السابقتكوين ٨:١٣التالي

تكوين ٨

تكوين 8:13

وَكَانَ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلْوَاحِدَةِ وَٱلسِّتِّ مِئَةٍ، فِي ٱلشَّهْرِ ٱلْأَوَّلِ فِي أَوَّلِ ٱلشَّهْرِ، أَنَّ ٱلْمِيَاهَ نَشِفَتْ عَنِ ٱلْأَرْضِ. فَكَشَفَ نُوحٌ ٱلْغِطَاءَ عَنِ ٱلْفُلْكِ وَنَظَرَ، فَإِذَا وَجْهُ ٱلْأَرْضِ قَدْ نَشِفَ.

English (KJV):

And it came to pass in the six hundredth and first year, in the first month, the first day of the month, the waters were dried up from off the earth: and Noah removed the covering of the ark, and looked, and, behold, the face of the ground was dry.

ماذا تعني تكوين 8:13؟

شرح تكوين ٨: ١٣

المعنى والشرح

تُخبرنا هذه الآية الرائعة عن لحظة فاصلة في تاريخ البشرية: نهاية الدينونة وبداية الخليقة الجديدة. بعد عام كامل من الطوفان، في اليوم الأول من الشهر الأول، نَشِفَت المياه عن الأرض تمامًا. عندما كشف نوح غطاء الفلك ونظر، رأى أن وجه الأرض قد جفَّ. هذه ليست مجرد معلومة جغرافية، بل هي إعلان عن رحمة الله التي لا تُقاس. فالله الذي أرسل الطوفان تأديبًا للشر، هو نفسه الذي ينهي التأديب ويُعيد الخليقة إلى حالة من النقاء والاستعداد للحياة الجديدة.

ما نراه هنا هو صورة حيّة لصبر الله ورحمته. لقد انتظر الله طوال فترة الطوفان، وحفظ نوحًا وعائلته والحيوانات، والآن يُنهي زمن الدينونة ليبدأ زمن الرجاء. انحسار المياه ليس حدثًا طبيعيًا فحسب، بل هو عمل إلهي مُتعمَّد يُظهر أن الله لا يُسرّ بالتأديب إلى الأبد، بل يشتاق إلى استعادة علاقته مع الإنسان. عندما ينظر نوح، فإنه يرى ليس فقط أرضًا جافة، بل يرى محبة الله المُخلِّصة التي وعدت ووفَت.

في التقليد الأرثوذكسي، نرى في هذه الآية رمزًا عميقًا للخلاص. فكما خرجت الأرض من المياه لتبدأ حياة جديدة، هكذا نخرج نحن من مياه المعمودية مولودين ثانية، خليقة جديدة في المسيح. الله يدعونا اليوم، كما دعا نوحًا، لننظر من خلال نافذة الإيمان ونرى أن الدينونة قد انتهت، والرحمة قد ابتدأت، وأن وجه الأرض — أي حياتنا — قد نَشِفَ من دنس الخطية بفضل محبة الله الفائقة.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/قصصيالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل والشعوب كلهاالجمهور
رحمة الله ونهاية الدينونةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في ذروة قصة الطوفان (تكوين ٦-٨). فقبلها، نقرأ عن إرسال نوح الحمامة التي لم تجد مقرًّا لرجلها فرجعت (آية ٩)، ثم إرسالها مرة أخرى فعادت بورقة زيتون خضراء (آية ١١)، ثم إرسالها ثالثة فلم ترجع (آية ١٢). بعد هذه الآية، يأمر الله نوحًا بالخروج من الفلك مع كل المخلوقات (آية ١٥-١٩). فالآية إذن هي اللحظة الانتقالية الحاسمة بين انحصار المياه وخروج الحياة الجديدة.

سياق السفر

يقع هذا الحدث في القسم الأول من سفر التكوين (أصحاح ١-١١) الذي يتحدث عن بدايات العلاقة بين الله والإنسان. بعد الخلق (أصحاح ١-٢) وسقوط الإنسان (أصحاح ٣)، نرى تزايد الشر (أصحاح ٤-٦) حتى قرَّر الله محو الخليقة تقريبًا وإعادة البدء من خلال نوح البار. الطوفان إذن هو إعادة خلق، والأرض الناشفة هي خليقة جديدة تُعطى للإنسان كفرصة ثانية. هذا النمط من الدينونة ثم التجديد يتكرر في كل الكتاب المقدس، ويبلغ ذروته في موت وقيامة المسيح.

التفسير الآبائي

التفسيرالأب/المصدر
يرى الآباء في انحسار المياه وانكشاف الأرض صورة للعماذ. فكما طهرت المياه الأرض من الدنس، هكذا تطلبنا مياه المعمودية من خطايانا ونصير خليقة جديدةالقديس يوحنا ذهبي الفم
"نشفت المياه عن الأرض" تعني أن دينونة الله لها نهاية، لأن رحمته لا تنتهي. الله لا يريد هلاك الخطاة، بل رجوعهم وحياتهمالقديس باسيليوس الكبير
كشف نوح للغطاء ونظره يُشير إلى دور الإنسان في الشراكة مع الله. فنحن مدعوون لا أن نبقى منغلقين على أنفسنا، بل أن نكشف وننظر لنرى عمل الله الخلاصي في العالمالتقليد الآبائي عمومًا
الشهر الأول وأول الشهر يُشيران إلى بداية زمن جديد، زمن النعمة والعهد. كما أن الفصح كان في الشهر الأول، هكذا بدأت الخليقة الجديدة في الشهر الأولرموز العهد القديم كما فسّرها الآباء

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن التجفيف هو عمل الله الكامل، فالله وحده قادر أن ينهي الدينونة ويبدأ النعمةH١٨٠٩جفَّ، نشِفَ، انحسردَلَو (dalav)דָּלַל
الوجه هنا يعني السطح الظاهر والحالة الكلية، فالله يُجدد ليس سطحًا فحسب، بل حالة الوجود كلهاH٦٤٤٠وجه، سطح، وجودبانيم (panim)פָּנִים
كشف الغطاء يدل على الفضول المقدس والإيمان العملي، فنحن مدعوون لاكتشاف بركات الله بأنفسناH٥٥٢٨كشف، نزع، أزالجَالَخ (galach)גָּלַח

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله لا يُسرّ بالتأديب، بل يشتاق إلى الرحمة. دينونته مؤقتة، ورحمته أبديةالله ومحبته
الطوفان والخلاص منه يُشيران إلى موت المسيح وقيامته، حيث نغرق معه في الموت ونقوم معه إلى حياة جديدةالمسيح والخلاص
انحسار المياه عمل إلهي يُظهر أن الروح القدس يعمل دائمًا ليجدد وجه الأرض (المزمور ١٠٤: ٣٠)الروح القدس
دعوة الإنسان هي الشراكة مع الله في النظر إلى العالم بعيون الرجاء، والثقة بأن الله يُجدد كل شيءدعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

كثير من آباء الكنيسة رأوا في هذه الآية تمهيدًا رائعًا لسر المعمودية والفداء في المسيح:

  • الطوفان نفسه: يمثل ماء المعمودية الذي "يُغرق" الإنسان العتيق ويُقيمه جديدًا (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
  • الأرض الناشفة: ترمز إلى الإنسان الجديد النقي الذي يخرج من جرن المعمودية.
  • الشهر الأول وأول الشهر: يُشيران إلى فجر الخلاص الجديد، أي قيامة المسيح التي هي رأس السنة الجديدة للبشرية.
  • خروج نوح: يمتد إلى خروجنا من حياة الخطية إلى حرية مجد أولاد الله.

القديس كيرلس الأورشليمي يقول: "كما أن الماء كان سبب هلاك في أيام نوح، هكذا صار الماء سبب خلاص في المعمودية، لأن الخطية غرقت والمؤمن خرج حيًّا".

الاستخدام الليتورجي

تُستخدم هذه الآية وموضوع الطوفان في العبادة الأرثوذكسية بعدة طرق:

  • في عيد الظهور الإلهي (عماذ الرب)، حيث تُقرأ نبوءات العهد القديم التي تشمل قصة الطوفان، لأن المعمودية هي طوفان النعمة.
  • في صلاة تقديس ماء المعمودية، حيث تُذكر أحداث العهد القديم التي سبقت وتمهد لسر المعمودية.
  • في الأسبوع العظيم (أسبوع الآلام)، حيث تُرى آلام المسيح كطوفان يغسل خطايا العالم.
  • في الجنازات أحيانًا، كتذكير بأن الموت هو عبور إلى الحياة الجديدة، كما كان الفلك عبورًا إلى عالم جديد.

التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
عندما نشعر بأننا "مغرقون" في همومنا أو خطايانا، نتذكر أن دينونة الله لها نهاية، ورحمته تبدأ حيث تنتهي إمكانياتناالصلاة والعبادة
في علاقاتنا، قد نرى الآخرين وكأنهم "أرض مغمورة" بالخطأ، لكن الله يدعونا لنرى "وجه الأرض الناشف" — أي الخير الأساسي والصلاح الذي وضعه الله في كل إنسانالعلاقات والخدمة
في الأزمات الشخصية أو العالمية، نثق أن الله قادر أن "ينشِّف المياه" عن حياتنا، ويُعطينا بداية جديدة، حتى لو استغرق الأمر وقتًا (سنة كاملة)التجارب والصعوبات

تذكّر دائماً: الله الذي حفظ نوحًا في الفلك هو نفسه يحفظك في سفينة الكنيسة. الله الذي جفَّف الأرض هو نفسه يُجفف دموعك ويُعطيك رجاء جديدًا. لا تيأس من طول الزمن — فالسنة الكاملة تعلّمنا أن الله يعمل في توقيته الكامل، لا في استعجالنا البشري. انظر من نافذة الصلاة، وسترى أن وجه أرض حياتك قد نَشِفَ بفضل نعمة الله.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أشعر في حياتي بأن المياه تغمرني (هموم، خطايا، تجارب)؟ هل أصدق أن الله قادر أن يجفف هذه المياه ويعطيني أرضًا جديدة؟

٢. متى كشفت "الغطاء" عن سفينة حياتي ونظرت لترى عمل الله؟ هل أمارس فضول الإيمان لاكتشاف بركات الله حتى في الأوقات الصعبة؟

٣. كيف يمكن أن أكون "نوحًا" للآخرين، أساعدهم على رؤية أن دينونة الله قد انتهت، ورحمته تنتظرهم؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
يُظهر أن الطوفان كان تمهيدًا للمعمودية، حيث يخلصنا الماء الآن كما خلص نوحًا١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
يُعلن وعد الله بعدم إعادة الطوفان، مؤكدًا رحمته الأبديةتكوين ٩: ١١
يشبّه الله تجديده للأرض بتجفيف المياه في الخلقأيوب ٣٨: ٨-١١
يصف الخليقة الجديدة التي تظهر بعد دينونة اللهرؤيا ٢١: ١

آيات ذات صلة

  • تكوين ٧: ١١: بداية الطوفان في اليوم السابع عشر من الشهر الثاني — تُظهر دقة توقيت الله في الدينونة والرحمة.
  • تكوين ٨: ١: "وَذَكَرَ اللهُ نُوحًا" — الأساس الذي تقوم عليه كل الخلاص: ذكر الله للإنسان.
  • إشعياء ٥٤: ٩: يقسم الله بعدم الغضب كما في أيام نوح — تأكيد أبدي لرحمته.
  • متى ٢٤: ٣٧-٣٩: يشبّه المسيح أيام مجيئه بأيام نوح — دعوة للاستعداد.
  • ٢ بطرس ٢: ٥: يصف نوحًا "كارزًا للبر" — نموذج للإنسان الذي يثق بوعد الله حتى لو لم يرَ التحقق فورًا.