السابقتكوين ٩:١٩التالي

تكوين ٩

تكوين 9:19

هَؤُلَاءِ ٱلثَّلَاثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ ٱلْأَرْضِ.

English (KJV):

These are the three sons of Noah: and of them was the whole earth overspread.

ماذا تعني تكوين 9:19؟

تفسير تكوين ٩: ١٩ من المنظور الأرثوذكسي

"هَؤُلَاءِ ٱلثَّلَاثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ ٱلْأَرْضِ." - تكوين ٩: ١٩

المعنى والشرح

هذه الآية البسيطة في ظاهرها تحمل في طياتها رسالة عميقة عن محبة الله الدائمة وأمانته لوعوده. بعد أن حكم الطوفان على الشر الذي فشا في الأرض، بدأ الله مع نوح وعائلته بداية جديدة للبشرية كلها. هذه العبارة: "وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ ٱلْأَرْضِ" هي تأكيد إلهي على أن خطة الله للبشر لم تُلغَ بخطيئة الإنسان، بل استمرت برحمته من خلال عائلة واحدة مؤمنة. الله لم يتخلَّ عن خليقته التي أحبها، بل أعاد بناءها من جذور جديدة، مظهرًا أن رحمته أوسع من دينونته.

يُعلن لنا هذا النص أن أصل البشرية جمعاء هو واحد، فنحن جميعًا من نسل واحد، من عائلة واحدة نجاها الله. هذا يذكرنا بأننا، رغم تعددنا واختلافاتنا الظاهرة، إخوة في الأصل والإنسانية، مدعوون إلى الشركة مع الله ومع بعضنا البعض. إنها صورة مسبقة للكنيسة، الجسد الواحد الذي منه تتشعب المحبة والخلاص إلى كل الأمم. الله، في محبته، لم يبدأ من نقطة الصفر مع أناس جدد، بل اختار أن يستمر في قصته مع البشرية من خلال هؤلاء الثلاثة الذين حملوا فيهم بذرة الإيمان والطاعة التي تجلت في أبيهم نوح.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (تاريخ الخلاص)النوع الأدبي
موسى النبي (تقليدًا)الكاتب
شعب إسرائيل والشعب المسيحيالجمهور
استمرارية خطة الله الخلاصية ومحبته بعد الطوفانالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في نهاية رواية الطوفان والعهد (تكوين ٦-٩). بعد أن نجا نوح وعائلته (زوجته وأبناؤه الثلاثة ونساؤهم) داخل الفلك، باركهم الله وأعطاهم وصية جديدة: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تكوين ٩: ١). ثم أقام الله عهده مع نوح وكل ذي جسد، ووضع قوس القزح علامة على هذا العهد الأبدي بأنه لن يُهلك كل حي بالطوفان مرة أخرى (تكوين ٩: ٨-١٧). الآية ١٩ تُلخص وتختتم هذه الحقبة الجديدة، مؤكدة أن وصية التكاثر وملء الأرض ستبدأ من هؤلاء الثلاثة: سام وحام ويافث.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، لكنه بالأساس سفر وعود الله الأمينة. من بداية الخلق، نرى خطًا مستمرًا لعمل الله الخلاصي رغم سقوط الإنسان. بعد آدم، اختار شيث. بعد فساد أيام نوح، اختار نوح. بعد نوح، سيختار إبراهيم. هذه الآية هي حلقة وصل حيوية: فهي تُغلق فصل دمار الطوفان، وتفتح الباب لفصل جديد من انتشار البشرية وتاريخ الخلاص الذي سيتركز لاحقًا في نسل سام، ومنه يأتي إبراهيم وداوود وأخيرًا المسيح نفسه. إنها تظهر أن الله لا يغير خطته بسبب شر الإنسان، بل يعمل دائمًا على إصلاح واسترداد ما يحبه.

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية أكثر من مجرد سرد تاريخي؛ إنهم يبصرون فيها أبعادًا روحية ورموزًا خلاصية.

التفسيرالأب/المصدر
يؤكد أن هذه البداية الجديدة من عائلة واحدة هي دليل على صبر الله ورغبته في إعطاء البشرية فرصة جديدة للتوبة والعودة إليه. فالطوفان كان دواءً قاسياً لشفاء مرض الخطية، لكن المحبة هي التي دفعت الله للحفاظ على نسل البشر.القديس يوحنا ذهبي الفم
يرى في أبناء نوح الثلاثة تمثيلًا لاتساع خطة الخلاص. فمن نسلهم ستأتي كل أمم الأرض، مما يمهد لرسالة الإنجيل العالمية. فالله لم يقتصر خلاصه على شعب واحد، بل من البداية كانت نيته أن يبارك كل العشائر من خلال نسل إبراهيم المسيح.التقليد الآبائي العام
يفسر "تشعبت كل الأرض" على أنها إشارة إلى انتشار نعمة الله وبركته وليس فقط السكان. فالنعمة التي أنقذت نوحًا تُمنح الآن كإمكانية لجميع نسله.القديس كيرلس الإسكندري

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية البسيطة حقائق لاهوتية عميقة عن محبة الله وعمله:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
أمانة الله لوعوده: رغم دينونة الطوفان، وعد الله باستمرار الحياة (تكوين ٨: ٢١-٢٢). هذه الآية هي تحقيق مبدئي لذلك الوعد، مما يُظهر أن كلمة الله لا ترجع فارغة.الله ومحبته
وحدة الجنس البشري في الخلاص: الأصل المشترك يؤكد أن الخلاص في المسيح مُعدّ للجميع. كما أن كل البشر خرجوا من هؤلاء الثلاثة، هكذا يدعو المسيح كل الأمم إلى خلاص واحد في كنيسته.المسيح والخلاص
الكنيسة كمكان الخلاص: الفلك، الذي حمى العائلة الواحدة، هو رمز للكنيسة في التقليد الأرثوذكسي. خروج الأبناء من الفلك وانتشارهم يمثل دعوة الكنيسة لنشر الخلاص في كل العالم.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

في القراءة المسيحية الأرثوذكسية، كل العهد القديم هو تمهيد وظل للعهد الجديد. في هذه الآية نرى تمهيدًا جميلاً:

  • نوح كرمز للمسيح: كما أن نوحًا كان "البار الكامل" الذي به نجا العالم من الدمار المائي، هكذا المسيح، البار الوحيد، يخلصنا من دمار الخطية والموت. الخلاص بدأ بعائلة واحدة داخل الفلك، والخلاص في المسيح يبدأ بالإيمان داخل الكنيسة.
  • الأبناء الثلاثة كرمز لجميع الأمم: من هؤلاء الثلاثة تشعبت كل الأرض. هذا يُمهد للوصية العظمى للمسيح: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (متى ٢٨: ١٩). الخطة كانت دائمًا عالمية.
  • البداية الجديدة: مثلما كانت الأرض بعد الطوفان "خليقة جديدة"، هكذا المعمودية في التقليد الأرثوذكسي هي غسل بالماء تماثلًا للطوفان، نخرج منها إنسانًا جديدًا، نبدأ حياة جديدة في المسيح.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية إلى النمو في علاقتنا مع الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا بوحدتنا مع كل البشر: عندما نُصلي من أجل "كل إنسان"، أو عندما نرى شخصًا مختلفًا عنا، نتذكر أننا من أصل واحد. هذا يزرع فينا روح المحبة والتواضع ونبذ الكبرياء العنصري أو القبلي.العلاقات والخدمة
تعزينا في فترات "البدايات الجديدة": ربما تمر بحالة تشعر فيها أن كل شيء انتهى (علاقة، عمل، صحة). هذه الآية تذكرك أن الله قادر أن يبدأ من نقطة صغيرة (عائلة واحدة) ليُحدث شيئًا عظيمًا (يملأ الأرض). ثق بأن بركة الله موجودة في بداياتك المتواضعة.التجارب والصعوبات
تحفزنا لنقل البركة: كما كان على أبناء نوح أن يحملوا بركة الحياة وينشروها في العالم، هكذا نحن معمدون مُسحاء، مدعوون لحمل نعمة المسيح وسمته إلى محيطنا، سواء بالكلمة أو بالمثال الحسن.الصلاة والعبادة

الله الذي أعاد بناء العالم من عائلة واحدة، قادر أن يُجدد حياتك من نقطة الانطلاق التي أنت فيها الآن. ثق بأن خطته لمحبته وخلاصك مستمرة، وأنك جزء من قصة أكبر تهدف إلى ملء الأرض بمحبته.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. كيف أرى محبة الله وأمانته تتجلى في تاريخ عائلتي أو مسيرتي الشخصية، رغم الصعوبات التي مررت بها؟ ٢. في أي مجال من حياتي أدعو اليوم ليكون "بداية جديدة" مع الله، لأحمل بركته وأشاركها مع من حولي؟ ٣. كيف يمكنني أن أعيش روح الوحدة والأخوة التي تُعلنها هذه الآية تجاه شخص أرى أنه مختلف عني أو صعب في تعاملي معه؟

  • "يارب، كما وثقت بعهدك مع نوح وباركت بداية جديدة من أبنائه، ثق بي اليوم لأبدأ من جديد في مساحات قلبي الجافة. ساعدني لأنتشر بمحبتك وأمانتي في العالم من حولي. آمين."

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تؤكد وصية ملء الأرض بعد الطوفان، والتي تتحقق من خلال أبناء نوح.تكوين ٩: ١، ٧
تظهر بركة الله واستمرارية النسل الموعود به من خلال سام، الذي منه يأتي إبراهيم والمسيح.تكوين ١١: ١٠-٢٦
توضح كيف فهم القديس بطرس أن الطوفان كان صورة للمعمودية التي تخلصنا الآن.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
تذكرنا بأننا من أصل واحد، وهذا الأساس لوحدة البشرية في المسيح.أعمال الرسل ١٧: ٢٦

آيات ذات صلة

  • تكوين ١٠: ٣٢: "هَذِهِ مَشَاجِرُ بَنِي نُوحٍ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ بِأُمَمِهِمْ. وَمِنْ هَؤُلاَءِ تَفَرَّقَتِ الأُمَمُ فِي الأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ." (التفصيل اللاحق لتحقيق الآية ١٩)
  • تكوين ١٢: ٣: "وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ." (وعد الله لإبراهيم، التركيز الجديد لبركة كل الأمم)
  • متى ٢٨: ١٩: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ." (إتمام الدعوة العالمية التي تمهدت من أيام نوح)
  • أفسس ٤: ٤-٦: "جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ... رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ." (الوحدة في المسيح التي تستند على أصلنا الواحد)
  • رؤيا ٧: ٩: "بَعْدَ هَذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ... مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ." (الرؤيا النهائية حيث تلتقي كل الشعوب المتناسبة من أبناء نوح حول العرش).