السابقتكوين ٧:١٩التالي

تكوين ٧

تكوين 7:19

وَتَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ كَثِيرًا جِدًّا عَلَى ٱلْأَرْضِ، فَتَغَطَّتْ جَمِيعُ ٱلْجِبَالِ ٱلشَّامِخَةِ ٱلَّتِي تَحْتَ كُلِّ ٱلسَّمَاءِ.

English (KJV):

And the waters prevailed exceedingly upon the earth; and all the high hills, that were under the whole heaven, were covered.

ماذا تعني تكوين 7:19؟

تفسير تكوين ٧: ١٩ – محبة الله التطهيرية وبداية جديدة

"وَتَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ كَثِيرًا جِدًّا عَلَى ٱلْأَرْضِ، فَتَغَطَّتْ جَمِيعُ ٱلْجِبَالِ ٱلشَّامِخَةِ ٱلَّتِي تَحْتَ كُلِّ ٱلسَّمَاءِ."

المعنى والشرح

تشير هذه الآية إلى ذروة الطوفان العظيم، عندما غطت المياه كل الأرض حتى أخماس الجبال الشاهقة. في النظرة الأولى، قد تبدو هذه الصورة مخيفة ومحبطة، ولكن من منظور إيماننا الأرثوذكسي، نرى فيها عمق محبة الله ورحمته. فالله لم يُرسل الطوفان كعقاب انتقامي، بل كـتطهير شفائي لعالمٍ فسد تماماً بخطيئة الإنسان (تكوين ٦: ٥-٧). إنها دينونة نابعة من محبة أبوية، مثل الجراحة التي يلجأ إليها الطبيب الحنون لإنقاذ المريض من مرض خبيث.

المياه التي "تَعَاظَمَت" و"تَغَطَّت" لم تكن بهدف الإبادة الكلية، بل كانت جزءاً من خطة الله الخلاصية لحفظ بذرة البر – نوح وعائلته – داخل الفلك، الذي هو رمز للكنيسة والخلاص. هكذا، حتى في مشهد الدينونة الظاهري، نرى يد الله الحافظة، التي تخلص وتجدد. فالله يرفض أن يترك الخليقة تغرق في الفساد إلى الأبد؛ محبته الأبوية تتدخل، ولو بطريقة صعبة، لتقطع دابر الشر وتفتح باباً لبداية جديدة.

في هذا المشهد، نتعلم أن محبة الله ثابتة حتى عندما تظهر كدينونة. إنه الإله الذي يكره الخطيئة لأنها تفسد محبوبه – الإنسان – وتهدم الشركة معه. طوفانه هو تصريح بأن الشر لا يمكن أن يسود إلى الأبد في عالم الله. وهذا يمنحنا رجاءً كبيراً: فالله الذي لم يتساهل مع الفساد في أيام نوح، هو نفسه الذي لا يتساهل مع خطيئتنا اليوم، لكنه يعرض علينا فلكاً جديداً – المسيح وكنيسته – للخلاص.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (تاريخ الخلاص)النوع الأدبي
موسى النبيالكاتب
شعب إسرائيل والشعب المسيحيالجمهور
دينونة الله التطهيرية وبداية الخليقة الجديدةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في قلب قصة الطوفان (تكوين ٦-٩). قبلها، نرى طاعة نوح في دخول الفلك مع عائلته والحيوانات (تكوين ٧: ١٣-١٦)، وبدء هطول المطر (تكوين ٧: ١٧-١٨). بعدها، تستمر المياه في الارتفاع لمدة ١٥٠ يوماً (تكوين ٧: ٢٠-٢٤)، إلى أن "ذكر الله نوحاً" (تكوين ٨: ١)، مبتدئاً فصل الجفاف والحياة الجديدة. هذا السياق يُظهر أن الطوفان لم يكن حدثاً عشوائياً، بل كان محدوداً بزمن ومقصداً. فالمياه التي غطت كل شيء كانت المرحلة الضرورية قبل أن تظهر اليابسة من جديد وتُعلن عهد الله مع نوح (تكوين ٩: ٨-١٧).

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخليقة، بداية الخطيئة، وبداية وعود الله الخلاصية. قصة الطوفان تقع بعد قصة السقوط (تكوين ٣) وانتشار الشر (قابيل، طوفان بني الله، إلخ). إنها بداية ثانية للبشرية، حيث يعلن الله، من خلال نوح البار، استعداده لأن يبدأ من جديد مع الإنسان، محافظاً على وعده بالخلاص رغم فشل الإنسان المتكرر. الطوفان هو تطهير يُعدّ المسرح لظهور شعب الله وإبراهيم، ومن ثم المسيح نفسه.

التفسير الآبائي

ينظر آباء الكنيسة إلى الطوفان لا كقصة خراب فحسب، بل كـسر خلاصي عميق يُعلن عن المعمودية والقيامة.

التفسيرالأب/المصدر
المياه التي دمرت العالم القديم هي نفسها – في السر الإلهي – التي تُعيد الحياة في المعمودية. فالطوفان هو صورة للمعمودية التي تطهرنا من فساد الخطيئة وتُخرجنا إلى حياة جديدة في المسيح.التقليد الآبائي عموماً (راجع ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١)
الله لم يدمر العالم بغتة، بل أنذر وانتظر طويلاً (١٢٠ سنة – تكوين ٦: ٣)، مُظهراً صبره ورحمته غير المحدودة، وداعياً الجميع إلى التوبة. الدينونة جاءت فقط عندما استنفدت المحبة كل وسائلها الأخرى.القديس يوحنا ذهبي الفم
الفلك هو رمز للكنيسة. فكما أن نوحاً وكل من في الفلك نجا من الموت، هكذا كل من في كنيسة المسيح – جسده – يخلص من دينونة الخطيئة والموت. المياه الخارجية هي موت، لكن الداخل هو حياة.القديس كيرلس الأورشليمي

دراسة الكلمات

الكلمات الرئيسية في هذه الآية تحمل معانٍ غنية تُظهر تدبير الله المحب:

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن دينونة الله كاملة وشاملة، لا تستثني أي منطقة من فساد الخطيئة. وهي نابعة من عدله المقدس الذي يرفض أن يترك الشر يسود.H٧٢٢٧كثرت، تعاظمت، قويتراباهרָבָה
ترمز إلى الغطاء الذي يمحو العالم القديم، لكنه أيضاً يحفظ داخل الفلك (الكنيسة). في المعمودية، نغطس لتموت الخطيئة ونُغطس لنقوم مع المسيح.H٣٦٨٠غطى، أخفى، ستركاساهכָּסָה
تذكرنا أن الخلاص شامل لكل الخليقة. "كل السماء" تُشير إلى أن الحدث كان كونياً، وكأن كل الخليقة تشارك في عملية التطهير هذه.H٨٠٦٤كل، الجميع، الكلكولכֹּל

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية عن جوانب مهمة من علاقة الله بالإنسان:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
محبة الله لا تعني التسامح مع الشر. قدوسيته ترفض الفساد، لكن رحمته تتدخل لتطهر وتُنقذ. الطوفان هو تعبير عن محبته للخليقة نفسها، التي كانت تتحلل تحت وطأة الخطيئة.الله ومحبته
آباء الكنيسة يرون في الفلك رمزاً للمسيح. فكما أن نوحاً كان "كارزاً للبر" (٢ بطرس ٢: ٥) وفلكه وسيلة الخلاص، هكذا المسيح هو برنا الحقيقي، وجسده (الكنيسة) هو الفلك الذي يخلصنا من طوفان الخطيئة والموت.المسيح والخلاص
تُشير المياه إلى عمل الروح القدس التطهيري. فكما أن مياه المعمودية تُحيينا بالروح (تيطس ٣: ٥)، كانت مياه الطوفان تحمل في طياتها وعداً بالحياة الجديدة بعد التطهير.الروح القدس
نداء إلى التوبة والدخول إلى "الفلك". نحن مدعوون أن نترك "العالم القديم" الفاسد وندخل إلى ملجأ الخلاص – المسيح وكنيسته – حيث نجد الأمان والحياة.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

يرى التقليد الأرثوذكسي في الطوفان تمهيداً ورمزاً غنياً لعمل المسيح الخلاصي:

  • المياه: ترمز للمعمودية (١ بطرس ٣: ٢١). فالمعمودية تغسل خطايانا وتُقيمنا إلى حياة جديدة، كما أعادت مياه الطوفان الأرض إلى حال من الطهارة (وإن كانت مؤقتة).
  • الفلك: هو رمز واضح للكنيسة. فالكلمة اليونانية للكنيسة (ἐκκλησία) تعني "الجماعة المدعوة للخروج". نوح وعائلته دُعوا للخروج من العالم الفاسد إلى الفلك. هكذا نحن مدعوون للخروج من سلطان العالم إلى كنيسة المسيح.
  • الجبل المغطى: قد يرمز إلى أن كل شيء، حتى ما يبدو عالياً ومستقراً (كالجبال)، ليس بمأمن من دينونة الله إذا فسد. لكن في نفس الوقت، بعد الطوفان، تستقر الفلك على جبل أراراط (تكوين ٨: ٤)، مظهرة أن الله يُؤسس خلاصه على أساس ثابت.

الاستخدام الليتورجي

قصة الطوفان تحتل مكاناً هاماً في التراث الليتورجي الأرثوذكسي:

  • تُقرأ في أسبوع الآلام (أسبوع الصلب) في بعض التقاليد، كمقارنة بين مياه الطوفان التي طهرت العالم، ودم المسيح الذي طهر البشرية من الخطيئة.
  • تُستخدم كصورة في صلاة التسبحة وصلاة الغروب، تذكيراً بخلاص الله الدائم ورحمته التي تتجاوز الدينونة.
  • في عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، حيث تُقدس المياه، نتذكر أن ماء الطوفان كان نذيراً للماء الذي يحيينا في المعمودية.
  • العديد من الترانيم (الإيبارشيات) في الصوم الكبير تشير إلى نوح والفلك كدعوة للتوبة والدخول إلى ملجأ الكنيسة قبل "طوفان" الدينونة الأخيرة.

التطبيق الروحي

كيف يمكن لهذه الآية التي تتحدث عن طوفان شامل أن تبني إيماننا وتقربنا من الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن التوبة ملحة. فكما أن نوحاً بنى الفلك قبل أن يأتي المطر، نحن مدعوون أن نستعد بمصالحة مع الله قبل مجيء أي أزمة أو دينونة في حياتنا. الصلاة والاعتراف هما سفينتنا الآمنة.الصلاة والعبادة
تشجعنا على الصمود في البر. عاش نوح في وسط جيل فاسد، لكنه "وجد نعمة في عيني الرب" (تكوين ٦: ٨) بسبب بره. في عالمنا اليوم، قد نشعر بأننا قلّة، لكن الله يحفظ الذين هم له.العلاقات والخدمة
تعطينا رجاءً في التجارب. عندما تغمرنا مشاكل الحياة ("المياه") من كل جانب، نثق أن الله يرى الفلك (أي كنيسته ونحن فيها) ولن يسمح للغرق أن يكون مصيرنا النهائي. "إلى هنا تأتي وللا تتعدى" (أيوب ٣٨: ١١).التجارب والصعوبات

في كل مرة نمر فيها بضيق، لنتذكر أن المياه التي من تحت تهدد، لكن يد الله من فوق تحفظ. ربما تمر نفوسنا ب"طوفان" من الحزن أو الشك أو الخطيئة، لكن المسيح هو فلكنا الحقيقي. إنه الذي "مشى على المياه" (متى ١٤: ٢٥) وسيطلبنا ليأخذنا إلى السفينة – إلى حضنه – حيث السلام الحقيقي.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى "فساد العالم" في حياتي أو حولي؟ وكيف يمكنني، مثل نوح، أن أبنى "فلكاً" من الصلاة والممارسات الروحية يحفظني منه؟ ٢. هل أثق أن حتى دينونة الله نابعة من محبته؟ كيف أستطيع أن أستجيب لمحبته التطهيرية بالتوبة والرجوع إليه؟ ٣. كيف يمكنني أن أكون "كارز بر" في محيطي، لأدعو الآخرين إلى دخول فلك الخلاص، وهو الكنيسة، بلطف ورجاء؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
العهد الجديد يربط الطوفان مباشرة بمعموديتنا في المسيح، مما يُظهر الاستمرارية في عمل الله الخلاصي.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
الله يعطي وعداً أنه لن يُعيد الطوفان مرة أخرى، معلناً أن وسيلة خلاصه النهائية ستكون مختلفة – عبر الصليب وليس عبر التدمير الشامل.تكوين ٩: ١١-١٥
أيوب يتأمل في قدرة الله الذي "يكفّ المياه عن الوجه" (أي بعد الطوفان)، مظهراً سلطانه المطلق على الدينونة والرحمة.أيوب ٢٦: ١٠
يشير السيد المسيح نفسه إلى أيام نوح كمثال على مفاجأة مجيئه الثاني، داعياً إيانا إلى اليقظة والاستعداد.متى ٢٤: ٣٧-٣٩

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٥-٨: سبب الطوفان – فساد البشر ومحبة الله التي وجدت نوحاً.
  • مزمور ٢٩: ١٠: "الرب فوق الطوفان" – تذكير بسيادة الله حتى في أعنف الأحداث.
  • إشعياء ٥٤: ٩: "كما حلفت أن مياه نوح لا تعبر الأرض كذلك حلفت أن لا أغضب عليك" – ربط بين عهد الطوفان وعهد النعمة مع شعب الله.
  • عبرانيين ١١: ٧: "بنى نوح فلكاً لخلاص بيته" – إيمان نوح كقدوة لنا.
  • رؤيا يوحنا ٢١: ١: "سماء جديدة وأرض جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد" – الاكتمال النهائي لعمل الله التطهيري والخلاصي، حيث لا حاجة بعد لـ"طوفان".