ماذا تعني تكوين 9:15؟
تفسير تكوين ٩: ١٥ من المنظور الأرثوذكسي
"أَنِّي أَذْكُرُ مِيثَاقِي ٱلَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ.
فَلَا تَكُونُ أَيْضًا ٱلْمِيَاهُ طُوفَانًا لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ."
المعنى والشرح
هذه الآية الجميلة هي وعد من الله بمحبة أبوية لا تتزعزع، تُعلن نهاية الدينونة بالطوفان وبداية عهد جديد من الرحمة الإلهية مع كل الخليقة. إنها كلمة رجاء وتأكيد من الله نفسه بأنه لن يسمح مرة أخرى للمياه أن تصبح وسيلة لإهلاك كل ذي جسد. الله هنا لا يُعلن مجرد اتفاقاً، بل يذكر عهده — فعل ذاكرة إلهي نشط يُظهر أن محبته ورعايته ليست حدثاً ماضياً، بل استمرارية حاضرة في علاقته مع خليقته.
الآية تُظهر لنا قلب الله الذي، بعد تأديب الطوفان، يُريد تطمين البشرية وجميع الكائنات الحية بأن رحمته ستظل سائدة.
عبارة "أَنِّي أَذْكُرُ" ليست تذكيراً بشرياً عرضياً، بل هي تعبير عن الاهتمام الإلهي الثابت والعهد الأبدي.
الله يربط نفسه بوعد لا رجعة فيه، ليس فقط مع نوح وعائلته، بل مع "كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ" — وهذا يشمل الحيوانات والطيور وكل ما خرج من الفلك.
هنا نرى شمولية محبة الله التي تُحيط بكل الخليقة.
في التقليد الأرثوذكسي، هذا الوعد يُرى كتمهيد لعهد النعمة الأكثر اكتمالاً في المسيح.
إنه يعلن أن الله، في محبته، حدّ من وسيلة الدينونة (المياه) وجعلها علامة على العهد نفسه (المعمودية).
لذا، فالمياه التي كانت مرةً أداة دينونة أصبحت في العهد الجديد أداة خلاص وولادة جديدة في سر المعمودية.
الله الذي يذكر عهده معك اليوم، هو نفسه الذي وعد نوحاً. يمكنك أن تثق تماماً بأن رحمته ورعايته تُحيط بك وبكل ما تحب.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تاريخي وعهدي | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية | الجمهور الأصلي |
| عهد الرحمة الإلهية بعد الدينونة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في نهاية قصة الطوفان (تكوين ٦-٩)، مباشرة بعد خروج نوح وعائلته من الفلك وتقديم الذبيحة. الآيات السابقة (تكوين ٩: ٨-١٤) تُسجّل كلام الله مع نوح وأولاده، حيث يُعلن عهده ويضع قوس القزح علامة لهذا العهد. هذه الآية (١٥) هي التأكيد الإلهي على هذا الوعد، مُعلنةً السبب الغائي: "فَلَا تَكُونُ أَيْضًا ٱلْمِيَاهُ طُوفَانًا".
الآيات التالية (١٦-١٧) تُكرّر تأكيد العهد وعلامة القوس، مما يُظهر تكراراً إلهياً لطمأنة البشرية الخائفة.
القصة كلها تُظهر انتقالاً من دينونة إلى رحمة، من غضب إلى مصالحة، من عزل إلى عهد.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات والأسس، وهذه الآية تؤسس لحقيقة لاهوتية عميقة: أن الله إله عهود، يربط نفسه بخليقته برباط محبة ورحمة. بعد سقوط آدم (تكوين ٣)، وقيين (تكوين ٤)، وفساد ما قبل الطوفان (تكوين ٦)، يظهر الله هنا كالإله الذي يبدأ دورة جديدة من النعمة. هذا النمط من الدينونة ثم الرحمة يُعدّ القارئ لفهم عمل الله الخلاصي عبر التاريخ، وصولاً إلى الفداء العظيم في المسيح.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| الله يتحدث هنا بلغة بشرية لكي يطمئننا. قوله "أَذْكُرُ" لا يعني أن الله قد ينسى، بل يُظهر اهتمامه ورعايته الدائمة لعهده معنا. هذا تعبير عن رحمة الله التي تسبق دينونته. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| العهد مع كل نفس حية يُظهر أن صلاح الله ورحمته تشمل الخليقة كلها. الله لم يخلق أي شيء ليهلك، بل يريد أن يُحفظ كل مخلوق في وجوده. الطوفان كان تأديباً للشر، ولكن رحمة الله هي النهاية الدائمة. | القديس باسيليوس الكبير |
| "لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ" — هذه العبارة تُظهر أن الهلاك ليس إرادة الله الأصلية. إرادته هي الحياة والاستمرارية. لذلك وضع حداً للطوفان كوسيلة دينونة شاملة، مقدّماً علامة القوس كوعد بالحفظ. | التقليد الآبائي عمومًا |
| في تذكّر الله لعهده، نرى صورة للابن الكلمة، "ذكرى" الله الأزلي الذي به يذكرنا الله دائماً. العهد هنا يُمهّد للعهد الجديد في دم المسيح. | رموز آبائية |
الخلفية الثقافية
في العالم القديم، كانت القصص عن فيضانات عظيمة تدمر البشرية شائعة في عدة ثقافات (مثل ملحمة جلجامش). لكن ما يميز القصة الكتابية هو نهايتها: عهد إلهي دائم. بينما كانت الآلهة في الأساطير الأخرى تعمل بشكل تعسفي أو انتقامي، يُعلن إله إسرائيل هنا أنه إله نظام ورحمة، يربط نفسه بوعود لا رجعة فيها.
علامة القوس في السحاب (التي ذكرت في الآيات المحيطة) لها دلالة ثقافية أيضاً.
القوس (القوس والسهم) كان أداة حرب في العالم القديم.
بوضعه قوسه في السحاب، يرمز الله إلى أنه "علق" أداة حربه ضد البشرية.
إنها إشارة سلام إلهي.
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن علاقة الله مع خليقته هي علاقة عهد ومحبة، وليست عشوائية أو مؤقتة | H١٢٨٥ | عهد، ميثاق، اتفاق ملزم | بَريت | בְּרִית |
| فعل الذكرى الإلهي النشط — الله لا ينسى، بل يعتني بوعوده باستمرار | H٢١٤٢ | يذكر، يتذكر، يهتم بأمر | زاكار | זָכַר |
| تشمل كل الخليقة الحيوانية — رحمة الله شاملة لكل ما نَفَخَ فيه نسمة حياة | H٥٣١٥ | نفس، حياة، كائن حي | نيفيش | נֶפֶשׁ |
| الوسيلة التي تحوّلت من دينونة إلى عهد — ترمز للمعمودية في العهد الجديد | H٣٩٩٩ | مياه، ماء | ماييم | מַיִם |
| الكارثة الشاملة التي لن تتكرر — نهاية لأحد أشكال الدينونة | H٣٩٩٩ | طوفان، فيضان | مابول | מַבּוּל |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله يُظهر هنا طبيعته كإله عهود: أمين، حافظ لوعوده، ورحيم. دينونته مؤقتة، ولكن رحمته إلى الأبد. محبته هي التي تحدد علاقته مع الخليقة. | الله ومحبته |
| هذا العهد يُمهّد لعهد المسيح النهائي. كما أن الله حدّ من الطوفان، جاء المسيح ليحمل دينونة خطايانا على الصليب، ويقدم لنا مياه المعمودية للحياة الأبدية. | المسيح والخلاص |
| الروح القدس هو "الختم" الحي لعهود الله في قلوبنا. كما كان القوس علامة ظاهرية، يعطينا الروح القدس يقيناً داخلياً بأننا أبناء الله ومشمولون برحمته. | الروح القدس |
| ندعى لنكون حافظين للعهد مثل الله. أن نعيش بأمانة ومسؤولية تجاه الله وتجاه الخليقة التي شملها العهد. أن نكون وكلاء رحمته في العالم. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
يرى الآباء في هذه الآية تمهيداً غنياً لعمل المسيح وكنيسته:
١. المياه التي لا تصير طوفاناً: ترمز للمعمودية. فالمياه التي كانت أداة دينونة في الطوفان، أصبحت في العهد الجديد أداة خلاص (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). المعمودية لا تهلك، بل تمنح الحياة الجديدة.
٢. العهد مع كل نفس حية: يُمهّد لشمولية الخلاص في المسيح، الذي جاء ليخلص العالم كله (يوحنا ٣: ١٦-١٧). كما شمل العهد الحيوانات، يشمل فداء المسيح كل الخليقة (رومية ٨: ١٩-٢٢).
٣. "أَنِّي أَذْكُرُ": تُشير إلى المسيح "ذكرى" الله الكاملة. في الليتورجيا الأرثوذكسية، نقول "أذكر يا رب"، ونؤمن أن المسيح هو تذكار الله الدائم لمحبته لنا.
٤. قوس القزح (السياق المحيط): يُرى في التقليد كرمز للمسيح الذي يصل السماء بالأرض، الإنسان بالله. ألوان القزح السبعة ترمز أيضاً إلى تنوع مواهب الروح القدس في الكنيسة الواحدة.
الاستخدام الليتورجي
هذه الآية، وسياقها من تكوين ٩، يُقرأ في الكنيسة الأرثوذكسية:
- في أسبوع الصليب (الأسبوع الثالث من الصوم الكبير): حيث تُقرأ مقاطع من سفر التكوين تتحدث عن خلاص الله، كمقدمة لسر الفداء.
- في عيد تجلي الرب (٦ آب): حيث يُذكر عهد الله كمقدمة للعهد الجديد في المسيح المتجلي.
- في صلوات التضرع للطقس: حيث تُذكر مراحم الله القديمة كأساس لرجاء مراحمه اليوم.
- في خدمة المعمودية: تُذكر قصة الطوفان وخلاص نوح كرمز لخلاصنا بالمياه المعمودية.
كذلك، رمز قوس القزح موجود في الأيقونات الأرثوذكسية أحياناً، كرمز للعهد الإلهي ورحمة الله.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن صلواتنا تستند إلى وعود الله الأكيدة. يمكننا أن نصلي بثقة لأن الله "يذكر" عهده. | الصلاة والعبادة |
| ندعى لنكون وكلاء رحمة وحفظ لكل الخليقة. العهد شمل الحيوانات، مما يذكرنا بمسؤوليتنا نحو البيئة والكائنات. | العلاقات والخدمة |
| في أيام الخوف أو القلق من كوارث أو أزمات، هذه الآية تطمئننا أن الله وضع حدوداً. رحمته تحمينا حتى في وسط العواصف. | التجارب والصعوبات |
هذه الآية تدعونا إلى حياة الشكر والثقة. كلما رأينا المطر أو قوس القزح، يمكننا أن نتذكر أن الله أمين لوعوده. هو لم يقل "إذا تذكرت" بل قال "أَنِّي أَذْكُرُ". الذاكرة هي من جانبه، وهذا يُحررنا من عبء المحاولة المستمرة لكسب رضاه.
في رحلتنا نحو التأله (الاتحاد بالله)، نتعلم من هذه الآية أن بدايتنا هي الثقة برحمة الله، وليس الخوف من دينونته.
كما حفظ الله نوذاً في الفلك، يحفظنا في "فلك الكنيسة" وسط عواصف هذا العالم.
مهما كانت المياه العالية حولك اليوم — مشاكل، تجارب، قلقل — تذكر أن الله حدّ من الطوفان.
مياه المعمودية التي نلتَها هي علامة أنك في عهده الأبدي.
هو يذكرك، فاذكره أنت أيضاً بشكر وفرح.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. للتأمل: ما هي "الطوفانات" في حياتك التي تخاف منها؟ كيف يمكن لوعد الله في هذه الآية أن يمنحك سلاماً؟
٢. للاستجابة: الله شمل الحيوانات في عهده. كيف يمكنك أن تعكس هذه الرعاية الشاملة في تعاملك مع الخليقة من حولك؟
٣. للصلاة: "يا رب، كما ذكرت عهدك مع نوح وكل حي، اذكرني أنا أيضاً برحمتك. ثبّت قلبي في وعدك أن رحمتك إلى الأبد. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تحقيق هذا الوعد في العهد الجديد: مياه المعمودية للخلاص، لا للهلاك | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| صورة أخرى عن عهد الله الأبدي مع كل الخليقة | إشعياء ٥٤: ٩-١٠ |
| المسيح هو تحقيق واكتمال كل عهود الله | ٢ كورنثوس ١: ٢٠ |
| رحمة الله التي لا تنقطع، كتكملة لوعده بعد الطوفان | مراثي إرميا ٣: ٢٢-٢٣ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٩: ١١: "وأقيم ميثاقي معكم، فلا ينقرض كل ذي جسد أيضًا بمياه الطوفان، ولا يكون أيضًا طوفان ليفسد الأرض."
- إشعياء ٥٤: ٩: "لأن هذا لي كمياه نوح. كما حلفت أن مياه نوح لا تجتاز أيضًا الأرض، هكذا حلفت أن لا أغضب عليك ولا أزجرك."
- حزقيال ١٦: ٦٠: "لكني أذكر ميثاقي معك في أيام صباك، وأقيم لك ميثاقًا أبديًا."
- لوقا ٢٢: ٢٠: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم." (اكتمال العهد في المسيح)
- رؤيا ٤: ٣: "والجالس في المنظر شبه حجر اليشب والعقيق، وقوس قزح حول العرش في المنظر شبه الزمرد." (القوس حول عرش الله — علامة العهد الأبدي)