أن محبة الله أقوى من خطية الإنسان. حتى في أصعب الفصول، الله يعدّ الطريق للفداء. لامك هنا يمثل الإنسان الذي يعيش بعيداً عن الله، ويخلق ثقافته وحضارته، لكنها حضارة تفتقر إلى الرحمة والعدل الحقيقيين. الله في محبته يسمح لنا أن نرى هذا المسار ليحذرنا ويدعونا إلى المسار الآخر: مسار الشكر والاتضاع والاتكال عليه.

التفسير الآبائي

التفسيرالأب/المصدر
يرى آباء الكنيسة في قول لامك هذا مثالاً على الكبرياء البشري والقسوة التي تنتج عن الحياة بعيداً عن الله. إنه يُظهر كيف أن الخطية، عندما تُترَك بدون نعمة الله، تنمو وتتفاقم حتى تصل إلى هذا الاعتداء على صورة الله في الإنسان (القتل).التقليد الآبائي عمومًا
القديس يوحنا ذهبي الفم، في عظاته على سفر التكوين، يشير إلى أن لامك يمثل أول من أدخل تعدد الزوجات، وأول من غنى "أغنية عنف" بتباهٍ. هذا يُظهر الانحدار الأخلاقي المتسارع عندما يبتعد الإنسان عن وصية الله الأصلية (زواج رجل واحد بامرأة واحدة) وعن قدسية الحياة.القديس يوحنا ذهبي الفم
يُعلّم الآباء أن هذه الآية تُظهر الحاجة الماسة للناموس الإلهي ليكبح جماح الخطية. لامك يضع ناموساً خاصاً به (الانتقام المبالغ فيه)، وهذا سيقود حتماً إلى الفوضى والدمار. محبة الله تظهر هنا في إعداده لشريعة لاحقة (مثل "العين بالعين") لتحقيق بعض العدالة ووضع حد للانتقام غير المنضبط، تمهيداً للناموس الكامل الذي يحمله المسيح: المحبة والغفران.التقليد الآبائي

الخلفية الثقافية

في الثقافة القديمة في الشرق الأدنى، كانت قوانين الانتقام الفردي والعشائري سائدة (الثأر). ما يميز قول لامك هو المبالغة الشديدة: فهو لا يكتفي بـ "العين بالعين" بل يقتل شخصاً لأجل جرح بسيط. هذا يشير إلى ثقافة بدأت تفقد مفهوم التناسب في العقاب، وهو مفهوم أساسي للعدالة البشرية المستقرة. أيضاً، مخاطبة لامك لامرأتيه بأسلوب شعري (شبه نشيد) يُظهر أنه كان يتفاخر بعنفه، مما يجعل الخطية لا مجرد فعل بل حالة قلب مفتخر بالشر. هذه الخلفية تُظهر أن الخطية ليست فقط كسراً للناموس، بل هي فساد للقلب والثقافة. لكن الله في محبته لا يترك البشرية في هذه الحالة؛ فهو يدخل في تاريخها ليقودها نحو نور عدالته ورحمته.

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر التصميم والتبجح بالشر، وهو نقيض روح التوبة والتواضع أمام الله.H٥٥٩قال (ولكن هنا بمعنى أعلن أو تفاخر)وَقَالَוַיֹּאמֶר
تشير إلى انتشار الخطية في العلاقات الحميمة، حيث يُستبدل التكريس الواحد بتعدد يخدم الذات.H٨٠٢امرأة (جمع: نساء)لِٱمْرَأَتَيْهِלְנָשָׁיו
يُظهر العنف كسراً لوصية "لا تقتل" وتشويهاً لصورة الله في الإنسان.H٢٠٢٦قَتَلْتُהָרַגְתִּיהָרַגְתִּי
كلمة عامة للإنسان (آدم)، تؤكد أن الضحية إنسان، مثله في الخلق والتكريم.H٣٧٦رَجُلًاאִישׁלְאִישׁ
تُشير إلى أن الضحية الثانية قد تكون صغيراً في السن، مما يزيد من فظاعة الفعل وقسوة القلب.H٣٢٠٦فَتىً (شاب)יֶלֶדוְיֶלֶד
الجرح والشدخ (كسر) يصوران الأذى البدني البسيط نسبياً، مما يبرز عدم التناسب الرهيب في رد الفعل.H٦٤٨٢ / H٦٦٣٥لِجُرْحِي / لِشَدْخِيעַל־פְּצָעִי / עַל־חַבֻּרָתִיעַל־פְּצָעִי / עַל־حَبُرָתִי

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
تُظهر الآية أن الله يسمح لحرية الإنسان أن تظهر نتائجها الكاملة، ليس بفرح، بل كتحذير. محبته تظهر في كونه لا يخفي عنا حقيقة حالتنا، بل يكشفها ليدفعنا للبحث عن الشفاء عنده.الله ومحبته
المسيح هو النقيض التام للامك: لامك قتل لأجل جرح بسيط، أما المسيح فمات مغفوراً لجراحنا الخطيرة. لامك تفاخر بقوته الدموية، أما المسيح فتجسد متواضعاً ومات على الصليب ليكسر دائرة العنف. في المسيح، تتحقق العدالة الحقيقية الممزوجة بالرحمة.المسيح والخلاص
تُظهر الآية القلب البشري بدون الروح القدس: قاسٍ، متعجرف، عنيف. هذا يؤكد حاجتنا إلى نعمة الروح القدس لتجديد قلوبنا، لنحمل ثمار المحبة والسلام والوداعة عوضاً عن ثمار الجسد.الروح القدس
تدعونا الآية إلى رفض منطق العالم القائم على القوة والانتقام، وقبول منطق الملكوت القائم على المحبة والغفران. التأله هو عملية تحرر من هذه الأنانية والعنف الداخلي، واتحاد بالله الذي هو محبة.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية تمهيداً للمسيح وناموسه الجديد:

  • لامك كنقيض للمسيح: لامك يأخذ الحياة لأجل أذى شخصي بسيط. المسيح يبذل حياته لأجل خطايا العالم كله. لامك يمثل ناموس الانتقام المتطرف، المسيح يمثل ناموس المحبة والغفران (متى ٥: ٣٨-٤٨).
  • الجرح والشدخ: هما صورة للخطية التي تجرح وتكسر العلاقة بين الإنسان والله. المسيح هو الطبيب الذي يأتي ليشفي الجروح المفتوحة بجراحه المقدسة (بإشعياء ٥٣: ٥: "وَحُزُونَتِنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعِنَا تَحَمَّلَهَا... وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا").
  • الانتقال من لامك إلى شيث: يرمز إلى انتقال الله من خط العنف والموت (قايين – لامك) إلى خط الوعد والحياة (شيث – نوح – إبراهيم... المسيح). محبة الله تختار وتحمي الخط الذي سيأتي منه مخلص العالم.

التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآية:

مجال الحياةتطبيق محدد يُقرّبنا من الله
التوبة والاعترافتدعونا لفحص قلوبنا: هل نحمِل ضغينةً أو رغبةً خفية في الانتقام، حتى لو بشكل "مُبرَّر"؟ نعترف أمام الله أن قلوبنا قادرة على نفس القسوة بدون نعمته، ونطلب منه قلباً جديداً.
العلاقاتنرفض منطق "الاستحقاق" والانتقام في علاقاتنا (في البيت، العمل، الكنيسة). بدلاً من ذلك، نتبع وصية المسيح: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ" (لوقا ٦: ٢٧-٢٨).
العبادةنُسبِّح الله ليس بقوتنا أو إنجازاتنا (كما فعل نسل قايين)، بل بتواضع واعتراف بضعفنا وحاجتنا إلى مخلص. نشكر الله لأنه لم يتركنا في دوامة خطيتنا، بل أرسل ابنه.

الله الذي سمع تهديد لامك العنيف، يسمع صراخنا اليوم عندما نصرخ إليه من أعماق ضعفنا وخطايانا. هذه الآية القاتمة تذكرنا بأن الظلام لا يُخيف محبة الله. بل على العكس، محبته تنجلي أكثر في وسط الظلام. أنت لست مضطراً لأن تعيش في دائرة الغضب والانتقام. المسيح دخل إلى دوائر العنف البشرية ومات خارج المحلة، ليكسر قوة الشر ويقدم لك المصالحة مع الله ومع الآخرين. اليوم، يمكنك أن تختار خط النعمة، خط الغفران، خط المسيح.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. هل هناك موقف في حياتي أشعر فيه بجرح أو "شدخ" (إهانة، خيانة، ظلم) وأحتفظ برغبة خفية في الانتقام أو الإساءة؟ كيف يمكنني أن أضع هذا الألم عند قدمي الصليب اليوم؟ ٢. في أي جوانب من حياتي قد أكون متباهياً بقوتي أو إنجازاتي (مثل لامك) بدلاً من الاتضاع والاعتماد على نعمة الله؟ ٣. يا رب، أنت الذي غفرت للذين صلبوك، أعطني نعمة لأغفر لمن أخطأ في حقي. اشفِ جراح قلبي بجراح محبتك، وأطلق لساني ليس للتباهي بالشر، بل لتسبيح اسمك القدوس. آمين.

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تُظهر الوصية الإلهية التي كسرها لامك بشكل صارخ، وتُذكرنا بأن الحياة هبة من الله."لَا تَقْتُلْ" (خروج ٢٠: ١٣)
تقدم النقيض الإلهي لقلب لامك: الله لا يشتهي موت الخاطئ، بل رجوعه وحياته."لأني لا أسر بموت من يموت يقول السيد الرب. فارجعوا واحيوا" (حزقيال ١٨: ٣٢)
تُظهر ناموس العدالة المتناسبة الذي وضعه الله ليكبح جماح الانتقام الفردي غير المنضبط مثل انتقام لامك."نَفْسًا بِنَفْسٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، سِنًّا بِسِنٍّ..." (خروج ٢١: ٢٣-٢٥)
تقدم ناموس المسيح، الذي يحل محل ناموس الانتقام (والذي فشل حتى في شكله المتناسب) بناموس المحبة والغفران غير المحدود."سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ..." (متى ٥: ٣٨-٣٩)
تصف قلب الإنسان الساقط الذي يمثله لامك، وتؤكد أن التغيير الحقيقي يأتي من عمل الروح القدس."لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةٌ... قَتْلٌ" (مرقس ٧: ٢١)

آيات ذات صلة

  • تكوين ٤: ٨-١٠: القتل الأول (قايين لهابيل) وصراخ الدم إلى الله.
  • تكوين ٤: ١٥: رحمة الله مع قايين رغم خطيته (وضع علامة لحمايته)، تُظهر أن الله يرفض منطق الانتقام البشري حتى مع المجرم.
  • تكوين ٤: ٢٦: البداية الجديدة مع نسل شيث "حينئذٍ أُبتُدِئَ أن يُدعَى باسم الرب" – الإجابة الإلهية على ظلام لامك.
  • متّى ١٨: ٢١-٢٢: تعليم المسيح عن الغفران غير المحدود (٧٠ × ٧) كنقيض لانتقام لامك (٧٧ × ١، حسب بعض التفسيرات اليهودية القديمة).
  • رومية ١٢: ١٧-٢١: الوصية الرسولية بعدم المجازاة بالشر بالشر، والتغلب على الشر بالخير.