السابقتكوين ٨:٢٠التالي

تكوين ٨

تكوين 8:20

وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ ٱلطُّيُورِ ٱلطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ،

English (KJV):

And Noah builded an altar unto the LORD; and took of every clean beast, and of every clean fowl, and offered burnt offerings on the altar.

ماذا تعني تكوين 8:20؟

المعنى والشرح

تعبّر هذه الآية الرائعة من سفر التكوين عن أول استجابة بشرية مسجلة بعد الطوفان العظيم، وهي استجابة قلبٍ شاكرٍ للغاية وعابدٍ للرب. فبعد أن أنقذ الله نوحًا وعائلته وكل الكائنات الحية في الفلك، وأعادهم بأمان إلى اليابسة، لم ينتظر نوح أوامر إضافية؛ بل بادر من تلقاء نفسه إلى بناء مذبح للرب وتقديم محرقات من كل الحيوانات والطيور الطاهرة. هذا العمل ليس مجرد طقس ديني، بل هو تعبير حي عن القلب الممتلئ بالامتنان لمحبة الله ورحمته التي حفظته من الدمار. تُظهر لنا هذه الآية كيف أن المحبة الحقيقية لله تولد تلقائيًا رغبة في العبادة والتقدمة، وكيف أن الله يُسرّ بقلب الشكر أكثر من أي شيء آخر.

في هذه اللحظة التاريخية، نرى نوحًا لا يفكر أولاً في بناء مسكن لنفسه أو في تأمين مستقبله الدنيوي، بل يبدأ حياته الجديدة على الأرض بالعبادة. "المذبح" هو مكان اللقاء مع الله، مكان تقديم الشكر والتسبيح والشركة. "المحرقات" هي تقدمة كاملة تُحرق بالكامل للرب، رمزًا للتكريس الكامل والاستسلام التام لمشيئته. اختيار الحيوانات والطيور "الطاهرة" يتحدث عن أهمية التقدمة النقية التي تُرضي الله، وهي ترمز لاحقًا إلى التضحية الكاملة والطاهرة التي قدّمها المسيح من أجلنا. هنا نتعلم درسًا عميقًا: أن كل بداية جديدة في حياتنا، وكل خلاص نختبره من ضيقة، يجب أن يبدأ بمذبح – بلقاء مع الله، وبمحرقة – بتكريس كامل لخدمته.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/توراتيالنوع الأدبي
التقليد يُنسب إلى موسى النبيالكاتب
شعب إسرائيل والأجيال القادمةالجمهور الأصلي
الشكر والتكريس بعد الخلاصالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية مباشرة بعد وصف خروج نوح وعائلته والحيوانات من الفلك، وإعلان الله بأنه "لَا أَعُودُ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ" (تكوين ٨: ٢١). فبعد نزول نوح من الفلك وتكاثر المخلوقات على الأرض، يأتي فعل العبادة هذا كجسر بين خلاص نوح وعهد الله الجديد مع البشرية. إنه الفعل الذي يسبق الوعد الإلهي بعدم إهلاك الأرض بالطوفان مرة أخرى. يُظهر السياق أن عبادتنا وشكرنا هما ما يهيئ قلوبنا لاستقبال بركات الله ووعوده العظيمة.

سياق السفر

يقع هذا الحدث في الجزء الأول من سفر التكوين، الذي يُسجل بدايات العلاقة بين الله والإنسان. بعد سقوط آدم، وانتشار الخطية، وقصة الطوفان كدينونة عليها، تبدأ قصة جديدة مع نوح كنقطة انطلاق لبشرية جديدة. تقدمة نوح تُعيد، بشكل ما، صورة العلاقة السليمة بين الخالق والمخلوق، التي فُقدت بعد السقوط. هي علامة على أن القلب البشرى، عندما يختبر الخلاص، يتوق تلقائيًا إلى العبادة والشركة مع الله.

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذا المشهد عمقًا روحيًا كبيرًا وتمهيدًا لعمل المسيح الخلاصي.

التفسيرالأب/المصدر
يرى أن نوحًا، بإيمانه، قدّم الشكر لله على خلاصه دون أن يُطلب منه ذلك، وهذا دليل على قلب ممتلئ بالامتنان. العبادة الحقيقية تنبع من الداخل.القديس يوحنا ذهبي الفم
يوضح أن تقدمة الحيوانات الطاهرة ترمز إلى النقاء المطلوب في عبادتنا لله. فلا يمكننا أن نقدّم للرب إلا ما هو أفضل وأنقى، أي قلوبنا المكرسة له.القديس باسيليوس الكبير
التقليد الآبائي عمومًا يرى في مذبح نوح ومحرقاته رمزًا وتوقعًا لذبيحة المسيح الكاملة والنهائية على الصليب. فكما قبل الله رائحة الرضا من محرقة نوح، قبل ذبيحة ابنه الحبيب من أجل خلاص العالم.التقليد الآبائي

الخلفية الثقافية

في عالم الشرق الأدنى القديم، كان بناء المذابح وتقديم الذبائح ممارسة شائعة للتعبير عن الشكر أو التكفير أو التوسل إلى الإله. لكن ما يميز فعل نوح هو السياق: فهو أول مذبح يُبنى بعد طوفان عالمي، وأول عبادة تُقدم من بشرية "جديدة". اختيار البهائم والطيور الطاهرة مهم، لأن الشريعة الموسوية اللاحقة ستميز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة (لاويين ١١). هذه التفرقة موجودة بشكل بدائي في قصة نوح، حيث أخذ سبعة أزواج من الطاهرة وزوجًا واحدًا من غير الطاهرة (تكوين ٧: ٢). التقدمة من الطاهر فقط ترمز إلى أن عبادتنا لله يجب أن تأتي من حياة نقية، مكرسة له.

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
مكان اللقاء والتقريب إلى الله؛ رمز للصلاة والتضحيةH٤١٩٦مذبح، مكان للذبائحمِزْبَحْמִזְבֵּחַ
تُظهر الشكر والتكريس الكامل؛ كل ما يُقدم يُحرق بالكامل للهH٥٩٣٠محرقة، ذبيحة كاملةعُولَةעֹלָה
تشير إلى النقاء الروحي والأهلية للتقدمة للربH٢٨٨٩طاهر، نقي، مُفرَزطَاهוֹרטָהוֹר

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية جوانب عميقة عن الله وعمله الخلاصي:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
محبة الله تقبل وتُسرّ بالعبادة القلبية. استجابته لرائحة الرضا (الآية ٢١) تُظهر أنه يريد شركتنا ويُبارك عندما نتقرّب إليه بشكر.الله ومحبته
محرقة نوح هي ظل ورمز للذبيحة الكاملة الوحيدة المقبولة، ذبيحة السيد المسيح، الحمل الطاهر الذي يرفع خطية العالم.المسيح والخلاص
العبادة الحقيقية، مثل تلك التي قدمها نوح، هي عمل يُحركه الروح القدس في القلب المؤمن، دافعًا إياه إلى الشكر والتكريس.الروح القدس
نداء واضح للإنسان ليجعل العبادة والتكريس أولوية في حياته، خاصة بعد اختبار الخلاص والرحمة الإلهية.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

يرى التقليد المسيحي، وخاصة الأرثوذكسي، في هذا المشهد تمهيدًا قويًا لعمل الفداء في المسيح:

  • المذبح: يرمز إلى الصليب، مكان الذبيحة الكفارية العظمى.
  • المحرقات من كل طاهر: ترمز إلى تكريس المسيح الكامل والطاهر لله، وهو "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يوحنا ١: ٢٩). كما ترمز إلى دعوتنا لنكون "ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ" (رومية ١٢: ١).
  • قبول الله للتقدمة: "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا" (تكوين ٨: ٢١) – هي نبوة عن رضى الآب عن ذبيحة الابن على الصليب.

الاستخدام الليتورجي

على الرغم من أن هذه الآية بالتحديد قد لا تُقرأ في أحد الأعياد الكبرى، إلا أن مفهوم التقدمة والمحرقة هو قلب الخدمة الليتورجية الأرثوذكسية:

  • ترمز ذبيحة القداس الإلهي إلى الذبيحة الكاملة غير الدموية للمسيح. حين نقدم الخبز والخمر على المذبح، نتذكر ونشكر لله محبته العظمى في الخلاص.
  • تحثنا الصلوات الطقسية، خاصة صلوات التسبحة والغروب، على تقديم "ذبيحة التسبيح" و "ثمر شفاه معترفة باسمه" (عبرانيين ١٣: ١٥)، متبعين مثال نوح في الشكر بعد الخلاص.
  • يُعتبر بناء المذبح في كل كنيسة تذكيرًا دائمًا بأن هذا المكان هو للقاء مع الله، حيث تُقدم الصلوات والقرابين.

التطبيق الروحي

تدعونا هذه الآية الجميلة إلى فحص قلوبنا وإعادة ترتيب أولوياتنا في رحلتنا مع الله.

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
هل أول ما أفعله في الصباح أو بعد تجاوز محنة هو الشكر لله؟ لنجعل من قلوبنا "مذبحًا" دائمًا لصلاة الشكر والتسبيح.الصلاة والعبادة
محرقة نوح كانت كاملة ونقية. ما الذي أقدّمه لله من وقتي، مواهبي، ومواردي؟ هل هو الأفضل والأنقى، أم الباقي والمتبقي؟التكريس والعطاء
حتى وسط بدايات جديدة ومليئة بعدم اليقين، وضع نوح ثقته في الله وعبادته أولاً. هذا يعطينا رجاءً بأن الله الذي خلصنا سيُدبّر أمورنا عندما نضعه في المركز الأول.الرجاء في التجارب

تذكّر: الله لا يحتاج إلى ذبائحنا المادية، لكنه يشتهى قلبنا الشاكر المكرس. كما قبل رائحة الرضا من محرقة نوح، يريد أن يقبل عبادتنا التي تنبع من حب حقيقي وامتنان لخلاصه العجيب في حياتنا. دع بداية كل يوم وكل مرحلة جديدة في حياتك تبدأ "بمذبح" للصلاة، و"بمحرقة" من إرادتك المكرسة له.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. متى كانت آخر مرة عبّرت فيها عن شكرك لله بطريقة ملموسة ومتكلفة (كالوقت، الجهد، التقدمة)، كما فعل نوح؟ ماذا يعكس هذا عن عمق امتنانك؟ ٢. ما هو "المذبح" الذي تحتاج أن تبنيه في حياتك اليوم للتقرب أكثر من الله؟ (ربما هو وقت منتظم للصلاة، أو مصالحة مع شخص، أو ترك عادة تعيق شركتك معه). ٣. كيف يمكنك أن تجعل من صلاتك اليومية "محرقة" حقيقية – أي وقتًا تُكرس فيه كل أفكارك ومشاعرك لله، دون تشتيت؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
مبدأ الذبيحة الكاملة والتكريس الذي يجد كماله في المسيحرومية ١٢: ١ – "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ... أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ."
قبول الله لذبيحة المسيح الكاملة مقارنة بذبائح العهد القديمأفسس ٥: ٢ – "وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ... كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً."
دعوة مستمرة لتقديم ذبيحة الشكر والتسبيح للهعبرانيين ١٣: ١٥ – "فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ للهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ."
مثال آخر على بناء مذبح للرب كعلامة على الشكر والعبادة بعد ظهور إلهيتكوين ١٢: ٧ – "فَبَنَى هُنَاكَ نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ."

آيات ذات صلة

  • تكوين ٨: ٢١: "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا." – استجابة الله لمحرقة نوح ووعده بعدم اللعنة.
  • لاويين ١: ٩: "وَهُوَ مُحْرَقَةٌ وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ." – تشريع المحرقة في الشريعة، متابعًا لمبدأ التقدمة الكاملة.
  • المزمور ٥١: ١٧: "ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ." – القلب المنكسر والمتضع هو التقدمة الحقيقية التي يريدها الله.
  • فيلبي ٤: ١٨: "قَدِ اسْتَوْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ... رَائِحَةَ طِيبٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ." – عطايا المؤمنين تُعتبر ذبائح مرضية لله.
  • ١ بطرس ٢: ٥: "... كَيْ تَبْنُوا بَيْتًا رُوحِيًّا،... لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ." – دعوة الكنيسة كلها لأن تكون كهنة يقدمون ذبائح روحية.