السابقتكوين ٧:١٥التالي

تكوين ٧

تكوين 7:15

وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ إِلَى ٱلْفُلْكِ، ٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ.

English (KJV):

And they went in unto Noah into the ark, two and two of all flesh, wherein is the breath of life.

ماذا تعني تكوين 7:15؟

تفسير تكوين ٧: ١٥ من المنظور الأرثوذكسي

"وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ إِلَى ٱلْفُلْكِ، ٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ."

المعنى والشرح

هذه الآية تُصوّر لحظة حاسمة في قصة الطوفان، حيث نرى محبة الله العمليّة ورعايته الدقيقة تتحقّق على الأرض. الله الذي قرّر تطهير الأرض من الفساد، لم ينسَ أبدًا خليقته التي أحبّها. بل دبّر بترتيب إلهي رائع لتحفظ كلّ شكل من أشكال الحياة التي خلقها. الدخول "إلى نوح إلى الفلك" ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو صورة حيّة لاستجابة المخلوقات لأمر خالقها ولطفه.

في هذه اللحظة، نرى تعاونًا مقدّسًا بين النعمة الإلهية والطاعة البشرية. فالله هو الذي أمر وأعدّ الخلاص، ونوح هو الذي بنى الفلك بطاعة، والحيوانات هي التي استجابت لدعوة الخالق ودخلت. هذا يُظهر لنا أن خلاص الله دائمًا ما يكون مشتركاً؛ فهو يدعونا إلى المشاركة في عمله الخلاصي. كما أن عبارة "من كل جسد فيه روح حياة" تُعلن قداسة الحياة كلها في عيني الله. فكل كائن حي يحمل "روح حياة" هو ثمين لدى الله، واهتمامه لا يقتصر على البشر وحسب، بل يمتدّ إلى كل الخليقة التي تتأوّه وتتوق إلى التحرّر (رومية ٨: ٢٢). هذا الحدث يطمئن قلوبنا أن إلهنا إله نظام ورعاية، لا فوضى أو إهمال. محبّته شاملة ودقيقة، فهي تصل إلى التفاصيل الصغيرة، وتضمن حفظ "اثنين اثنين" من كل نوع، لضمان استمرار الحياة وتجديد الخليقة بعد الدينونة.

لننظر إلى هذه الآية بعين المحبّة: الله، في وسط قراره القدوس بتأديب عالم فاسد، يضع خطة خلاص مفصّلة. إنه لا يدمّر بلا تمييز، بل يحفظ بتمييز. الفلك هنا ليس مجرد قارب نجاة، بل هو مقدّس صغير، مكان تُحفظ فيه الحياة وتُحْرس بوعد الله. هذه الصورة تمنحنا رجاءً عميقاً: فحتى في أحلك أوقات الدينونة أو التأديب في حياتنا الشخصية، يبقى الله أميناً في حفظ ما هو ثمين، وفي إعداد طريق للخلاص والنُّسخ الجديد. محبّته تحوطنا، وأمانته تحفظنا.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/شريعةالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأساسي
محبة الله الحافظة ورعايته للخليقةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في ذروة استعدادات الطوفان. فالآيات السابقة (تكوين ٧: ١-٩) تصف أمر الله الأخير لنوح بدخول الفلك مع عائلته والحيوانات، مؤكّدة على دخولها "ذكراً وأنثى". أما هذه الآية (٧: ١٥) فتسجّل تحقيق الوعد الإلهي بشكل ملموس: "ودخلت". الآيات التالية (٧: ١٦-٢٤) تصف انغلاق الفلك بيد الله نفسه، وهطول الطوفان. فالآية إذن تقع في لحظة التنفيذ والإتمام، مما يُبرز أمانة الله في وعوده. إنه لا يعد فقط، بل يضمن تحقيق ما وعد به.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، ويُظهر بشكل متكرّر كيف أن خطيّة الإنسان تُفسد الخليقة الطيبة، وكيف أن نعمة الله تتدخّل دائماً للخلاص. قصة الطوفان هي المثال الأوضح على هذا النمط: الفساد → الدينونة → النجاة → العهد الجديد. آيتنا هي جزء من لحظة "النجاة" هذه، مؤكّدة أن دينونة الله ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة للتطهير والتجديد. إنها تحفظ بذرة الحياة من أجل عالم جديد. هذا يُشبه عمل المسيح: دينونة الخطيّة على الصليب، وحفظ الحياة الأبدية في القبر ثم القيامة.

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذا المشهد رمزاً غنياً لعمل الله الخلاصي في المسيح وفي كنيسته.

التفسيرالأب/المصدر
يرى في دخول الحيوانات "اثنين اثنين" صورة للشركة والازدواجية التي أرادها الله في الخليقة منذ البدء (ذكر وأنثى)، والتي يحفظها حتى في زمن الدينونة. كما أن هذا النظام يُظهر حكمة الله ورعايته التي تشمل كل الخليقة، ولا تُهمل حتى الحيوانات غير الناطقة.القديس يوحنا ذهبي الفم (في عظاته على سفر التكوين)
يُشدّد على أن الفلك هو رمز لكنيسة المسيح. فكما أن الخلاص كان فقط داخل الفلك، هكذا الخلاص اليوم هو فقط داخل الكنيسة، سفينة الخلاص. دخول الحيوانات يمثّل دخول الأمم المختلفة إلى الإيمان، حيث يجد الجميع ملجأً في المسيح.القديس أمبروسيوس ميلان (على الرغم من غربي، إلا أن تفسيره يتوافق مع الرؤية الأرثوذكسية للكنيسة)
يلفت الانتباه إلى عبارة "فيه روح حياة". فكل كائن حي ينفخ الله فيه نسمة حياة هو ثمين. هذا يُظهر أن الله يقدّس الحياة ذاتها، وأن دينونته على الفساد لا تعني ازدراءً بالخليقة، بل رغبة في تطهيرها وإعادتها إلى نقاوتها الأصلية.التقليد الآبائي العام

الخلفية الثقافية

كان الفلك في الثقافة القديمة رمزاً للخلاص من المياه الفائضة، التي كانت ترمز غالباً للفوضى والموت. أن يُبنى فلك وفق مقاييس إلهية (٣٠٠ ذراع طولاً، ٥٠ ذراع عرضاً، ٣٠ ذراع ارتفاعاً - تكوين ٦: ١٥) يعني أن الخلاص يأتي بشروط الله ووفق مشيئته، لا وفق تصوّرات البشر. كما أن فكرة حفظ "زوجين" من كل حيوان تُظهر فهماً قديماً لضرورة التنوّع الجيني واستمرارية الأنواع، مما يلمح إلى حكمة الخالق العلمية المسبقة. دخول الحيوانات إلى الفلك ليس بقوّتها أو ذكائها، بل بدعوة الله واستجابة غريزية لأمره، وهذا يُظهر سلطان كلمة الخالق على كل الخليقة.

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر الاستجابة لدعوة الله والانتقال إلى مكان الأمان الذي أعدّه.H٩٣٥دخل، جاء إلى داخلبَأْבָּא
تُشير إلى نوح كوسيط للخلاص، الرجل البار الذي مشي مع الله.H٥١٤٦راحة، تعزيةنُوحַנֹחַ
سفينة الخلاص، المكان المُعدّ من الله للنجاة. رمز لكنيسة المسيح.H٨٣٩٢صندوق، وعاءتِيّبَاهתֵּבָה
تُظهر نظام الله ودقّته في الخلاص. الخلاص ليس عشوائياً بل منظّماً.H٨١٤٧اثنان، زوجشَتَيِيمשְׁנַיִם
تؤكّد وحدة أصل الحياة كلها من الله. كل حي ينتمي إلى الخالق.H١٣٢٠جسد، لحم، ذبيحةبَاسَارבָּשָׂר
تُعلن أن مصدر الحياة هو نسمة الله الممنوحة. الحياة هبة مقدسة.H٧٣٠٧ريح، نفس، روحرُواحַרוּחַ
تُظهر أن الله هو معطي الحياة وواهبها. الحياة عطيّة منه.H٢٤١٦حي، حياةحَايחַי

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية بأمور عميقة عن الله وعمله:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
أن الله إله نظام ورعاية، لا فوضى. اهتمامه يشمل كل الخليقة، حتى الحيوانات. دينونته على الشر مُحدّدة، ورحمته للبار وللحياة عامة.الله ومحبته
الفلك هو رمز مسيحاني واضح. فالمسيح هو "فلك الخلاص" الحقيقي، الذي فيه نجد ملجأ من دينونة الخطيّة. دخولنا إلى المسيح بالإيمان يُشبه دخول الحيوانات إلى الفلك.المسيح والخلاص
عبارة "روح حياة" تذكّرنا بعمل الروح القدس، "مُنْعِمَ الحياة"، الذي يُعطي الحياة لجميع الخليقة ويُجدد وجه الأرض (مزمور ١٠٤: ٣٠).الروح القدس
ندخل إلى مكان الراحة (نوح = راحة) والحفظ بطاعة واستجابة لدعوة الله. هذا يُمهّد لفكرة الشركة مع الله داخل الكنيسة، حيث نجد الراحة الحقيقية.دعوة الإنسان للتألّه

الرموز والتمهيد

يرى التقليد الآبائي الأرثوذكسي في هذه الآية تمهيداً غنياً لعمل المسيح الخلاصي:

  • الفلك: هو رمز لكنيسة المسيح، سفينة الخلاص. كما أن الخلاص من المياه المُهلكة كان فقط داخل الفلك، هكذا الخلاص من خطيّة العالم وموته هو فقط داخل جسد المسيح، أي الكنيسة. الأبواب المغلقة (تكوين ٧: ١٦) تُشير إلى أمان الخلاص في المسيح الذي لا يقدر عدو أن ينقضه.
  • نوح: كوسيط بين الله والخلائق التي دخلت الفلك، هو صورة عن المسيح، الوسيط الحقيقي الوحيد بين الله والناس (١ تيموثاوس ٢: ٥). برّ نوح النسبي يشير إلى برّ المسيح الكامل.
  • دخول الحيوانات "اثنين اثنين": يمكن أن يُرى كرمز لدخول الأمم المختلفة (اليهود والأمم) إلى كنيسة المسيح، حيث لا تمييز، بل الجميع مدعوون للخلاص. كما يمكن أن يُشير إلى ازدواجية طبيعة المسيح (إلهية وإنسانية) التي بها خلصنا.
  • المياه: التي تُحيط بالفلك وتدين العالم، تُشير إلى مياه المعمودية، التي بها نموت عن العالم القديم الفاسد ونقوم إلى حياة جديدة (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). فالمعمودية هي فلكنا الشخصي.

الاستخدام الليتورجي

رغم أن الآية بالتحديد قد لا تُقرأ في طقوس محددة، إلا أن قصة الطوفان والفلك تحتل مكاناً هاماً في الليتورجيا والتقليد الأرثوذكسي:

  • تُذكر قصة الطوفان في قداس الميلاد وفي عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، حيث ترتبط المياه بموت الخطيّة والحياة الجديدة. فالمعمودية هي فلكنا.
  • يستخدم التقليد الرهباني صورة "الفلك" كرمز للحياة الرهبانية المنغلقة على العالم لحفظ النفوس.
  • يُعتبر نوح أحد آباء العهد القديم الأبرار الذين يُذكرون في الصلوات والترانيم، كمثال على الإيمان والطاعة.
  • في الأيقونات، غالباً ما يُصوّر الفلك بشكل يشبه الكنيسة أو الصليب، مؤكّداً على رمزيّته المسيحيّة.

التطبيق الروحي

تدعونا هذه الآية لنعيش بأمان وطاعة واهتمام شامل:

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
الطاعة المباشرة: مثل الحيوانات التي دخلت بدعوة الله، نحن مدعوون لأن نستجيب لدعوة الله اليوم، بأن ندخل إلى راحة المسيح (متى ١١: ٢٨). الصلاة والقراءة اليومية والتقرب من الأسرار هي "دخولنا" اليومي إلى فلك النعمة.الصلاة والعبادة
الاهتمام بالخليقة: إذا كان الله يهتم بحفظ كل جسد فيه روح حياة، فكم بالحري يدعونا ليكون لدينا قلب رعوي وبيئي، نحترم الحياة بكل أشكالها، ونسعى لحفظ ما وهبنا الله إياه من طبيعة وحيوانات.العلاقات والخدمة
الأمان في الزوابع: عندما تحيط بنا "مياه" التجارب، اليأس، المرض، أو الألم، نذكر أن الله قادر أن يُعدّ لنا فلكاً، أي طريقاً للخلاص. الثقة ليست في غياب العاصفة، بل في وجود الفلك الإلهي وسطها.التجارب والصعوبات

تذكّر، أيها الحبيب، أن الله أمين في حفظ ما استودعته له. كما حفظ نوح والحيوانات في الفلك المغلق بيديه، هكذا يحفظ نفسك وحياتك في كفّته. قد لا تفهم دائمًا سبب العاصفة، لكن يمكنك أن تثق بأن الذي دعاك إلى الفلك يعرف كيف يقود السفينة إلى بر الأمان. خطوتك اليومية هي أن "تدخل" إليه بالصلاة والاتضاع، وتثق أن "روح الحياة" الذي فيك هو هبة ثمينة منه، وهو حريص عليها.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين هو "الفلك" الذي يدعوني الله للدخول إليه اليوم؟ هل هو وقت صلاة أعمق، مصالحة مع شخص، أو خطوة إيمان في مجال معين؟ اطلب من الله أن يريك الباب المفتوح. ٢. كيف أُظهر احترامي لـ "روح الحياة" الذي وضعه الله في الآخرين وفي الخليقة من حولي؟ هل بكلماتي، تصرفاتي، أو إهمالي؟ صلّ طالباً قلباً حساساً لعطايا الله. ٣. هل أثق أن الله يمكنه أن يحفظ "اثنين اثنين" من كل ما هو ثمين في حياتي (الإيمان، الرجاء، المحبة، العلاقات) حتى في زمن الضيق؟ حوّل قلقك إلى صلاة شكر على أمانة الله في الماضي وطلبه للحفظ في الحاضر.

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
المعمودية كفلك خلاصنا، حيث تُغسل الخطيّة ويُحفظ المؤمن لحياة جديدة.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
المسيح هو الراحة الحقيقية (نوح = راحة)، الذي يدعو الحَمِلى والمُثقلين.متى ١١: ٢٨-٣٠
الخليقة كلها تئنّ وتتوقّع التحرّر، كما تاقت الحيوانات للخلاص في الفلك.رومية ٨: ٢٢-٢٣
دعوة جميع الخليقة (كل ذي نسمة) لتسبيح الله، فهو واهب الحياة للجميع.مزمور ١٥٠: ٦

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ١٩-٢٠: الأمر الإلهي الأول بإحضار الحيوانات إلى الفلك.
  • عبرانيين ١١: ٧: إيمان نوح الذي به دان العالم وصار وارثاً للبر.
  • إشعياء ٥٤: ٩: وعد الله بعدم إتلاف الأرض بالمياه مرة أخرى، حيث يقسم بعدم الغضب على شعبه.
  • لوقا ١٧: ٢٦-٢٧: يشبّه الرب أيام مجيئه بأيام نوح والدخول إلى الفلك.
  • رؤيا يوحنا ١١: ١٨: دينونة الله على الذين يُهلكون الأرض، في مقابل رعايته لها في أيام نوح.