ماذا تعني تكوين 2:23؟
تفسير تكوين ٢: ٢٣ من المنظور الأرثوذكسي
"فَقَالَ آدَمُ: «هَذِهِ ٱلْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى ٱمْرَأَةً لِأَنَّهَا مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَتْ»." - تكوين ٢: ٢٣
المعنى والشرح
هذه الآية الجميلة تُسجل أول كلمات للإنسان في الكتاب المقدس، وهي كلمات فرح وتعرف على النعمة الإلهية. عندما استيقظ آدم من نومه العميق الذي جعله الله فيه، رأى حواء للمرة الأولى فأدرك فورًا عمق العلاقة بينهما: "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي". هذه ليست مجرد ملاحظة بيولوجية، بل هي إعلان عن الوحدة الجوهرية التي أرادها الله للإنسان من البداية. الله الذي رأى أن "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ" (تكوين ٢: ١٨)، صنع له "مُعِينًا نَظِيرَهُ" من نفسه، ليضمن أن العلاقة بين الرجل والمرأة ستكون علاقة شركة حقيقية، وليست مجرد تقابل بين غرباء.
الكلمة الأخيرة في الآية تحمل سرًا جميلاً: "هذه تدعى امرأة لأنها من امرء أُخذت". في اللغة العبرية، كلمة "امرأة" (إيشה) مشتقة من كلمة "رجل" (إيش)، وهذا يعكس الحقيقة اللاهوتية العميقة: المرأة والرجل من جوهر واحد، مخلوقان على صورة الله ومثاله (تكوين ١: ٢٧)، ومُعدّان ليكملا بعضهما البعض في حب وشركة. الله الخالق لم يصنع حواء من تراب جديد، بل من ضلع آدم، ليُظهر أن الاتحاد بين الرجل والمرأة هو اتحاد حميم وجوهري، مثل اتحاد أعضاء الجسد الواحد.
هذه الآية تُعلن لنا أن محبة الله لا تريد للإنسان أن يعيش في عزلة، بل في شركة. الله نفسه هو ثالوث محبة - الآب والابن والروح القدس في شركة أبدية - وقد صوّر الإنسان على صورته ليعيش أيضًا في علاقات محبة. الزواج، كما أراده الله من البداية، هو أيقونة لهذه الشركة الإلهية، حيث يصير الاثنان "جسدًا واحدًا" (تكوين ٢: ٢٤) في وحدة تحفظ الفردية وتكمّلها في نفس الوقت.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب |
| شعب الله في البرية | الجمهور |
| تصميم الله للزواج والشركة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في ذروة قصة الخلق في الأصحاح الثاني من سفر التكوين. بعد أن خلق الله آدم ووضعه في جنة عدن، أعطاه مهمة حراسة الجنة وتسمية الحيوانات. خلال هذه العملية، أدرك آدم أنه وحيد بين كل الخليقة: "وَلَكِنْ لِآدَمَ لَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ" (تكوين ٢: ٢٠). هنا تتدخل رحمة الله: "فَأَوْقَعَ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلَاعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ ٱلضِّلْعَ ٱلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ ٱمْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ" (تكوين ٢: ٢١-٢٢). كلمات آدم في الآية ٢٣ هي استجابة مباشرة لهذه الهبة الإلهية. ثم يتبعها الوحي الإلهي: "لِذَلِكَ يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" (تكوين ٢: ٢٤).
سياق السفر
يقع هذا الحدث قبل قصة السقوط في الأصحاح الثالث. إنه يُظهر لنا تصميم الله الأصلي والمثالي للبشرية: علاقات مبنية على المحبة والشركة والوحدة. بعد السقوط، ستتشوه هذه العلاقات (تكوين ٣: ١٦)، لكن المسيح جاء ليعيدها ويشفى جراحها. هكذا، قصة خلق حواء تُعدّنا لفهم عمل المسيح الخلاصي، الذي يأتي ليُعيد الاتحاد بين الله والإنسان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يرى في هذه الآية سر الزواج المقدس الذي يُمهّد لسر الاتحاد بين المسيح والكنيسة. آدم هنا يتنبأ بالمسيح الذي سيأتي من نسله، وحواء ترمز للكنيسة المأخوذة من جنب المسيح المطعون على الصليب | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| يشرح أن أخذ الضلع من جانب آدم وهو نائم يرمز إلى أخذ الكنيسة من جانب المسيح المطعون وهو على الصليب. النوم هنا يرمز لموت المسيح الطوعي، والضلع ترمز إلى سر العماد والميرون اللذين منهما تُولد الكنيسة | القديس كيرلس الإسكندري |
| يُعلّم أن الله أخذ الضلع من جانب آدم وليس من رأسه أو قدميه، ليعلمنا أن المرأة ليست لتسود على الرجل ولا لِيُداس عليها، بل لتكون بجواره، مساوية له، محمية تحت ذراعه، وقريبة من قلبه لتحبه | التقليد الآبائي عمومًا |
| يرى في تسمية آدم لحواء "امرأة" ثم لاحقًا "حواء" (أم كل حي) علامة على النبوة والسلطان الذي أعطاه الله للإنسان. هذه التسمية هي جزء من كهنوت آدم الملكي في الفردوس | القديس غريغوريوس النيصي |
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن الاتحاد بين الرجل والمرأة اتحاد جوهري وليس عارضًا | H٦١٠٦ | عظم، الجوهر، القوة | عَصَم | עֶצֶם |
| تؤكد على المشاركة في الطبيعة الإنسانية نفسها | H١٣٢٠ | لحم، الجسد البشري، القرابة | بَصَار | בָּשָׂר |
| تكشف العلاقة الأسرية والاشتقاق بين الرجل والمرأة | H٨٠٢ | امرأة، زوجة | إِشَّه | אִשָּׁה |
| تؤكد الأصل المشترك والهوية المشتركة | H٣٧٦ | رجل، إنسان، زوج | إِيش | אִישׁ |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله خالق العلاقات، ومحبته تريد للإنسان أن يعيش في شركة وليس في عزلة. صنع حواء من آدم ليُظهر أن الوحدة بين الزوجين وحدة جذرية وأصلية | الله ومحبته |
| الزواج هو أيقونة لاتحاد المسيح بالكنيسة (أفسس ٥: ٣١-٣٢). كما أُخذت حواء من جانب آدم، كذلك وُلدت الكنيسة من جنب المسيح المطعون على الصليب (يوحنا ١٩: ٣٤) | المسيح والخلاص |
| الروح القدس هو رب الحياة الذي يُحيي العلاقات ويجعلها تنمو في المحبة. كما نفخ الله نسمة حياة في آدم، يمنح الروح القدس نعمة المحبة للزوجين | الروح القدس |
| الإنسان مدعو ليعيش في شركة حب مع الآخر، مبتدئًا من علاقة الزواج التي تصير أيقونة للشركة مع الله ومع الكنيسة كلها | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
رأى آباء الكنيسة في هذه الآية تمهيدًا عميقًا لسر التجسد والفداء. نوم آدم يرمز لموت المسيح على الصليب، وأخذ الضلع من جنبه يرمز إلى خروج الدم والماء من جنب المسيح المطعون (يوحنا ١٩: ٣٤)، ومن هذا الجنب وُلدت الكنيسة في سرّي المعمودية والميرون. حواء، التي أُخذت من آدم وصارت "أم كل حي" (تكوين ٣: ٢٠)، ترمز إلى الكنيسة التي تلد أبناء الله في المعمودية. وهكذا، فإن الزواج المسيحي ليس مجرد عقد اجتماعي، بل هو سر (أسرار) يُشارك في سر المسيح والكنيسة، كما يؤكد الرسول بولس: "هَذَا ٱلسِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ ٱلْمَسِيحِ وَٱلْكَنِيسَةِ" (أفسس ٥: ٣٢).
الاستخدام الليتورجي
تُستخدم هذه الآية في خدمة الزواج المقدس (التاج) في الكنيسة الأرثوذكسية. تقرأ خلال الخدمة لتذكير الزوجين بأن زواجهما ليس ابتكارًا بشريًا، بل هو مؤسسة إلهية أرادها الله منذ البدء. كما تُذكر في عيد تقديم السيدة العذراء إلى الهيكل (٢١ نوفمبر/تشرين الثاني)، حيث تظهر العذراء حواء الجديدة، التي أطاعت الله حيث عصت حواء الأولى. في الصلوات الطقسية، تُستخدم هذه الآية لتذكيرنا بأن الكنيسة هي العروس التي أعدها المسيح لنفسه، وهي جسده المأخوذ منه.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن الزواج دعوة مقدسة للمحبة والتضحية، حيث يصير الاثنان جسدًا واحدًا في المسيح. تدعونا لنرى في شريك حياتنا هبة من الله، وليس مجرد رفيق | الزواج والعائلة |
| تشجع الذين يشعرون بالوحدة أن الله يرى احتياجهم ويهتم به. كما صنع الله معينًا لآدم، هو يعتني بكل احتياجات أبنائه | الوحدة والعلاقات |
| تساعدنا لنرى في الكنيسة جسد المسيح الواحد، حيث نحن جميعًا "عظم من عظامه ولحم من لحمه" عبر سر الشكر (الإفخارستيا) الذي يوحّدنا به | الحياة الكنسية |
الله الذي صنع حواء من ضلع آدم، يدعونا اليوم لنعيش الوحدة الحقيقية في محبته. في عالم يمجد الفردية والاستقلال، تذكرنا هذه الآية أننا خُلقنا للشركة. هذه الشركة تبدأ في الزواج، ولكنها تمتد إلى كل علاقاتنا في الكنيسة، حيث نصير جميعًا جسدًا واحدًا في المسيح. عندما نشعر بالانقسام أو الوحدة، يمكننا أن نتذكر أن الله يرانا، وهو يعمل دائمًا لجمع المشتتين وربط المنفصلين بمحبته.
في زواجك، اذكر أن شريكك هو "عظم من عظامك ولحم من لحمك" - ليس ملكية لك، بل هبة إلهية تُكملك وتُقدسك. في كنيستك، تذكر أن الأخوة والأخوات حولك هم من طبيعتك نفسها، مدعوون معك للاتحاد بالله. الله الذي رأى أن "ليس جيدًا أن يكون آدم وحده"، لا يزال يعمل في حياتك ليجدّد كل علاقاتك ويجعلها أيقونات لمحبته.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أين أرى في حياتي نداء الله لأن أعيش في شركة حقيقية مع الآخرين، بدل العزلة والانكفاء على الذات؟ ٢. كيف يمكنني أن أُظهر في علاقاتي - خاصة في عائلتي - الوحدة الجوهرية التي أرادها الله بين الإنسان والمرأة؟ ٣. أيها الله الخالق، الذي صنعت الإنسان على صورتك ومثالك، وقلت أنه ليس جيدًا أن يكون وحده، أعطني نعمة لأعيش في شركة حب مع إخوتي، وأرى في زواجي (أو دعوتي) أيقونة لمحبتك الأبدية. آمين.
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تُظهر كيف فهم العهد الجديد هذه الآية كرمز لاتحاد المسيح بالكنيسة | أفسس ٥: ٣١-٣٢ |
| تؤكد على قدسية الزواج كما أسسه الله من البدء | متى ١٩: ٤-٦ |
| تذكرنا أننا في المسيح نصير جسدًا واحدًا، كما أراد الله من البداية | غلاطية ٣: ٢٨ |
| تُظهر كيف يُعيد المسيح العلاقة بين الرجل والمرأة إلى طهارتها الأصلية | كولوسي ٣: ١٨-١٩ |
آيات ذات صلة
- تكوين ١: ٢٧: "فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ." - تُظهر أن الرجل والمرأة معًا يكملان صورة الله
- تكوين ٢: ١٨: "وَقَالَ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ»." - تكشف رحمة الله واهتمامه بوحدة الإنسان
- أفسس ٥: ٢٥-٢٨: "أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ ٱلْمَسِيحُ أَيْضًا ٱلْكَنِيسَةَ...". - تُظهر كيف يرفع المسيح الزواج إلى مستوى السر
- ١ كورنثوس ١١: ١١-١٢: "ولكن لاَ ٱلرَّجُلُ بِدُونِ ٱلْمَرْأَةِ، وَلَا ٱلْمَرْأَةُ بِدُونِ ٱلرَّجُلِ، فِي ٱلرَّبِّ." - تؤكد الترابط والمساواة في المسيح
- رؤيا ٢١: ٢: "وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ ٱلْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا." - تُظهر الكنيسة كعروس المسيح، مكمّلة للرمز الذي بدأ في حواء