ماذا تعني تكوين 7:2؟
شرح تكوين ٧: ٢ من منظور أرثوذكسي
"مِنْ جَمِيعِ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ تَأْخُذُ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَمِنَ ٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ ٱثْنَيْنِ: ذَكَرًا وَأُنْثَى."
المعنى والشرح
هذه الآية الجميلة تُظهر لنا محبة الله الحانية حتى في لحظة الدينونة. فبينما يُعِدّ الله لطوفان يطهر الأرض من الفساد، نراه يُصدر أمرًا لنوح بأخذ الحيوانات إلى الفلك. لكن لاحظوا التفاصيل الدالة على المحبة: الله لا يطلب فقط أخذ زوجين من كل نوع للحفاظ على النسل، بل يطلب سبعة أزواج من الحيوانات الطاهرة! هذا الفارق العددي بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة (٧ مقابل ٢) يكشف عن قلب الله الذي يهتم بكل تفاصيل حياة شعبه المستقبلية.
في هذه الآية نرى الله كمُخَطِّط رحوم، يفكر مسبقًا في احتياجات البشرية بعد الطوفان. فالحيوانات الطاهرة ستكون ضرورية للذبائح التي ستُقدم لله (كما نرى في تكوين ٨: ٢٠)، وللطعام (بعد الطوفان يُسمح بأكل اللحوم في تكوين ٩: ٣). الله يعرف أن نوحًا وعائلته سيحتاجون إلى هذه الحيوانات ليس فقط للبقاء، بل للعبادة أيضًا. وهكذا، حتى في منتصف الدينونة، نجد الله يُعِدّ وسائل النعمة والشركة مع الإنسان.
الأمر الإلهي هنا ليس مجرد تعليمات تقنية لبناء سفينة، بل هو تعبير عن العناية الإلهية التي تسبق خطواتنا وتُهيء لاحتياجاتنا. الله الذي يعرف الغد يُعدّ لشعبه من اليوم. هذه هي محبة الآب التي لا تُغفل شيئًا من احتياجات أولاده، حتى الحيوانات تُدار بمقادير رحمة حسب حكمة محبته.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب التقليدي |
| شعب إسرائيل والشعوب عامة | الجمهور الأصلي |
| محبة الله الحافظة في وسط الدينونة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
هذه الآية تأتي في ذروة الاستعداد للطوفان. فبعد أن رأى الله فساد الأرض (تكوين ٦: ١٢)، قرر أن يمحو البشرية بالطوفان. لكن محبة الله تجد وسيلة للخلاص في شخص نوح البار (تكوين ٦: ٨-٩). الآية ٢ هي جزء من الأوامر التفصيلية التي يعطيها الله لنوح لبناء الفلك وإعداد كل ما هو ضروري للبقاء. الآيات التي تليها (تكوين ٧: ٣-٤) تؤكد أن الطوفان سيأتي بعد سبعة أيام، مما يُظهر أن الله يعطي وقتًا كافيًا للاستعداد.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، وفيه نرى محبة الله التأسيسية تتعامل مع البشرية الساقطة. قصة الطوفان ليست مجرد قصة دينونة، بل هي بالأساس قصة خلاص وتجديد. فكما أن الخليقة الأولى بدأت بالمياه (الروح يرف على وجه المياه في تكوين ١: ٢)، يبدأ الله خليقة جديدة من خلال مياه الطوفان. الآية ٢ تُظهر أن الله لا يبدأ من الصفر تمامًا، بل يحفظ بذرة الحياة التي ستُثمر من جديد. هذا النمط من الموت والقيامة نراه في كل تاريخ الخلاص، حتى يصل إلى ذروته في قيامة المسيح.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| الرقم سبعة يشير إلى الكمال والوفرة. الله يعطي أكثر مما هو ضروري للحفاظ على النوع، لأن قلبه يفيض بالعطاء | التقليد الآبائي عمومًا |
| الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة ترمز إلى النفوس المقبولة عند الله وتلك التي تحتاج إلى تطهير. الله يعطي فرصة للجميع، لكن هناك تمييزًا حسب الاستعداد | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| الطوفان هو معمودية العالم، والحيوانات في الفلك ترمز إلى الكنيسة الجامعة التي تجمع كل الأمم والأصناف | القديس بطرس في العهد الجديد (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١) |
| هذا التمييز بين الطاهر وغير الطاهر يُظهر أن الله يهتم بنقاء شركتنا معه. لا يمكننا الاقتراب إلى الله بأي طريقة، بل بطريقة يحددها هو | القديس كيرلس الإسكندري |
يرى الآباء في هذه الآية صورة مصغرة لعمل الله الخلاصي. فكما جمع الله الحيوانات في الفلك، يجمع المسيح شعبه في كنيسته. والرقم سبعة (٧) الذي كرره مرتين ("سبعة سبعة") يُفهم في التقليد الآبائي على أنه إشارة إلى الوفرة الإلهية والكمال. الله لا يعطي بالكاد، بل يعطي بفيض. حتى الحيوانات الطاهرة أخذت بوفرة لأنها ستُستخدم في العبادة - وهكذا يُظهر الله أن العبادة والتقرب إليه يستحقان أفضل ما عندنا.
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله في محبته لا يهمل التفاصيل، بل يهتم باحتياجاتنا الجسدية والروحية | الله ومحبته |
| الطوفان يُمهد للخلاص النهائي بالمعمودية، والحيوانات تُشير إلى شمولية الخلاص لكل الخليقة | المسيح والخلاص |
| الله يميز بين الطاهر وغير الطاهر، لكنه يعطي فرصة للجميع. النقاء شرط للشركة الكاملة معه | دعوة الإنسان للتأله |
تكشف هذه الآية عن قلب الله الأبوي الذي يُدبّر كل شيء بحكمة. فالتمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة (وهو تمييز سيتطور لاحقًا في الشريعة الموسوية) يُظهر أن الله يهتم بنوعية علاقتنا معه. لا يكفي أن نكون أحياء، بل الله يريدنا أن نعيش في شركة مقدسة معه. الطهارة هنا ليست مجرد طهارة طقسية، بل هي رمز للنقاء القلبي الذي يريده الله في كل مخلوق يقترب إليه.
الرموز والتمهيد
الآباء رأوا في هذه الآية رمزًا غنيًا للمسيح والكنيسة:
١. نوح يرمز إلى المسيح - فكما أن نوحًا كان وسيلة خلاص للبشرية والحيوانات، المسيح هو وسيلة خلاص العالم كله.
٢. الفلك يرمز إلى الكنيسة - فكما أن الفلك حمى من كان فيه من المياه المهلكة، الكنيسة تحمي المؤمنين من دينونة الخطية.
٣. الحيوانات الطاهرة السبعة ترمز إلى المؤمنين الكاملين - الذين يقدمون ذواتهم ذبيحة حية لله (رومية ١٢: ١).
٤. المياه ترمز إلى المعمودية - التي بها نموت عن الإنسان العتيق ونقوم مع المسيح (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
وهكذا، حتى في هذه التفاصيل الدقيقة عن الحيوانات، نرى تمهيدًا لسر التجسد والفداء. الله الذي اهتم بالحيوانات في الفلك، يهتم بكل تفاصيل خلاصنا في المسيح.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن الله يهتم بكل احتياجاتنا، حتى الصغيرة منها. يمكننا أن نثق بعنايته في كل الظروف | الثقة بالله |
| تشجعنا على التمييز بين ما هو طاهر وغير طاهر في حياتنا، والسعي للنقاء القلبي | النمو في القداسة |
| تعلّمنا أن العطاء لله يجب أن يكون من أفضل ما لدينا، كما أعطيت الحيوانات الطاهرة بوفرة للذبائح | العبادة والتقدمة |
يا أحبائي، هذه الآية تمسح دموعنا في الأوقات الصعبة. فإذا كنت تشعر أنك في وسط "طوفان" من المشاكل، تذكر أن الله يُعدّ لك فلك النجاة. وهو لا يعدّ بالكاد، بل يعدّ بفيض. لاحظ أن الله طلب من نوح أخذ الطعام لكل المخلوقات (تكوين ٦: ٢١) - الله لا ينسى حتى طعام الحيوانات! فكم بالحري يهتم باحتياجاتك أنت، أيها الإنسان الكريم عنده.
خطوة عملية لهذا الأسبوع: اختبر بعض الوقت في الصلاة تتأمل في عناية الله بالتفاصيل في حياتك. اكتب ثلاث نعم "صغيرة" قد تبدو عادية ولكنها تدل على عناية الله بك. واشكر الله على أنه إله يهتم حتى بعدد الحيوانات في الفلك!
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أين أرى عناية الله في التفاصيل الصغيرة لحياتي اليومية؟ ٢. ما هي الأمور "الطاهرة" في حياتي التي يجب أن أعتني بها وأطورها؟ وما هي الأمور "غير الطاهرة" التي تحتاج إلى تطهير؟ ٣. كيف يمكنني أن أكون "فلك خلاص" للآخرين في محيطي، كما كان الفلك ملجأ للحيوانات؟
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| الطوفان كمعمودية ورمز للخلاص | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة في الشريعة | اللاويين ١١ |
| الله يعطي بفيض ووفرة | ملاخي ٣: ١٠ |
| نوح مثال للإيمان والطاعة | عبرانيين ١١: ٧ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٦: ١٩-٢٠: الأمر الأولي بأخذ زوجين من كل حيوان.
- تكوين ٨: ٢٠: نوح يبني مذبحًا ويقدم محرقات من كل الحيوانات الطاهرة والطيور الطاهرة.
- لاويين ١٠: ١٠: التمييز بين المقدس والمحلل، بين النجس والطاهر.
- رومية ١٢: ١: تقدمة أجسادنا ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله.
- ١ بطرس ٣: ٢٠: الفلك كمثال للمعمودية التي تخلصنا الآن.
الله الذي حفظ بذرة الحياة في الفلك، يحفظك أنت اليوم في كنيسة المسيح. هو لا ينساك، بل يهتم بكل تفاصيل حياتك، لأنه أب محب يريد لك الخير الدائم.