السابقتكوين ٢:٥التالي

تكوين ٢

تكوين 2:5

كُلُّ شَجَرِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي ٱلْأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱلْإِلَهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ، وَلَا كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ ٱلْأَرْضَ.

English (KJV):

And every plant of the field before it was in the earth, and every herb of the field before it grew: for the LORD God had not caused it to rain upon the earth, and there was not a man to till the ground.

ماذا تعني تكوين 2:5؟

المعنى والشرح

"كُلُّ شَجَرِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي ٱلْأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱلْإِلَهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ، وَلَا كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ ٱلْأَرْضَ." (تكوين ٢: ٥)

هذه الآية تُصوّر لنا حالة الأرض قبل أن يكمل الله خلق الإنسان والنباتات البرية. إنها تذكرنا بحقيقة عميقة وجميلة: كل الخليقة تعتمد كليًا على عناية الله وعطاياه. فالأرض، رغم جاهزيتها، كانت تنتظر مطر الله من السماء ويد الإنسان الذي سيعمل فيها. هذا يُظهر لنا أن الله لم يخلق العالم ويتركه، بل هو مهتم بكل تفاصيله، ويُدير كل شيء في الوقت المناسب، بمحبته وحكمته.

هذه الصورة ليست مجرد وصف لحالة الأرض قبل الخلق الكامل، بل هي تعليم لاهوتي عميق عن الشركة والتعاون بين الله والإنسان. الله هو المصدر الوحيد للحياة والنماء، فهو يرسل المطر من السماء. لكنه، في محبته، قد خصص للإنسان دورًا فريدًا كمتعاون معه (سِنيرجوس) في رعاية الخليقة. إذًا، نرى هنا أن خطة الله للعالم تتضمن شركة حميمة مع الإنسان؛ فالطبيعة لا تزدهر بمعزل عن نعمة الله من فوق، ولا بمعزل عن عمل الإنسان الذي باركه الله من أسفل. هذا يعلّمنا أن وجودنا وكل عطايانا مرتبطة بمشيئة الله وصلاحه، وأننا مدعوون لنتعاون مع نعمته في بناء هذا العالم وتحسينه.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (تاريخ الخلاص)النوع الأدبي
موسى النبي (التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل (والبشرية جمعاء)الجمهور
اعتماد الخليقة على الله ودور الإنسانالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في تكوين ٢، بعد قصة الخليقة العامة في الإصحاح الأول. بينما يركز الإصحاح الأول على الخلق الكوني بترتيب مهيب ("وكان مساء وكان صباح...")، يبدأ الإصحاح الثاني بتفصيل أكثر حميمية لخلق الإنسان ووضعه في جنة عدن. الآية ٥ تُعد بمثابة مقدمة لهذا المشهد الأكثر شخصية، موضحة الظروف الخاصة التي خُلق فيها الإنسان. فهي تُظهر أن الله أعد البيئة المثالية، ولكنها كانت تنتظر شيئين: مطر الرحمة من فوق، ويد العناية من الإنسان. هذا يُبرز أن خلق الإنسان لم يكن حدثًا عشوائيًا، بل حدثًا مدبرًا بدقة في توقيت إلهي كامل، حيث كل عنصر ينتظر دوره في مسرحية محبة الله الخلاصية.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر "البدايات". وهو يُعلن أساس علاقة الله مع البشرية: علاقة محبة وعهد. هذه الآية تؤسس لمبدأ سيسري في كل الكتاب المقدس: بركة الله شرط أساسي لكل نمو وازدهار. لاحقًا، سنرى كيف أن عصيان الإنسان (الخطية) قطعت هذه الشركة، فأصبحت الأرض تُنتج شوكًا وحسكًا (تكوين ٣: ١٧-١٨). ولكن بفضل محبة الله، أُعيدت العلاقة من خلال الفداء. إذًا، الآية تُذكرنا بالحالة المثالية التي قصدها الله منذ البدء، وهي حالة من الاعتماد المبارك عليه والعمل معًا، وهي الحالة التي يهدف فداء المسيح إلى استعادتها فينا.


التفسير الآبائي

رأى آباء الكنيسة في هذه الآية ليس مجرد حدث تاريخي، بل رمزًا غنيًا للحياة الروحية وعلاقة الخليقة بخالقها.

التفسيرالأب/المصدر
يرى أن الآية تُظهر أن الله أعد كل شيء ليُعلن اعتماد الخليقة الكلي عليه. فالنباتات، رغم أن بذورها في الأرض، لم تنبت لأنها تنتظر أمر الله (المطر). وهذا ينطبق على النفس البشرية التي لا تستطيع أن تحمل ثمارًا روحية بدون نعمة الله ("المطر" السماوي).التقليد الآبائي عمومًا (مستوحى من تفسيرات مثل تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم للخليقة)
يُشير إلى أن غياب "الإنسان ليعمل الأرض" هو إعداد لدوره الكهاني والملكي. فالإنسان خُلق ليكون كاهنًا للخليقة، يقدمها لله ويعمل فيها بمحبته. فالعمل ليس عقابًا، بل هو شرف وخدمة أعدها الله للإنسان قبل السقوط.التفسيرات الآبائية عن دور الإنسان (كالقديس غريغوريوس النيصي)
يربط "مطر الرب" بنعمة الروح القدس. فكما أن الأرض القاحلة تحتاج إلى المطر لتحيا، كذلك النفس البشرية تحتاج إلى نعمة الروح القدس لكي تنتج ثمار الفضيلة.رمزية مائية شائعة في الكتابات الآبائية (القديس كيرلس الأورشليمي في محاضراته المعمدانية)

الخلفية الثقافية

في بيئة الشرق الأدنى القديم، كان المطر يُعتبر هدية إلهية مباشرة، علامة على رضا الآلهة وبركتها. كان الاعتقاد السائد أن الخصوبة الزراعية تعتمد على قوى إلهية. وهنا، يقدم النص الكتابي رؤية توحيدية عميقة: المطر ليس نتيجة صراع بين آلهة، بل هو عطية من إله واحد محب، الرب الإله. كلمة "يعمل" الأرض (بالعبرية: לַעֲבֹד، لَعْفُود) تحمل معنى الخدمة والحراثة والعناية، وهي نفس الكلمة المستخدمة لـ "العبادة" و"خدمة الله". هذا يربط بين العمل المادي والعبادة الروحية، مما يُظهر أن الحياة كلها مقدسة عندما تُعاش في شركة مع الله.


دراسة الكلمات

عندما نتعمق في الكلمات الأصلية، نكتشف طبقات أعمق من محبة الله وقصده.

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الازدهار والخصوبة هما عطية من الله، وليستا أمرًا طبيعيًا آليًا. الله هو الذي يفتح أبواب السماء للبركة.H٤٣٠٥مطر (كمصدر حياة)مَطَرמָטָר
تكشف الدور الإنساني كشريك لله في العناية بالخليقة. العمل هو خدمة مقدسة، وليس مجرد جهد للتغلب على اللعنة.H٥٦٤٧يعمل، يخدم، يحرثعَابَدעָבַד
تُشير إلى النباتات التلقائية التي تنمو دون زراعة بشرية، مما يذكرنا أن الله هو المزود الأساسي حتى لما نعتبره "بريًا" أو غير مدجن.H٢٦٨نبات البرية، عشبسِياحשִׂיחַ

الأهمية اللاهوتية

هذه الآية البسيطة تُعلن حقائق لاهوتية عميقة عن محبة الله وعمله الخلاصي:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله ليس خالقًا بعيدًا، بل هو مُعِيلٌ ومُدَبِّر. إنه يهتم بتفاصيل ازدهار خليقته، ويوفر لها ما تحتاجه في الوقت المناسب. هذا يكشف عن قلب أبوي يضمن رفاهية أولاده.الله ومحبته
تُعد المشهد لظهور الإنسان، الذي هو صورة الله. دور الإنسان في "العمل" يرمز إلى الدعوة المسيانية لاستعادة وتكميل الخليقة. يسوع المسيح، الإنسان الجديد، جاء ليعمل أعمال الآب (يوحنا ٥: ١٧) ويُصلح كل شيء.المسيح والخلاص
يُرمز إلى "مطر الرب" بعمل الروح القدس الذي يروي القلوب القاحلة ويعطي النمو للثمار الروحية (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣). بدون الروح القدس، تبقى حياتنا بلا حياة حقيقية.الروح القدس
يدعونا الله إلى التعاون (Synergy) معه. نحن لنا دور فعال في رعاية أنفسنا والعالم من حولنا، لكن دائمًا بالاعتماد على نعمته التي تسبقنا وترافقنا. هذا هو جوهر التأله (Theosis): اشتراك الإنسان في عمل الله.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

يرى الآباء أن كل العهد القديم هو ظل وصورة للعهد الجديد. هذه الآية تُمهد للمسيح بعدة طرق:

  • المطر كمَثَل للنعمة: كما أن المطر يُحيي الأرض الميتة، هكذا نعمة الروح القدس، التي أُعطيت بوفرة في يوم الخمسين، تُحيي قلوبنا الميتة بالخطية. المسيح هو الذي أرسل الروح القدس (يوحنا ١٦: ٧).
  • الإنسان العامل كمَثَل للمسيح: غياب "الإنسان ليعمل الأرض" يشير إلى الحاجة إلى إنسان كامل يأتي ويكمل عمل الخليقة. السيد المسيح هو الإنسان الحقيقي الثاني (آدم الأخير، ١ كورنثوس ١٥: ٤٥) الذي جاء ليعمل ويُتمم مشيئة الآب على الأرض، وبعمله الخلاصي، استعاد لنا صورة الله المشوهة ودعوتنا الأصلية.
  • الأرض العطشى كمَثَل للبشرية: تصف الآية أرضًا جاهزة ولكنها عطشى. هذه صورة للنفس البشرية التي خلقها الله على صورته، والتي تظل عطشى وقاحلة حتى تلتقي بـ ينبوع الماء الحي، الذي هو المسيح نفسه (يوحنا ٤: ١٤، ٧: ٣٧-٣٨).

الاستخدام الليتورجي

على الرغم من أن هذه الآية لا تُقرأ بشكل مباشر في القراءات الرئيسية للأعياد الكبرى في الكنيسة الأرثوذكسية، إلا أن الموضوع الذي تحمله حاضر بقوة في الليتورجيا:

  • صلاة طلب النعمة (الابتهال): في صلوات السواعي والقداس، نطلب باستمرار من الله أن يرسل نعمته وروحه القدوس علينا. هذه الطلبة هي انعكاس لصورة الأرض المنتظرة لمطر الرب.
  • عيد العنصرة (الخمسين): في هذا العيد، نُسبح الله على إرساله روحه القدوس على التلاميذ مثل "ريح عاصفة" و"ألسنة نار". هذا هو المطر الروحي الحقيقي الذي كانت تنتظره الخليقة، والذي يضمن نمو الكنيسة وثمارها في العالم.
  • تكريس العمل: في الصلوات التي تقال عند بدء عمل ما (كالزراعة أو أي حرفة)، تبارك الكنيسة عمل الإنسان وتطلب من الله أن يبارك تعب اليدين، متذكرة أن العمل هو مشاركة في العناية الإلهية.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية اليوم إلى النمو في علاقتنا مع الله الحبيب؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
الصلاة والشكر: تذكرنا أن يومنا ونجاحنا ليسا ثمرة جهدنا وحده، بل عطية من الله. يجب أن نبدأ يومنا بالصلاة، طالبين "مطر" نعمته على أعمالنا، ونختتمه بالشكر على عطاياه.الصلاة والعبادة
العمل كخدمة: سواء كان عملك في البيت، المكتب، الحقل، أو الكنيسة، انظر إليه على أنه دعوة مقدسة لـ "عمل الأرض" التي وضعك الله فيها. اعمل بنزاهة واجتهاد، ليس كعبد للطمع، بل كشريك لله في تحسين وعمارة عالمه.العلاقات والخدمة
الثقة في العناية: عندما تمر بفترات قحط روحي أو ظروف صعبة تبدو كأرض بلا مطر، تذكر أن الله يعرف وقت حاجتك. ثق في توقيته الإلهي. الصلاة والصبر في انتظار نعمته هما العمل الروحي في تلك الفترة.التجارب والصعوبات

افتح قلبك اليوم لـ "مطر" نعمة الله. إنه يريد أن يروي كل منطقة قاحلة في حياتك – مشاعرك الجافة، أفكارك المتعبة، علاقاتك المتوترة. لا تعتمد على قوتك وحدك. تطلع إلى السماء، إلى أبيك المحب، وقل له: "أمطر عليَّ، يا رب، بنعمتك وروحك القدوس، لأعمل الأرض التي وضعتني فيها بمحبة وفرح". تذكّر دائمًا: أنت لست عاملًا منفردًا؛ الله يعمل معك وفيك.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى في حياتي "أرضًا" تبدو جافة أو بانتظار نمو؟ (علاقة، مهارة، فضيلة روحية). كيف يمكنني أن أطلب من الله "مطر" نعمته عليها بثقة أكبر؟ ٢. كيف أمارس عملي اليومي (المنزلي، الدراسي، المهني)؟ هل أرى فيه خدمة مقدسة وشرف من الله، أم مجرد عبء ووسيلة للكسب فقط؟ كيف يمكنني أن أكرسه لله اليوم؟ ٣. هل أنا أعيش حالة من "الانتظار النشط" مثل الأرض في الآية؟ أي، هل أنا أستعد قلبيًا بالصلاة والتواضع، وأنا واثق أن الله سيعطي النمو في وقته الكامل؟ ما الخطوة العملية التي تدعوني الآية لأتخذها في انتظاري هذا؟


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
يُؤكد أن الله هو مصدر المطر والخصوبة، ويدعو البشرية للثقة به.تثنية ١١: ١٤
يُصوّر نعمة الله الآتية من السماء كالمطر والثلج الذي يروي الأرض ويُخصبها، وهي كلمته الفعالة.أشعياء ٥٥: ١٠-١١
يكشف أن يسوع المسيح هو الكرمة الحقيقية، وأننا كأغصان لا نستطيع أن نحمل ثمرًا بدون الاتحاد به.يوحنا ١٥: ٥
يوضح أن بولس وغيره من الخدام هم "معاونون لله"، وهذا المفهوم ينبع من فكرة تعاون الإنسان مع الله في العمل.١ كورنثوس ٣: ٩

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ١٢: تظهر الأرض وهي تُخرج النباتات بعد أمر الله مباشرة، مؤكدة سلطانه المباشر على الخليقة.
  • تكوين ٢: ١٥: تكمِّل الصورة: "وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا". هنا يظهر دور الإنسان كخادم وحارس.
  • مزمور ١٠٤: ١٣-١٤: تسبحة لعناية الله الذي يسقى الجبال من علاليه، ويُخرج عشبًا للبهائم ونباتًا لخدمة الإنسان.
  • هوشع ١٠: ١٢: دعوة نبوية: "ازْرَعُوا لأَنْفُسِكُمْ بِالْبِرِّ. احْصُدُوا بِرَحْمَةٍ. احْرُثُوا لأَنْفُسِكُمْ حَرْثًا. وَحِينَئِذٍ تَطْلُبُونَ الرَّبَّ حَتَّى يُجِيءَ وَيُعَلِّمَكُمْ بِرًّا".
  • يعقوب ٥: ٧: "فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ أَيْضًا وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأَنَّ مَجِيءَ الرَّبِّ قَدِ اقْتَرَبَ". يستخدم صورة الفلاح الذي ينتظر الثمرة الثمينة، مماثلة لصبر الأرض انتظارًا للمطر المبكر والمتأخر.