ماذا تعني تكوين 9:3؟
كل دابة حية تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعته إليكم الجميع
تكوين ٩: ٣
المعنى والشرح
هذه الآية الجميلة، التي قالها الله لنوح وعائلته بعد الخروج من الفلك، تُعدّ تعبيرًا عميقًا عن رحمة الله ورعايته الأبوية لخليقته. بعد أن أتى الطوفان وطهّر الأرض، يقف الله ليُجدد بركته للإنسان ويُؤسس علاقة جديدة معه. في هذه اللحظة الجديدة من البداية، يوسع الله رحمته فيسمح للإنسان أن يأكل من كل الحيوانات، قائلاً: "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَٱلْعُشْبِ ٱلْأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ ٱلْجَمِيعَ."
المعنى المباشر هو أن الله، بعد أن كان قد حدد للإنسان في البداية طعامًا نباتيًا فقط (تكوين ١: ٢٩)، الآن وبعد الطوفان، يُوسع نعمته ويسمح له بأن يأكل اللحوم أيضًا. لكن الأمر الأعمق هو ما تُظهره هذه الكلمات عن قلب الله: إنها صورة للتدبير الإلهي (Oikonomia) الذي فيه يتكيف الله مع ظروف الإنسان المتغيرة، ويُظهر صلاحه العملي لتلبية احتياجات البشرية في عالم ما بعد الطوفان. ليست هذه تراجعًا عن المثالية الأصلية، بل هي تعبير عن محبة الله التي تلتقي بنا حيث نحن، لتسندنا وتُعيننا في رحلتنا نحو الخلاص.
الله لا يقول هذا الأمر بجفاف، بل بمحبة أبوية عظيمة. تشبيهه الإذن بأكل الحيوانات "كَٱلْعُشْبِ ٱلْأَخْضَرِ" الذي كان مسموحًا به من قبل، هو لتخفيف ثقل هذا التغيير وطمأنة قلب الإنسان. وكلمة "دَفَعْتُ" تُظهر العطية الناشئة عن محبة مُسبَقة، وكأن الله يُقدّم هذه النعمة بيديه المفتوحتين، دافعًا إياها نحو الإنسان كمورد للبقاء والبركة.
إذن، هذه الآية تُعلن أن محبة الله لا تتوقف عند المثاليات النظريّة، بل تنزل إلى واقعنا، وتُقدّم لنا ما نحتاجه في رحلتنا الأرضية، داعية إيانا دائمًا إلى الامتنان والاعتدال والقداسة في استخدام كل عطية.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (تاريخ الخلاص) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل (والبشرية جمعاء) | الجمهور الأصلي |
| رحمة الله المتجددة وعطيته بعد الدينونة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في قلب عهد الله مع نوح بعد الطوفان (تكوين ٨: ٢٠ – ٩: ١٧). لقد قدّم نوح ذبيحة شكر لله (تكوين ٨: ٢٠)، فشَمَّ الله رائحة الرضا وقَبِل التوبة. كاستجابة، يبارك الله نوحًا وأولاده مرة أخرى (تكوين ٩: ١) ويُعيد تأكيد وصية الإثمار والملء (تكوين ٩: ١، ٧). ثم يُحدد الله العلاقة الجديدة بين الإنسان والحيوان، حيث يزرع الخوف والرعب من الإنسان في كل حيوان (تكوين ٩: ٢). في هذا الإطار الجديد، يأتي الإذن بأكل اللحوم (آية ٣) مباشرة، ليكون بمثابة مورد إلهي للبقاء في عالم تغيرت طبيعته. لكن الله يضع على الفور حدًا لهذا الإذن بتحريم أكل الدم (تكوين ٩: ٤)، مؤكدًا على قداسة الحياة التي هي من عنده.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات والعهود. هنا، بعد دينونة الطوفان، يبدأ الله علاقة جديدة مع البشرية من خلال نوح، كنوع من "خليقة جديدة". الآية (٩: ٣) هي جزء من هذه اللوحة الأكبر التي تُظهر أن الله، حتى بعد سقوط الإنسان وتفاقم الخطية، لا يتخلى عن خطته الخلاصية. إنها تواصل مسيرة رحمة الله التي بدأت بوعده لآدم وحواء (تكوين ٣: ١٥)، وتُعدّ الأرضية لظهور إبراهيم والعهد معه لاحقًا. الله هو الإله الذي يُجدد ويُعيد البناء دائمًا من أجل خلاص محبوبه: الإنسان.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يرى في هذا الإذن تساهلاً إلهيًا (تدبيرًا) مع ضعف الطبيعة البشرية بعد الطوفان، حيث أصبح الجسد أضعف والحاجة للغذاء أقوى. ليس الأمر أمرًا مطلقًا، بل هو عطية نعمة ورحمة لتقوية الإنسان. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| يُشير إلى أن الله، في صلاحه، قدّم هذا الإذن ليكون مصدرًا للغذاء والدعم، ولكنه يبقى مرتبطًا بوصية تحريم الدم، التي تذكر الإنسان بأن الحياة هي لله، وبذلك يدعوه إلى الاعتدال والقداسة في استخدام العطية. | التقليد الآبائي عمومًا |
| هذا التشريع الجديد يُظهر كيف أن الشرائع الإلهية تُعطى تدريجيًا، وِفقًا لاستعداد البشرية وقدرتها على الفهم. الله يُلاقي الإنسان في مستواه ليرفعه رويدًا رويدًا نحو الكمال. | فكرة التدبير الإلهي (Oikonomia) في الفكر الأرثوذكسي |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله ومحبته: تُظهر الآية أن محبة الله عملية ورحيمة. إنها لا تفرض مثالية مجردة على الإنسان الضعيف، بل تقدم له ما يحتاج إليه لينمو ويعيش. الله هو "طبيب النفوس والأجساد" الذي يصف الدواء المناسب لكل مرحلة. | الله ومحبته |
| التدبير والخليقة الجديدة: هذا الإذن هو جزء من "تدبير" الله بعد الطوفان، الذي يمثل بداية جديدة. يُظهر أن الله يعمل دائمًا من أجل تجديد خليقته وإعادتها إلى شركته، حتى لو تطلب ذلك خطوات تدريجية. | المسيح والخلاص (كتمهيد) |
| دعوة الإنسان: تدعونا الآية إلى الامتنان على عطايا الله الكثيرة، والاعتدال في استخدامها، والقداسة باحترام قداسة الحياة التي من الله. تذكّرنا أن كل عطية هي هبة من فوق (يعقوب ١: ١٧) وتدعونا إلى أن نكون وكلاء أمناء عليها. | دعوة الإنسان (التأله والاتحاد بالله) |
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكّرنا بأن احتياجاتنا الجسدية ليست منفصلة عن عناية الله. يمكننا أن نطلب منه خبزنا اليومي بثقة، ونشكره على كل نعمة، كبيرة كانت أم صغيرة. | الصلاة والعبادة (الشكر) |
| تعلّمنا أن نستخدم نعم الله (مثل الطعام والموارد) باعتدال وامتنان، وليس بشراهة أو إسراف. كما تحثنا على احترام الخليقة كلها، لأنها من يد الله. | العلاقات والخدمة (إدارة العطايا) |
| في أوقات الشدة أو التغيير الكبير (مثل ما بعد الطوفان)، تُشجّعنا على الثقة بأن الله سيُقدّم لنا دائمًا ما نحتاج إليه للعبور، حتى لو كان بطريقة لم نكن نتوقعها. | التجارب والصعوبات (الثقة بالعناية الإلهية) |
لقد فتح الله كنوز رحمته بعد الدينونة، معطيًا للإنسان ليس فقط فرصة جديدة للحياة، بل أيضًا موارد جديدة للعيش. هذا يعلّمنا أن رحمة الله أوسع من أي خطية، وصلاحه أغنى من أي حاجة. عندما نأكل طعامًا اليوم، لنتذكّر أن كل لقمة هي هبة من محبته، ودعوة لأن نعيش حياتنا ممتلئين شكرًا، ومعتدلين في استخدامنا، ومنفتحين على مشاركة بركاتنا مع الآخرين. الله الذي اهتم بطعامنا الجسدي، هو نفسه الذي يهتم بأكثر من ذلك بكثير لطعامنا الروحي — فليفتح قلبنا لنعمة مائدته السماوية.
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| النظام الغذائي الأصلي في الفردوس، الذي كان نباتيًا فقط، مما يُظهر أن الإذن بأكل اللحوم هو تدبير لاحق نابع من الرحمة. | تكوين ١: ٢٩ |
| تحريم الدم الذي يلي مباشرة هذا الإذن، مؤكدًا على قداسة الحياة والحدود الرحيمة التي يضعها الله على استخدامنا لعطاياه. | تكوين ٩: ٤ |
| تعليم العهد الجديد عن الامتنان وتقديس الطعام، حيث أن كل خليقة الله جيدة ولا يُرفض شيء إذا أخذ مع الشكر. | ١ تيموثاوس ٤: ٤-٥ |
| دعوة المسيح إلى عدم الاهتمام الزائد للطعام الجسدي، لأن الآب السماوي يعرف احتياجاتنا، والأهم هو التطلع أولاً إلى ملكوته. | متى ٦: ٣١-٣٣ |
آيات ذات صلة
- تكوين ١: ٢٩: النظام الغذائي المثالي في الفردوس.
- تكوين ٩: ٤: التحريم المصاحب للأكل: عدم أكل الدم.
- لاويين ١٧: ١١: تفسير أهمية الدم وأساس التحريم في الشريعة الموسوية.
- أعمال الرسل ١٥: ٢٠: قرار مجمع أورشليم الذي يحفظ تحريم الدم للمؤمنين من الأمم، كحد أدنى للقداسة.
- ١ تيموثاوس ٤: ٣-٥: كل خليقة الله جيدة وتُقبل بالشكر والصلاة.