السابقتكوين ٨:١التالي

تكوين ٨

تكوين 8:1

ثُمَّ ذَكَرَ ٱللهُ نُوحًا وَكُلَّ ٱلْوُحُوشِ وَكُلَّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ. وَأَجَازَ ٱللهُ رِيحًا عَلَى ٱلْأَرْضِ فَهَدَأَتِ ٱلْمِيَاهُ.

English (KJV):

And God remembered Noah, and every living thing, and all the cattle that was with him in the ark: and God made a wind to pass over the earth, and the waters asswaged;

ماذا تعني تكوين 8:1؟

المعنى والشرح

هذه الآية العطرة، "ثُمَّ ذَكَرَ ٱللهُ نُوحًا وَكُلَّ ٱلْوُحُوشِ وَكُلَّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ. وَأَجَازَ ٱللهُ رِيحًا عَلَى ٱلْأَرْضِ فَهَدَأَتِ ٱلْمِيَاهُ" (تكوين ٨: ١)، هي نقطة تحول جوهرية في قصة الطوفان، تُعلن بصراحة عن قلب الله المحب الذي لا ينسى خليقته أبدًا. فبعد مشهد الدمار والعقاب، يبدأ فصل جديد من الرحمة والخلاص. الكلمة الرئيسية هنا هي "ذكر"—فهي ليست مجرد تذكّر ذهني، بل هي فعل محبة وعهد وتدخل خلاصي. الله، في وسط الدينونة، يتذكر نوحًا وكل من معه، ليس لأنهم نسوا الله، بل لأن الله، في صلاحه الذي لا يُحد، يبقى أمينًا لوعده ولمن يثقون به.

هذه الآية تكشف لنا أن الله ليس إلهًا بعيدًا أو غير مكترث. بل هو أب حنون، "طويل الأناة وكثير الرأفة" (مزمور ١٠٣: ٨)، يرقب أبناءه حتى في أصعب الأوقات. فعل "أَجَازَ رِيحًا" هو فعل خلاق، مشابه لفعل الخلق الأول عندما كان "روح الله يرف على وجه المياه" (تكوين ١: ٢). الله هنا يعيد النظام من الفوضى، ويجفف دموع الأرض بدموع السماء، ويهيئ الطريق لعهد جديد. إنها صورة رائعة لرحمة الله التي تنتصر على الدينونة، وتذكّرك، عزيزي القارئ، أنه مهما كانت "الطوفانات" التي تمر بها في حياتك—سواء أكانت تجارب أو حزن أو شعورًا بالعزلة—فإن الله يذكرك. هو لم ينسك. وهو يعمل، حتى عندما لا ترى يديه، ليهب عليك "ريحًا" من تعزية وهدوء ليبدأ فصلًا جديدًا من الرجاء في حياتك.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (قصص البطاركة)النوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأصلي
محبة الله الأمينة وخلاصه في وسط الدينونةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في قلب قصة الطوفان (تكوين ٦-٩). قبلها، نقرأ عن دمار كل جسد على الأرض بسبب فساد الإنسان (تكوين ٧: ٢١-٢٤)، حيث يبدو أن غضب الله قد حسم الأمر. بعدها، نرى بداية عملية الجفاف التدريجي (تكوين ٨: ٢-٥) التي تؤدي في النهاية إلى خروج نوح من الفلك واستقبال الله للذبيحة وإقامة العهد (تكوين ٨: ٢٠-٩: ١٧). إذن، هذه الآية هي المحور الذي تتحول عنده القصة من التركيز على الدينونة إلى التركيز على الرحمة والخلاص. هي اللحظة التي يتحرك فيها الله بالمبادرة لإنهاء حالة القصاص وبدء عملية التجديد.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر "البدايات"، وهو يُظهر بشكل متكرر كيف أن خطية الإنسان تسبب انفصالًا ودمارًا، لكن محبة الله ووعوده تنتصر دائمًا. قصة الطوفان تتبع هذا النمط: فساد (تكوين ٦: ٥-١٢) -> دينونة (الطوفان) -> ذكر ونعمة (تكوين ٨: ١) -> خلاص وعهد جديد (تكوين ٩). تكوين ٨: ١ هي الحلقة الحاسمة التي تمنع القصة من أن تكون مجرد نهاية تراجيدية، وتحولها إلى إعلان عن إله يرفض التخلي عن خليقته إلى الأبد، ويبحث دائمًا عن طريق للفداء والبداية الجديدة.


التفسير الآبائي

رأى آباء الكنيسة في هذه الآية عمقًا لاهوتيًا كبيرًا، مؤكدين أنها تُظهر الطبيعة الحقيقية لله كمحب ورحوم، حتى في تأديبه.

التفسيرالأب/المصدر
يؤكد أن "ذكر الله" ليس تغيّرًا في ذهن الله، بل هو تعبير عن حنوه وصلاحه الدائم الذي يحدد الوقت المناسب لإنهاء التأديب وبدء الرحمة. الله لم ينسَ نوحًا، بل كان يحميه طوال الوقت داخل الفلك.القديس يوحنا ذهبي الفم
يرى في "إجازة الريح" صورة لعمل الروح القدس. فكما أن روح الله كان يرف على وجه المياه في البدء ليُخرج نظامًا للحياة، هكذا يرسل الله ريحًا (الروح نفسه) لتهدئة مياه الدينونة وتبدأ عملية خلق جديدة، مقدماً رمزًا لعماد المسيح الذي يغسل ويهدئ ويجدد.القديس أمبروسيوس ميلانو
يُعلّم أن الفلك يمثل الكنيسة، ونوح يمثل المسيح. "تذكّر الله" هو تأكيد على أن الله لا يتخلى أبدًا عن كنيسته، حتى في أحلك فترات الاضطهاد والتجارب. الريح التي تجفف المياه هي نعمة الروح القدس التي تعزّي المؤمنين وتقودهم إلى بر الأمان.التقليد الآبائي عمومًا
يشير إلى أن الله ذكر جميع الكائنات داخل الفلك، ليس البشر فقط. هذا يظهر شمولية عناية الله وصلاحه تجاه كل الخليقة، ورغبته في فداء وخلاص العالم المادي كله، وليس النفس البشرية فقط (رومية ٨: ١٩-٢١).القديس باسيليوس الكبير

دراسة الكلمات

كلمات هذه الآية تحمل في طياتها معانٍ غنية تُظهر عمق محبة الله وعمله الخلاصي.

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تكشف عن قلب الله العهودي والمحب. ليست ذاكرة عابرة، بل هي فعل اختيار ومبادرة للتدخل من أجل الخلاص والوفاء بالوعد.H٢١٤٢ذكر، تذكّر، اعتنى به، تدخّل من أجلهزَخَرזָכַר
تُظهر سلطان الله المطلق على قوى الطبيعة. الريح (والروح في العبرية نفسها) هي أداة الله الخلاقة والمُجدِّدة لتحويل الفوضى إلى نظام، والموت إلى حياة.H٧٣٠٧ريح، نسمة، روح، نفسروخרוּחַ
تؤكد هدوءًا وسلامًا نابعًا من تدخل الله المباشر. ليست المياه تهدأ من تلقاء نفسها، بل بفعل قوة الله ونعمته.H٨٩١٧سكن، هدأ، ارتاح، سكتشاخاخשָׁכַךְ

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية البسيطة حقائق عميقة عن الله وعمله في العالم:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله محبة حتى في الدينونة: فكرة "تذكّر الله" تزيل أي صورة عن إله قاسٍ أو منتقم. الدينونة مؤقتة وغايتها التصحيح، بينما الرحمة والذاكرة الإلهية دائمة وغايتها الخلاص.الله ومحبته
المسيح هو "تذكّر الله" النهائي: الفلك هو رمز للمسيح والكنيسة. فكما ذكر الله نوحًا في الفلك لينجيه من الموت بالماء، هكذا يتذكر الله البشرية في مسيحه لينجينا من الموت بالخطية. الطوفان يرمز للمعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١)، حيث يموت الإنسان العتيق ويُخلَص في سفينة الكنيسة.المسيح والخلاص
الروح القدس يُجدد ويُهدئ: الريح (الروح) التي أُجيزت هي صورة لعمل الروح القدس المُجدِّد في الخليقة وفي قلب المؤمن. هو الذي يهدئ العواصف الداخلية والخارجية ويُعدّ الطريق لحياة جديدة.الروح القدس
دعوة إلى الثقة في عناية الله: الآية تدعونا إلى أن نثق، كما فعل نوح، أن الله يذكرنا حتى في صمت التجارب الطويلة. دعوتنا هي أن نبقى داخل "فلك" الإيمان والكنيسة، واثقين أن تدخله الخلاصي آتٍ في الوقت المناسب.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

رأى الآباء في هذه الآية وأحداث الطوفان تمهيدًا وإعلانًا رمزيًا عن فداء المسيح وعمله:

  • الطوفان والماء: يرمز للمعمودية، حيث يموت الإنسان العتيق بالغرق في المياه، ويقوم إنسانًا جديدًا. الطوفان كان دينونة، لكنه أيضًا أصبح أداة للتنقية وبداية جديدة، كما تفعل المعمودية.
  • الفلك: هو رمز واضح لكنيسة المسيح. فالخلاص يكون داخل المجتمع المؤمن (الفلك) الذي بناه الله (المسيح) وأعدّه. من يبقى خارج الفلك يهلك، ومن يدخله ينال الخلاص.
  • نوح البار: كصورة للمسيح، البار الوحيد الذي بسبب بره نال الخلاص هو وعائلته (الكنيسة) ومن معه (كل الأمم عبر الكنيسة).
  • "ذكر الله": هي النعمة الإلهية المسبقة التي تسبق أي استحقاق بشري. هكذا محبة الله في المسيح سبقتنا واختارتنا قبل تأسيس العالم (أفسس ١: ٤).
  • الريح المُجفِّفة: ترمز لعمل الروح القدس في تطهير القلب وتهيئته لاستقبال النعمة والحياة الجديدة، كما فعل مع التلاميذ في يوم الخمسين.

الاستخدام الليتورجي

تظهر قصة الطوفان وتذكّر الله بشكل خاص في الليتورجيا الأرثوذكسية في سياق عيد الظهور الإلهي (الغطاس):

  • في قداس عيد الظهور، تُقرأ نبوءات العهد القديم التي تتكلم عن المياه والخلاص، وغالبًا ما تُذكر قصة الطوفان كرمز للمعمودية.
  • يُعلن الكاهن في صلاة التقديس للماء: "أنت أيها الرب إلهنا، جعلت المياه تخاف في رؤية روحك القدوس، عندما غطست بكثرة مياه الطوفان خطايا البشرية الهالكة... أنت أيها الصالح، تهب الآن أيضاً بتجليك، ببركاتك تتبارك هذه المياه بتنازلك، وأعطها نعمة الأردن، وقوة ومفعول الروح القدوس".
  • هنا نرى الارتباط الوثيق: مياه الطوفان (الدينونة) -> ذكر الله وتهدئة المياه -> مياه الأردن (معمودية المسيح) -> مياه المعمودية اليوم (خلاصنا). الله هو نفسه الذي يذكر ويخلص في كل العصور.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية الرائعة إلى النمو في شركتنا مع الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكّر أن الله يذكرك: في أوقات الصلاة التي تشعر فيها بالجفاف أو العزلة، استذكر هذه الآية. صلِّ: "يا رب، كما ذكرت نوحًا في الفلك، اذكرني أنا عبدك في ضيقتي. أنت لم تنسَهُ، ولن تنساني".الصلاة والعبادة
كن "فلكًا" للآخرين: كما كان الفلك ملجأ، دع إيمانك وحنانك يكون ملجأ لمن حولك يمرون في "طوفانات" الحياة. قدّم كلمة رجاء وتعزية تُشبه الريح التي تجفف الدموع.العلاقات والخدمة
الثقة في توقيت الله: ربما تنتظر تدخلاً من الله يبدو أنه يتأخر. نوح waited شهورًا داخل الفلك. هذه الآية تُعلّمنا الصبر والثقة بأن "ذكر" الله لأجلنا سيتجسد في الفعل المناسب في الوقت المحدد (غلاطية ٤: ٤).التجارب والصعوبات

عزيزي القارئ، قد تمر في حياتك بأيام تشعر فيها أنك في قعر الفلك، محاط بالظلام والمياه الهائجة من كل جانب، ولا ترى علامة على dry land. لكن كلمة الله اليوم تُعلن لك: الله يذكرك. ذاكرته ليست سلبية؛ هي فعل خلاصي. هو يعمل في الخفاء، يرسل ريح نعمته لتجفيف منابع حزنك وتمهيد الطريق لخروج جديد إلى حرية النعمة. ثق بأن الهدوء الآتي من يديه هو هدوء مُجدِّد، يجهّزك لعهد جديد معه، حيث تسمع مجددًا وعده: "لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان" (تكوين ٨: ٢١). انظر إلى الصليب، فهناك تجسّد "تذكّر الله" النهائي للبشرية، وهناك الريح (الروح) التي أُعطيت لتهدئة كل عاصفة وتجدد وجه الأرض.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. للتأمل: في أي منطقة من حياتك تشعر حاليًا أنك "محاصر بالمياه" أو في انتظار تدخل من الله؟ كيف يمكن لقوله "ثم ذكر الله" أن يغير نظرتك إلى هذا الموقف؟ ٢. للاستجابة: هل يمكنك أن تذكر موقفًا شعرت فيه بأن الله "ذكرك" وتدخل في وقتك المحدد؟ كيف يمكن أن تشارك هذه الشهادة لتعزية شخص آخر؟ ٣. للصلاة: "يا إله نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، يا من تذكر عهدك إلى الأبد، اذكرني أنا الخاطئ في ضعف إيماني. أرسل ريح روحك القدوس لتهدئة العواصف في داخلي وحولي، وامنحني صبر نوح وثقته، لأمكث في فلك كنيستك راجيًا خلاصك ورحمتك. آمين."


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تظهر أن "ذكر الله" مرتبط دائمًا بعهده ورحمته تجاه شعبه."فَذَكَرَ اللهُ عَهْدَهُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ." (خروج ٢: ٢٤)
توضح أن الله يذكرنا في مسيحه، وفداؤنا هو التعبير الأعظم عن "تذكّره" لنا."أَنَا أَذْكُرُ لَهُ عَهْدَ الأَبَدِ." (مزمور ١٠٥: ٨)
تربط بين مياه الطوفان ومياه المعمودية بشكل مباشر، مؤكدة الرمزية الخلاصية."وَنُوحٌ... بَفُلْكٍ خَلَصَ... الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ." (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١)
تظهر سلطان المسيح (كلمة الله) على قوى الطبيعة، بما فيها الرياح والأمواج، مما يذكرنا بسلطان الله في تكوين ٨: ١."فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَقَالَ لِلْبَحْرِ: اسْكُنْ. فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ." (مرقس ٤: ٣٩)

آيات ذات صلة

  • تكوين ٩: ١٥-١٦: "فَأَذْكُرُ عَهْدِي... وَتَكُونُ قَوْسُ الْقُزَحِ فِي السَّحَابِ فَأَرَاهَا لأَذْكُرَ الْعَهْدَ الأَبَدِيَّ." - نتيجة التذكّر: عهد أبدي.
  • مزمور ٧٧: ٩: "أَنْسَى اللهُ الرَّحْمَةَ؟ أَمْ أَغْلَقَ بِالْغَضَبِ مَرَاحِمَهُ؟" - سؤال يجيب عليه تكوين ٨: ١: لا، الله لا ينسى.
  • إشعياء ٥٤: ٩: "لأَنَّ هذَا لِي كَمِيَاهِ نُوحٍ... عَاهِدْتُ أَنْ لاَ أَعُودَ أَغْضَبَ عَلَيْكِ." - الله نفسه يرجع بذاكرته إلى الطوفان ليطمئن شعبه.
  • ناحوم ١: ٣-٤: "الرَّبُّ طَوِيلُ الرُّوحِ... وَالسَّحَابُ غُبَارُ قَدَمَيْهِ... يَنْتَهِرُ الْبَحْرَ فَيُنَشِّفُهُ." - صورة مشابهة لسلطان الله على البحر والريح.
  • لوقا ١: ٧٢: "لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا، وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ." - تذكّر الله يتحقق في مجيء المسيح.