ماذا تعني تكوين 7:6؟
المعنى والشرح
تُعلن هذه الآية البسيطة في ظاهرها لحظة مصيرية في تاريخ العلاقة بين الله والإنسان: "وَلَمَّا كَانَ نُوحٌ ابْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ صَارَ طُوفَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ". هذه الكلمات لا تُسجل مجرد حدث تاريخي كارثي، بل تكشف عن عمق محبة الله ورحمته وصلاحه. الله الذي هو "مُحِبٌّ لِلْجَمِيعِ" (حكمة ١١: ٢٤)، والذي يريد ألا يهلك أحد، يتحرك هنا ليُطهّر ويُجدّد خليقته التي أفسدتها الخطية، محافظًا على بذرة البرّ من خلال نوح وعائلته. الطوفان ليس انتقامًا، بل هو تأديب أبوي مُحِب، وغسلٌ للعالم ليبدأ من جديد مع الإنسان الذي لا يزال قلبه مائلاً نحو الله.
في هذا العمر الدقيق – سِتُّمِائة سنة – نرى دقة تدبير الله وصلاحه.
التقليد الآبائي يرى في هذا العدد رمزية لاكتمال الزمن الذي أعطاه الله للناس للتوبة.
طوال تلك السنوات، كان نوح "كَارِزًا لِلْبِرِّ" (٢ بطرس ٢: ٥)، وكان الله نفسه يصبر عليهم (١ بطرس ٣: ٢٠)، مقدّمًا لهم فرصة للرجوع.
لم يأتِ الطوفان فجأة، بل بعد فترة طويلة من الصبر والتحذير.
وعندما حلّ الوقت المحدد، كان نوح وعائلته قد اكتمل استعدادهم داخل الفلك، الذي يُشير آباؤنا إلى أنه رمز للكنيسة، الملجأ الآمن الوحيد من دينونة الخطية.
هذه الآية، إذن، تدعونا لنرى الله ليس كقاضٍ قاسٍ، بل كأب محب يُنقذ أولاده من الهلاك، ويستخدم حتى وسائل التأديب لإعادتهم إليه وشفائهم.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تاريخي/قصصي | النوع الأدبي |
| موسى النبي (تقليدياً) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البريّة/الأجيال اللاحقة | الجمهور |
| محبة الله في الدينونة والتجديد | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في قلب قصة الطوفان العظيم (تكوين ٦-٩). قبلها مباشرة، يوصي الله نوحًا بالدخول إلى الفلك مع عائلته ومختارات من كل حيوان، ويعد بإنقاذهم (تكوين ٧: ١-٥). يُظهر هذا أن دينونة الله لا تُلغِي رحمته؛ فهناك دومًا طريق للخلاص مُعدّ مسبقًا بمحبة. بعدها مباشرة، يصف النص دخول نوح وأسرته والحيوانات إلى الفلك، وإغلاق الرب عليهم، ثم تفجّر ينابيع الغمر وطوفان الماء (تكوين ٧: ٧-١٦). الآية إذن هي العتبة الفاصلة بين زمن الصبر والاستعداد، وزمن تحقيق الدينونة والخلاص معًا.
سياق السفر
يأتي سرد الطوفان بعد قصة الخلق السابقة للصلاح (تكوين ١-٢) وسقوط الإنسان في الخطية وتفاقمها في العالم (تكوين ٣-٦). تُظهر هذه القصة أن خطية الإنسان تؤثر على الخليقة كلها (تكوين ٦: ١١-١٢)، لكن الله في محبته لا يتخلى عن خطته. الطوفان هو بمثابة "إعادة خلق" أو "تجديد" للعالم. إنه يؤسس لنمط يتكرر في الكتاب المقدس: دينونة الله تأتي مع وسيلة خلاص (الفلك، العهد)، مؤكدة أن هدف الله النهائي هو الشفاء والاسترداد، وليس الإهلاك. هذه القصة تمهّد لفكرة العهد الذي سيقيمه الله لاحقًا مع نوح (تكوين ٩)، ومع إبراهيم، وصولاً إلى العهد الجديد والدميث في المسيح.
التفسير الآبائي
يقدم لنا آباء الكنيسة وعلماء الكتاب المقدس الأرثوذكس رؤية غنية وروحية لهذه الآية وقصة الطوفان، مركزين على محبة الله وغايته الخلاصية.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يرى في الطوفان صورة للمعمادة المسيحية. فكما أن المياه أهلكت العالم القديم الفاسد وأنقذت نوحًا، هكذا تغسل مياه المعمودية خطايانا وتنقذنا لنولد من جديد في المسيح. الطوفان كان "غسلًا" للعالم. | القديس بطرس الرسول (راجع ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١) والتقليد الآبائي العام |
| يُركّز على عدل الله وصلاحه. فالله لم يعاقب البشر بسرعة، بل أنعم عليهم بفترة طويلة (١٢٠ سنة، تكوين ٦: ٣) للتوبة. دينونته هي آخر علاج عندما تفشل كل وسائل الرحمة. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| يفسر الفلك كرمز للكنيسة. فكما أن الخلاص كان فقط داخل الفلك، هكذا الخلاص اليوم هو فقط داخل الكنيسة، جسد المسيح. الخروج من الفلك كان الموت. | القديس كيرلس الأورشليمي وغيره من الآباء |
| العدد ٦٠٠ يُشير إلى اكتمال زمن الإنسان أو تاريخ العالم القديم. إنه علامة على أن تدبير الله وصل إلى ملئه، وأن وقت التجديد قد حان. | تفسيرات آبائية رمزية |
الأهمية اللاهوتية
تكشف هذه الآية عن جوانب عميقة من لاهوت محبة الله وتدبيره الخلاصي:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله محب وحكيم في دينونته: حتى في حدث الطوفان، نرى محبة الله تظهر في صبره الطويل (١٢٠ سنة للبناء والكرازة)، وفي إعداده وسيلة الخلاص (الفلك)، وفي حفظه بذرة البر (نوح وعائلته). الدينونة ليست سوى الوجه الآخر لرحمة الله التي ترفض أن تترك الشر يستفحل إلى الأبد. | الله ومحبته |
| المسيح هو الفلك الحقيقي: كما كان الفلك الملجأ الوحيد من المياه، هكذا المسيح هو ملجأنا الوحيد من دينونة الخطية والموت. دخولنا إلى المسيح بالإيمان والمعمودية يُنقذنا. قيامة المسيح من الأموات هي الأرض الجديدة التي ننطلق إليها. | المسيح والخلاص |
| الروح القدس يُجدّد الخليقة: عمل الروح القدس في المعمودية هو استمرار لعمل التجديد الذي بدأ رمزيًا بالطوفان. فهو يطهر قلوبنا ويُعيد خلقنا على صورة الله. | الروح القدس |
| دعوة الإنسان للدخول إلى ملجأ الله: تدعونا الآية إلى الثقة في تدبير الله حتى لو بدت الأمور صعبة، وإلى الطاعة مثل نوح الذي بنى الفلك برغم استهزاء العالم، وإلى البحث عن خلاصنا داخل "فلك" الكنيسة حيث الأسرار والشركة. | دعوة الإنسان (التأله) |
الرموز والتمهيد
رأى آباء الكنيسة في أحداث العهد القديم "ظلالًا" و"تمهيدات" لحقائق العهد الجديد. قصة الطوفان غنية بهذه الرموز المسيانية:
- الماء: يرمز للمعمادة (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). فالماء الذي كان أداة دينونة أصبح في المسيح أداة خلاص وتجديد.
- الفلك: هو رمز واضح للكنيسة. فمن دخل الفلك نجا، ومن خرج منه هلك. هكذا الخلاص هو في الشركة مع جسد المسيح، الكنيسة. كما أن الفلك بُني حسب مقاييس إلهية دقيقة، هكذا كنيسته مؤسسة على تعاليمه وصلاحه.
- نوح البار: يُشير إلى المسيح، البار الوحيد الكامل. فكما أن نوحًا وذويه نجوا بسبب برّه، هكذا ننحن ننال الخلاص ببرّ المسيح المُنسَب إلينا.
- الزوجين من كل حيوان: يرمز إلى وحدة الجنس البشري المُخلَّص في المسيح، وإلى مصالحة الخليقة كلها مع الله (رومية ٨: ١٩-٢١).
- الدخول والإغلاق: الله نفسه هو الذي أغلق الباب على نوح (تكوين ٧: ١٦). هذا يرمز إلى أن الخلاص هو عطية ومبادرة من الله، وهو الذي يحفظنا في أمانه بعد أن ندخل برحمته.
الاستخدام الليتورجي
لقصة الطوفان مكانة خاصة في الليتورجيا والتقليد الأرثوذكسي:
- القداس الإلهي: في قداس برشلوني (القداس البيزنطي)، تُستخدم صورة الفلك في تفسير سر الإفخارستيا، حيث تشير السفينة (الفلك) إلى الكنيسة، والمذبح داخل الهيكل يُشبه الفلك الذي يحمل المؤمنين فوق مياه هذا العالم.
- صلاة البركة: في صلوات البركة (مثل بركة المنازل)، تُذكر محبة الله التي حفظت نوحًا في الفلك كسابقة لطلبة حفظه لسكان البيت.
- أيقونات عيد الظهور الإلهي (الغطاس): غالبًا ما تُصوّر أيقونة المعمودية المسيح واقفًا في الماء، وفي أسفل الأيقونة تظهر شخصيات صغيرة ترمز لنوح في الفلك، مؤكدة على الاتصال الرمزي بين الطوفان والمعمودية.
- قراءات الصوم الكبير: تُقرأ أجزاء من قصة الطوفان أحيانًا كتذكير بموت الخطية والحاجة إلى التوبة والدخول إلى "فلك" الصوم والممارسات الروحية.
التطبيق الروحي
كيف تدعونا هذه الآية اليوم لننمو في شركتنا مع الله وفي سعينا نحو التألّه؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تمنحنا رجاءً في أحلك الأوقات: عندما نمرّ بأزمات تبدو كـ"طوفان" في حياتنا (مرض، خسارة، حزن)، نذكر أن الله رأى نوحًا داخل الفلك. هو يعرف مكاننا ويحفظنا. الطوفان انتهى واستقر الفلك على الجبل، هكذا تجاربنا مؤقتة وسينقذنا الله. | التجارب والصعوبات |
| تحثنا على الصبر والطاعة: نوح لم يُنقذ نفسه بذكائه بل بطاعته واستجابته لله على مدى سنوات. في عالم يستعجل النتائج، تدعونا الآية إلى الصبر على وعود الله والثبات في العمل الذي دعانا إليه، ولو بدا غير منطقي في عيون العالم. | النمو في الفضيلة |
| تُعمّق شكرنا على خلاصنا في الكنيسة: كلما تذكرنا أن الخلاص كان فقط داخل الفلك، ندرك نعمة كوننا داخل الكنيسة، حيث الأسرار والكلمة والشركة الأخوية. هذا يدفعنا لعدم الاستهانة بهذه العطية والمشاركة فيها بفرح. | العبادة والشركة |
تذكُّر مُشجّع: الله الذي حسب سنين نوح وأغلق عليه الباب بأمان، هو نفسه الذي يعرف كل أيامك (مزمور ١٣٩: ١٦). ثق أن تدبيره لحياتك دقيق ومحِب، حتى في الأوقات التي تشعر فيها أن المياه ترتفع من حولك. إنه يُعدّ لك دائمًا ملجأً – قد يكون صلاة صادقة، كلمة تعزية من صديق، أو حضور القداس – ادخله بإيمان كما دخل نوح الفلك.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. للتأمل: أين أرى في حياتي "صبر الله" الطويل عليَّ، منتظرًا توبتي أو نُموّي، قبل أي تأديب؟ كيف أستجيب لهذا الصبر؟
٢. للاستجابة الشخصية: ما هو "الفلك" الذي يدعوني الله للدخول إليه اليوم ليكون ملجأي من ضغوط أو خطايا معينة؟ هل هو المزيد من الصمت والصلاة؟ الاعتراف؟ قراءة الكتاب؟
٣. لتحويلها صلاة: "أيها الرب المحب، الذي حفظت نوحًا في الفلك في زمن الطوفان، احفظ نفسي و أحبائي في فلك كنيستك المقدسة. علمني أن أثق في تدبيرك حتى عندما لا أفهم طرقك، وأعطني قلبًا مطيعًا وصبورًا مثل عبدك نوح. بصلواته، ارحمني وخلصني. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| يربط الطوفان بشكل صريح بالمعمودية المسيحية، مؤكدًا الرمزية الخلاصية للماء. | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| يذكر صبر الله أثناء بناء الفلك، مشددًا على أن دينونة الله لا تأتي إلا بعد إمهال طويل. | ١ بطرس ٣: ٢٠ |
| يصف نوح كـ"كارز للبر"، مما يظهر أن الطوفان لم يأتِ دون تحذير مسبق وفرصة للتوبة. | ٢ بطرس ٢: ٥ |
| يستخدم إيمان نوح مثالاً، حيث آمن بما لم يُرَ بعد وبنى الفلك خوفًا من الدينونة المقبلة. | عبرانيين ١١: ٧ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٦: ٣: صبر الله لمدة ١٢٠ سنة قبل الطوفان.
- تكوين ٦: ٩: وصف نوح كرجل بار وكامل في أجياله.
- تكوين ٧: ١: دعوة الله لنوح للدخول إلى الفلك لأنه رآه بارًا.
- تكوين ٧: ١٦: "فَأَغْلَقَ الرَّبُّ عَلَيْهِ" – تأكيد على حفظ الله الفعّال.
- إشعياء ٥٤: ٩: حيث يقسم الله أن لا يعود يغضب على شعوبيربطه بقسمه بعد الطوفان.