السابقتكوين ٨:١٥التالي

تكوين ٨

تكوين 8:15

وَكَلَّمَ ٱللهُ نُوحًا قَائِلًا:

English (KJV):

And God spake unto Noah, saying,

ماذا تعني تكوين 8:15؟

المعنى والشرح

"وَكَلَّمَ ٱللهُ نُوحًا قَائِلًا:" (تكوين ٨: ١٥) — هذه الكلمات البسيطة العميقة تعلن نهاية زمن الصمت وانطلاق عهد جديد. بعد أن حُبس نوح وأسرته في الفلك لمدة طويلة، وانقضى الطوفان الذي غيّر وجه الأرض، ها هو الله يفتح الحوار مرة أخرى مع الإنسان. إنها لحظة مليئة بالرقة والأمل: فالله لا ينسى أولاده، بل يتكلم معهم من جديد، مبينًا لهم الطريق إلى حياة جديدة على أرض مُجدّدة.

هذه الآية تكشف عن قلب الله الأبوي الذي لا يتوقف عن التواصل مع خليقته. فبعد دينونة الطوفان التي جاءت بسبب شر الإنسان، ها هو الله يبدأ بالحديث أولاً، مظهرًا أن قصده الأساسي هو الاستعادة وليس الإبادة، والحياة وليس الموت. إن تكليم الله لنوح هو تأكيد على أن الشركة بين الله والإنسان، التي انقطعت بسبب الخطية، يمكن أن تُستأنف بمبادرة من الله نفسه. إنه يبحث عن الإنسان ليقوده إلى بر الأمان.

في التقليد الأرثوذكسي، نرى في هذه اللحظة صورة مُسبقة لـ كلمة الله المتجسد، يسوع المسيح، الذي جاء ليكلمنا ويقيمنا من موت الخطية إلى حياة النعمة. كما أن الله الذي كلم نوحًا ليخرج من الفلك هو نفس الله الذي يدعونا اليوم لنخرج من قيود خطايانا ونتحرر إلى الحرية المجيدة لأولاد الله. فكلمة الله دائماً خلاقة، تدعو إلى حياة جديدة.

لقد كان نوح ومعه كل الخليقة في انتظار هذه الكلمة. وعندما جاءت، كانت تحمل الوعد بالاستقرار والاستمرارية. هكذا نحن أيضًا، في فلك الكنيسة، ننتظر ونصغي لصوت الله الذي يخترق صمت آلامنا ويقول: "اخرج ... لكي تُحيي". الله أمين لوعده، وصوته هو مصدر حياتنا ورجائنا.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/أسطوري خلاصيالنوع الأدبي
موسى النبي (تقليدياً)الكاتب
شعب إسرائيل في البرية، وكل مؤمن يبحث عن رجاءالجمهور
محبة الله الدائمة وبداية عهد جديد بعد الدينونةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في نهاية قصة الطوفان (تكوين ٦-٨). فالآيات السابقة (تكوين ٨: ١-١٤) تصف كيف ذكر الله نوحًا وجميع الوحوش التي معه في الفلك، فأجرى الله روحًا على الأرض فهدأت المياه، وبدأت تتراجع حتى استقر الفلك على جبال أراراط. ثم أرسل نوح الغراب والحمامة ليتحقق من حالة الأرض، وعندما عادت الحمامة بغصن زيتون أخضر، عرف أن المياه قد قلّت عن الأرض. ولكن نوحًا بقي داخل الفلك بانتظار كلمة الله.

الآية (٨: ١٥) هي الكلمة المنتظرة. إنها لحظة الانتقال من الحبس إلى الحرية، ومن الانتظار إلى الفعل. والآيات التالية (٨: ١٦-١٩) تحوي الأمر الإلهي بالخروج وإطلاق كل حيوان ليتكاثر ويملأ الأرض. هذا السياق يُظهر أن مبادرة الخلاص والحياة تأتي دائمًا من الله. فهو لا يتركنا في الحبس، بل يأتي بوقته المحدد ليطلق سراحنا ويدعونا إلى بداية جديدة.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخليقة، بداية الخطية، وبداية وعود الله الخلاصية. قصة الطوفان ونوح تشكل نقطة تحول كبرى في هذا السفر. فبعد سقوط آدم وحواء، وانتشار الشر حتى امتلأت الأرض ظلمًا (تكوين ٦: ١١-١٣)، يأتي الطوفان كتطهير. لكن الله يحفظ نوحًا البار "الذي وجد نعمة في عيني الرب" (تكوين ٦: ٨).

لحظة تكليم الله لنوح (٨: ١٥) هي بداية عهد جديد مع الخليقة (الذي سيتوج لاحقًا بوعد قوس القزح في تكوين ٩). إنها تظهر أن رحمة الله وغايته الخلاصية لا تتغير، حتى وسط الدينونة. فالله يعيد التأكيد على بركته الأصلية للإنسان: "أثمروا واكثروا واملأوا الأرض" (تكوين ٩: ١). هكذا تُعلن هذه الآية أن قصص الله مع الإنسان هي دائماً قصص تجديد وعهد جديد، مقدمة للعهد الأعظم في المسيح.


التفسير الآبائي

التفسيرالأب/المصدر
الله الذي يبدأ بالكلام يظهر أن الخلاص يأتي بمبادرة منه. إنه لا ينتظر من الإنسان أن يجد طريقة للخروج بمفرده، بل هو يدعوه بالاسم. صوت الله هو صوت الحياة.القديس يوحنا ذهبي الفم (في عظاته على سفر التكوين)
خروج نوح من الفلك هو صورة للقيامة. كما أن الفلك حمى المؤمنين من الموت بالماء، هكذا المعمودية التي هي صورة الطوفان (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١) تخلصنا وتقيمنا لحياة جديدة. الله الذي كلم نوحًا هو الذي يقيمنا من موت الخطية.التقليد الآبائي العام (راجع تفسيرات القديس كيرلس الأورشليمي والقديس غريغوريوس النيصصي)
"وكلّم الله" — هذه العبارة تظهر أن الله شخصي وعلائقي. إنه لا يتصرف كقوة عمياء، بل كأب يوجه أولاده. الخطية قطعت الحوار، ولكن نعمة الله تعيده.فكر آبائي مستمد من كتابات الآباء عن محبة الله

يرى الآباء في هذه الآية رمزًا عميقًا لخلاصنا في المسيح. فالفلك هو صورة الكنيسة، التي تحمينا من طوفان هذا العالم الشرير. وكلمة الله التي نسمعها في الكنيسة (من خلال الأسفار المقدسة والليتورجيا وتعليم الرسل) هي التي تأمرنا بالخروج إلى العالم لنكون حاملين نور الحياة وناشرين بركة الله. الله الذي كلّم نوحًا هو الذي يكلّمنا اليوم في ابنه (عبرانيين ١: ١-٢)، داعيًا إيانا إلى شركة معه.


دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تكشف عن رغبة الله في التواصل الشخصي مع الإنسان وإعادة بناء العلاقة المقطوعة. صوت الله هو بداية كل تجديد.H١٦٩٦تكلم، نطق، أعلندَبارדָּבַר
تُظهر أن الله يخاطب الإنسان باسمه، معترفًا بشخصيته وداعيه إلى مصير. النعمة توجه النداء الشخصي.H٥١٤٦الشخص المذكور سابقاً، البطل المطيع للهنوح (راحة، تعزية)נֹחַ

كلمة "دَبار" (تكلم) في العبرية تحمل معنى القوة الخلاقة. فكلمة الله خلقت الكون (تكوين ١)، وهنا كلمته تُعيد خلق الظروف لحياة جديدة على الأرض. أما اسم "نوح" الذي يعني راحة أو تعزية، فيذكرنا بأن غاية الله من كل تواصله معنا هي أن يمنحنا راحة من تعب خطايانا ويعزينا في آلامنا (متى ١١: ٢٨). الله لا يتكلم فقط ليصدر أوامر، بل ليعزّي ويُحيي.


الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله هو المبادر دائمًا في الخلاص. حتى بعد الدينونة، يبدأ هو بالحديث لإعادة العلاقة. محبته تفوق غضبه.الله ومحبته
المسيح هو "كلمة الله" النهائية (يوحنا ١: ١) الذي جاء ليدعونا من موت الخطية إلى قيامة الحياة. كما كلّم الله نوحًا ليخرج، يكلّمنا المسيح لنخرج من القبور الروحية.المسيح والخلاص
الروح القدس هو الذي يذكرنا بكل ما قاله المسيح (يوحنا ١٤: ٢٦)، ويكلم قلوبنا اليوم لندخل إلى راحة الله، كما كلم الله نوحًا ليدخل إلى الراحة الجديدة على الأرض.الروح القدس
نحن مدعوون لأن نصغي لصوت الله في حياتنا، ونثق بأن كلمته هي التي تقودنا إلى حيث تكون الحياة والبركة. الخروج من الفلك هو دعوة للتأله – أي المشاركة في حياة الله النقية على أرض جديدة.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

يرى التقليد الأرثوذكسي في تكليم الله لنوح تمهيدًا عظيمًا لسر التجسد. فالله الذي تكلم مع نوح وأمره بالخروج، هو نفسه الذي تكلم أخيرًا في ابنه (عبرانيين ١: ١-٢)، ليساعدنا على الخروج من عبودية الموت والخطية إلى حرية مجدد أولاد الله.

الفلك يُرى كرمز للكنيسة، والخروج منه كرمز للمعمودية والقيامة إلى حياة جديدة. وكما أن نوحًا انتظر كلمة الله ليخرج، هكذا المعمودية في التقليد الأرثوذكسي تتم بكلمة الله (الصيغة الثلاثية) التي تدعو الإنسان للخروج من ماء المعمودية كخليقة جديدة.

هذه الآية أيضًا تُشير إلى القيامة العامة. فكما خرج نوح وأسرته والحيوانات إلى عالم جديد، هكذا في نهاية الأزمنة، سيسمع المؤمنون كلمة الله الداعية لإقامتهم من الموت إلى الحياة الأبدية في "أرض جديدة وسماء جديدة" (رؤيا ٢١: ١).


التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
نتعلّم أن نصغي لصوت الله في صلاتنا وقراءة الكتب المقدسة. الله يتكلم اليوم أيضًا من خلال كنيسته وتقليدها الحي.الصلاة والعبادة
كما أن نوحًا خرج ليملأ الأرض بالحياة، نحن مدعوون لنخرج من دائرة أنانيتنا لنخدم ونجدد من حولنا بمحبة الله.العلاقات والخدمة
في أوقات الانتظار والظلمة، عندما نشعر أننا "محبوسون" في مشاكلنا، نثق أن الله سيأتي بوقته ويكلمنا بكلمة رجاء وتحرير.التجارب والصعوبات

الله الذي كلّم نوحًا في الوقت المناسب، يكلّمك أنت اليوم. قد تمرّ بفترات تشعر فيها أنك في "فلك" من الهموم أو الوحدة أو اليأس، وتنتظر علامة من الله. تذكّر أن صوت الله يأتي دائمًا. هو لا يتأخر عن موعده. قد تحتاج إلى الصبر مثل نوح الذي انتظر حتى انحسار المياه تمامًا، ولكن تأكد أن الكلمة الآتية من الله تحمل معها أمرًا بالخروج إلى الحرية، ووعدًا بالحياة.

خطوة عملية: خصص وقتًا اليوم للصمت والاستماع. اقرأ مقطعًا من الإنجيل (مثل يوحنا ١٠: ١-٥) واسأل الرب: "ماذا تريد أن تقول لي اليوم؟ أي باب تريدني أن أخرج منه لأبدأ من جديد؟". ثق أنه سيكلمك، لأنه أب محب.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أشعر أنني "محبوس" أو في انتظار في حياتي اليوم؟ هل أصدق أن الله يرى وضعي وسيتكلم في وقته؟ ٢. كيف أستطيع أن أميّز صوت الله وسط ضجيج العالم وأصوات قلقي؟ ما هي القنوات التي يتكلم من خلالها الله معي (الكتاب المقدس، أب اعترافي، الطقس، الضمير النقي)؟ ٣. ما هي "الأرض الجديدة" التي يدعوني الله للخروج إليها؟ هل هي علاقة تحتاج مصالحة، أو خطوة إيمان في خدمة، أو تحرر من عادة سيئة؟

صلاة: أيها الرب الإله، الذي كلّمت نوح عبدك في الفلك وأمرته بالخروج إلى الحياة، كلّمنا نحن أيضًا في سفن قلوبنا المضطربة. أعطنا آذانًا تسمع صوت محبتك، وإيمانًا لنثق بوعودك، وشجاعة لنخطو خارج مناطق الراحة إلى حيث تدعونا لنجدد وجه الأرض بمحبتك. أمين.


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
الله يتكلم بعد فترة صمت، مقدمة للعهد الجديدتكوين ٩: ١ — "وَبَارَكَ ٱللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ..."
صورة للخلاص بالماء والمعمودية، حيث يدعونا الله للخروج إلى حياة جديدة١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
المسيح هو الكلمة النهائية التي يكلّمنا الله بهاعبرانيين ١: ١-٢
الله يدعو شعبه للخروج من العبودية إلى الحرية، كما دعا نوحًا للخروج من الفلكخروج ٣: ٩-١٠

آيات ذات صلة

  • تكوين ٩: ١: البركة الجديدة والتكليف بعد الخروج.
  • إشعياء ٤٣: ١: "لا تخف لأني فديتك. دعوتك باسمك. لي أنت."
  • يوحنا ١٠: ٣: "الراعي يدعو خرافه بأسمائها ويخرجها."
  • ٢ كورنثوس ٥: ١٧: "إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة."
  • رؤيا ٢١: ٥: "ها أنا أصنع كل شيء جديدًا."