السابقتكوين ٨:٢التالي

تكوين ٨

تكوين 8:2

وَٱنْسَدَّتْ يَنَابِيعُ ٱلْغَمْرِ وَطَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ، فَٱمْتَنَعَ ٱلْمَطَرُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ.

English (KJV):

The fountains also of the deep and the windows of heaven were stopped, and the rain from heaven was restrained;

ماذا تعني تكوين 8:2؟

المعنى والشرح

"وَٱنْسَدَّتْ يَنَابِيعُ ٱلْغَمْرِ وَطَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ، فَٱمْتَنَعَ ٱلْمَطَرُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ." (تكوين ٨: ٢). تُعلن هذه الآية اللحظة التي فيها وضع الله حدًا لدينونة الطوفان وبدأ فصلًا جديدًا من الرحمة والتجديد. إنها كلمة رجاء وسط الدمار، تُظهر أن تأديب الله المؤقت له غاية محبة: تطهير الخليقة وإعطاء البشرية بداية جديدة. الله، في صلاحه الذي لا يُحد، يغلق مصادر الدمار ويفتح الطريق أمام عهد جديد من النعمة.

هذه الآية هي جزء من قصة نوح، حيث نرى صورة رائعة عن صبر الله الطويل وأناته. فبعد أن احتمى نوح وعائلته والحيوانات في الفلك لمدة طويلة، يأتي هذا الإعلان الإلهي بأن دينونة المياه قد اكتملت. انسداد "ينابيع الغمر" و"طاقات السماء" هو عمل الله الخالق نفسه الذي يسيطر على عناصر الطبيعة التي أطلقها للتأديب. إنه يذكرنا بأن الله هو سيد التاريخ والطبيعة، وأن مشيئته النهائية هي الخير والخلاص. حتى في وسط الدينونة، نرى محبة الله تُظهر نفسها كأبٍ يصحح أبناءه ليس لهلاكهم، بل لرجوعهم إليه وشفائهم. هذا الحدث يُعدّ صورة مسبقة عن المعمودية، حيث تغسل مياه التطهير لتعطي حياة جديدة، وعن الفداء النهائي في المسيح، حيث تموت الخطية ليقوم الإنسان الجديد في النعمة.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي / تاريخ خلاصيالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البرية / كل المؤمنينالجمهور
نهاية الدينونة وبداية التجديدالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في قلب قصة الطوفان (تكوين ٦-٩). قبلها مباشرة، نقرأ أن "ٱللهُ ذَكَرَ نُوحًا" (تكوين ٨: ١)، وهي عبارة عميقة تُظهر عناية الله الدائمة ووعده. بعد أن حُمِل الفلك على المياه لمدة ١٥٠ يومًا (تكوين ٧: ٢٤)، تبدأ مياه الطوفان في الانحسار بفعل الله. الآية موضوعنا (تكوين ٨: ٢) تصف الآلية الإلهية لهذا الانحسار: إغلاق مصادر المياه من الأسفل (ينابيع الغمر) ومن الأعلى (طاقات السماء). الآيات التي تليها (تكوين ٨: ٣-٥) تتابع سرد انحسار المياه تدريجيًا حتى استقر الفلك على جبال أراراط. هذا التسلسل يُظهر أن العملية كانت هادئة ومضبوطة، تعكس نظام الله وسيطرته الكاملة، وليس فوضى عشوائية.

سياق السفر

يأتي هذا الحدث في السفر الأول من الكتاب المقدس، سفر التكوين، وهو سفر البدايات. بعد قصص الخلق والسقوط وانتشار الشر (تكوين ١-٦)، تأتي قصة الطوفان كدينونة لكن أيضًا كبداية جديدة. تكوين ٨: ٢ تمثل المنعطف الحاسم من الدينونة إلى الخلاص، من الموت إلى الحياة. إنها تُؤسس لنمط سنجده مرارًا في تاريخ الخلاص: الله يدين الشر ليخلّص الأبرار ويجدد عهده مع البشرية. هذه القصة تُمهّد الطريق لعهد الله مع نوح لاحقًا (تكوين ٩)، وللدعوة الإبراهيمية، وصولًا إلى الفداء في المسيح.


التفسير الآبائي

رأى آباء الكنيسة في هذا الحدث أكثر من مجرد وصف تاريخي؛ لقد رأوا فيه رمزًا عميقًا لعمل الثالوث في الخلاص، خاصة سرّ المعمودية.

التفسيرالأب/المصدر
الطوفان صورة للمعمودية: كما أن مياه الطوفان غسلت العالم القديم من الفساد، فمياه المعمودية تغسل المؤمن من خطيته وتعطيه ميلادًا جديدًا. انسداد الينابيع يُشير إلى انتهاء سلطان الموت والخطية بقيامة المسيح.التقليد الآبائي (مستوحى من ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١)
"انسدت ينابيع الغمر" تُظهر أن الله يضع حدًا للتأديب عندما يتحقق هدفه التربوي. الله لا يُسرّ بالهلاك، بل بالرجوع والحياة. دينونته مؤقتة وغايتها الرحمة.الفكر الآبائي المستمد من رحمة الله
"طاقات السماء" تشير إلى الموارد الروحية. عندما يفتح الله طاقات السماء، تكون بركة (كما في المطر). وعندما يغلقها يكون تأديبًا. الغلق هنا هو استعداد لفتح جديد، لعهد جديد من النعمة.تفسيرات رمزية آبائية

القديس يوحنا ذهبي الفم يؤكد في عظاته أن الله في قصص التأديب يظهر دائمًا كطبيب يحاول بكل وسيلة شفاء مرض الخطية في البشرية، حتى عندما تكون الجراحة (كالطوفان) قاسية، إلا أن هدفها هو الحياة.


دراسة الكلمات

الكلمات العبرية المستخدمة هنا غنية بالدلالات التي تعمّق فهمنا لعمل الله.

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُشير إلى مصادر الشر والفساد التي تنبع من الأعماق، والتي يسيطر عليها الله ويغلقها بسلطانه.H٤٧٢٣ينبوع، نبع، عين ماءمَعِينמַעְיָן
تعني القوة أو الفتحة (كالكروم). تُظهر أن السماوات كانت "مفتوحة" بقوة إلهية للدينونة، والله هو من يغلقها.H٦٩٩فتحة، نافذة، منفذأُرُبَّהאֲרֻבָּה
فعل "امتنع" يُظهر التدبير الإلهي المتعمد والهادئ. الله يوقف المطر بتروٍ، كعلامة على أن مرحلة الدينونة انتهت.H٣٦٠٧حبس، منع، كفّكَلاכָּלָא

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية جوانب أساسية عن الله وعمله الخلاصي:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله هو سيد الخليقة كلها، يتحكم في أعماق الأرض وفي سماواتها. دينونته ليست غضبًا عشوائيًا، بل فعل مُتقَن وهادف تنتهي عندما تحقق غايتها.الله ومحبته
الطوفان وتوقف المياه هو تمهيد للخلاص النهائي. كما أن الخروج من الفلك كان بداية جديدة، هكذا قيامة المسيح من الموت أتت بخلاص وبداية جديدة للبشرية جمعاء.المسيح والخلاص (الرموز)
عمل الروح القدس هو تجديد الخليقة (مزمور ١٠٤: ٣٠). إغلاق ينابيع الدمار وفتح إمكانية حياة جديدة هو عمل الروح المُجدِّد.الروح القدس
هذه الآية تدعو الإنسان إلى الثقة في توقيت الله المثالي. فكما انتظر نوح طويلاً داخل الفلك حتى أغلق الله مصادر الخطر، علينا نحن أن نصبر في "فلك الكنيسة" حتى يكمل الله عمله فينا.دعوة الإنسان (التأله والصبر)

الرموز والتمهيد

يرى التقليد الأرثوذكسي، مع آباء الكنيسة، في قصة الطوفان رمزًا مسبقًا (نموذجًا) لعمل المسيح الخلاصي:

  • المعمودية: الرسول بطرس يربط مباشرة بين الطوفان والمعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). مياه الطوفان، التي دمرت الحياة القديمة الفاسدة وحملت الفلك إلى بر الأمان، هي صورة لمياه المعمودية التي تدفن الإنسان العتيق وتقيمه إنسانًا جديدًا في المسيح. انسداد الينابيع يُشير إلى هزيمة الموت والخطية بقوة القيامة.
  • الفلك: يمثل الكنيسة. الخلاص يكون داخل الجماعة المؤمنة (الفلك) التي تحفظها عناية الله وسط عواصف العالم.
  • نوح: كأبٍ للبشرية الجديدة، هو صورة (أو "تلميح") عن المسيح، آدم الجديد، الذي يقود البشرية إلى عهد جديد مع الله.
  • غصن الزيتون (الذي سيأتي لاحقًا، تكوين ٨: ١١): هو رمز للمصالحة والسلام مع الله، ويرمز أيضًا إلى نعمة الروح القدس.

هكذا، الحدث التاريخي يصبح نافذة نرى من خلالها عمق محبة الله الخلاصية المتممة في المسيح.


الاستخدام الليتورجي

على الرغم من أن تكوين ٨: ٢ لا تُقرأ بشكل مباشر في الخدم الليتورجية الرئيسية مثل قداس القديس يوحنا الذهبي الفم، إلا أن قصة الطوفان ككل تحتل مكانًا هامًا في التقليد الليتورجي الأرثوذكسي:

  1. عيد الظهور الإلهي (الغطاس): في عيد عماد الرب، تُبارك المياه. تذكر صلوات البركة قصة الخلق والطوفان كنماذج لتدخل الله عبر المياه لتجديد الخليقة. المياه التي كانت أداة دينونة أصبحت، ببركة المسيح، نبعًا للحياة الأبدية والخلاص.
  2. خدمة المعمودية: ترد إشارات لقصة نوح والطوفان في الصلوات التحضيرية للمعمودية، مؤكدة أن المعمودية هي "فلك الخلاص" الذي ينقل المؤمن من حكم الموت إلى ملكوت الحياة.
  3. قراءات الصوم الكبير: قد تُقرأ مقاطع من سفر التكوين تشمل قصة نوح خلال أيام الصوم، كتذكير بالتطهير والبداية الجديدة التي يدعونا الله إليها.

هذا الاستخدام الليتورجي يؤكد أن الكنيسة لا تتعامل مع القصة كحادثة ماضية فحسب، بل كسرّ حي يعمل في حياة المؤمن من خلال الأسرار المقدسة.


التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية اليوم إلى النمو في الشركة مع الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن الله يسمع صلواتنا ويعمل في وقته المثالي. صبر نوح الطويل داخل الفلك هو درس لنا لنثق في تدبير الله حتى عندما لا نرى التغيير الفوري.الصلاة والثقة
في فترة الصوم، نغلق "ينابيع" شهواتنا الأرضية و"طاقات" انشغالاتنا الدنيوية لنتفرغ لله. انسداد مصادر الدمار السماوية والأرضية في الآية يرمز إلى ضبط النفس لإتاحة مساحة لنعمة الله.النسك وضبط النفس
عندما نمر بأوقات صعبة تبدو كطوفان، نعلم أن الله قادر على إغلاق مصادر هذا الألم في اللحظة المناسبة. اختبرته مع نوح تؤكد أنه لا يتخلى عن أبنائه.الرجاء في التجارب

الله الذي أغلق ينابيع الغمر القديمة هو نفسه القادر أن يغلق ينابيع الحزن واليأس في حياتنا. إنه لا يتركنا نهلك، بل يدعونا، كما دعا نوح، للخروج من الفلك (من عزلة اليأس) إلى أرض جديدة من رحمته ووعوده. خطوتنا العملية هي أن نثق، حتى في الظلام، أن الرب قد "ذكرنا" وهو يعمل لخلاصنا.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى في حياتي "ينابيع غمر" أو "طاقات سماء" تحتاج لأن يغلقها الله برحمته؟ (أي عادات، أفكار، مواقف مؤذية). ٢. كيف يمكنني أن أصبر مثل نوح، وأثق في توقيت الله للخلاص، حتى عندما يبدو الانتظار طويلاً؟ ٣. يا رب، أنت الذي أغلقَت ينابيع الغمر وطاقات السماء، أغلق في حياتي كل مصدر للشر، وأفتح في قلبي ينابيع نعمتك وطاقات محبتك. آمين.


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
الربط المباشر بين الطوفان والمعمودية كفلك خلاص.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
وصف مشابه لفتح طاقات السماوات كمصدر بركة (المطر) أو دينونة.تكوين ٧: ١١
الله يضع حدًا للبحر، صورة عن سيطرته على قوى الفوضى والدمار.أيوب ٣٨: ٨-١١
وعد الله بعدم إهلاك الأرض بالماء مرة أخرى، العهد الذي بدأ بتنفيذه في هذه الآية.تكوين ٩: ١١

آيات ذات صلة

  • تكوين ٧: ١١: "فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ ٱنْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ ٱلْغَمْرِ ٱلْعَظِيمِ، وَٱنْفَتَحَتْ طَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ." (الحدث المقابل لبداية الدينونة).
  • أيوب ٣٨: ٨-١١: "مَنْ صَدَّ بِأَبْوَابٍ ٱلْبَحْرِ... وَقُلْتُ: إِلَى هَهُنَا تَأْتِي وَلَا تَتَجَاوَزُ، وَهُنَا يُكَبَّرُ كِبْرِيَاؤُكَ عَلَى أَمْوَاجِكَ." (الله يتحكم في المياه).
  • إشعياء ٥٤: ٩: "لِأَنَّ هَذَا هُوَ كَمِيَاءِ نُوحٍ لِي. كَمَا حَلَفْتُ أَنْ لَا أَعُودَ أَمُرَّ مِيَاهَ نُوحٍ عَلَى ٱلْأَرْضِ، كَذَلِكَ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَغْضَبَ عَلَيْكَ وَلَا أَزْجُرَكَ." (ربط النعمة الحاضرة بوعد الله بعد الطوفان).
  • متى ٢٤: ٣٧-٣٩: "وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ، كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ." (الطوفان كتحذير واستعداد لمجيء المسيح الثاني).
  • ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١: "...أَيَّامَ نُوحٍ... ٱلَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ ٱلْآنَ، أَيِ ٱلْمَعْمُودِيَةُ." (التفسير الرسولي للطوفان كنموذج للمعمودية).