السابقتكوين ٧:١٨التالي

تكوين ٧

تكوين 7:18

وَتَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ وَتَكَاثَرَتْ جِدًّا عَلَى ٱلْأَرْضِ، فَكَانَ ٱلْفُلْكُ يَسِيرُ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ.

English (KJV):

And the waters prevailed, and were increased greatly upon the earth; and the ark went upon the face of the waters.

ماذا تعني تكوين 7:18؟

المعنى والشرح

تكوين ٧: ١٨ تصف لحظة الذروة في طوفان نوح، حيث تعلو المياه وتنتشر بقوة عظيمة لتغطي الأرض كلها، بينما يظل الفلك – سفينة الخلاص – آمناً يطفو على سطحها. هذه الآية، في ظاهرها، تروي حدثاً مروعاً من الدينونة، لكنها في جوهرها تُعلن رسالة عميقة عن محبة الله ورحمته: فالله القدوس الذي لا يتسامح مع الشر، هو نفسه الإله الحنون الذي يخلق ملاذاً أميناً لمن يثق به ويسير في طرقه. حتى في وسط العاصفة التي أثارها خطابنا، تبقى عين الله على مختاريه، ويبقى وعده حاملاً إياهم.

الطوفان هنا ليس مجرد عقاب، بل هو أيضاً عمل تطهير وتجديد من الله المحب. فكما أن الجراح يقطع العضو الفاسد لإنقاض الجسد كله، يسمح الله بتطهير الأرض من الفساد الذي طال كل البشر، ليبني عالماً جديداً يبدأ بأسرة واحدة مؤمنة. الفلك السائر على وجه المياه هو صورة حية لرحمة الله الفعالة: لقد صمم الله بنفسه هذا الملجأ (تكوين ٦: ١٤-١٦)، وأغلق الباب من خارجه (تكوين ٧: ١٦)، وحفظه وسط العاصفة. هذا يُظهر لنا أن محبة الله لا تتوقف عند إعلان التحذيرات، بل تمتد إلى توفير طريق النجاة وحفظنا فيه خطوة بخطوة. إنها دعوة لنا اليوم لنثق بأن الله، الذي حفظ الفلك على المياه الهائجة، قادر أن يحفظ حياتنا في خضم أي عاصفة روحية أو ظرف صعب، طالما نحن بداخله.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/قصصيالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل والشعوب المتعلمين بقصص الأصولالجمهور
حفظ الله ورحمته وسط الدينونةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في قلب قصة الطوفان (تكوين ٦-٩). فقبلها مباشرة، نرى استجابة نوح لأمر الله بدخول الفلك مع عائلته والحيوانات (الآيات ١٣-١٦)، وبداية هطول المطر الذي دام أربعين يوماً (الآية ١٧). بعد هذه الآية، تستمر المياه في الارتفاع حتى تغطي كل الجبال العالية (الآيات ١٩-٢٠)، مما يؤكد شمولية الدينونة. الآية ١٨ إذن تلتقط لحظة تحقق الوعد/التحذير الإلهي بالكامل: تعاظم المياه كما قال الله، لكن الفلك سار كما وعد. إنها صورة للدينونة والرحمة متلازمتين في عمل الله الواحد.

سياق السفر

تقع قصة الطوفان في القسم الأول من سفر التكوين (أصحاح ١-١١) الذي يتناول أصول العالم والإنسان وانتشار الخطية. بعد سقوط آدم (أصحاح ٣) وجريمة قايين (أصحاح ٤)، يصل الفساد إلى ذروته في أيام نوح (تكوين ٦: ٥). الطوفان هو عمل جراحي إلهي لوقف انتشار العدوى وفتح صفحة جديدة مع الإنسانية من خلال نوح، الرجل البار. هذه القصة تؤسس لنمط إلهي يتكرر في الكتاب المقدس: فالله لا يتخلى عن خليقته رغم خطيتها، بل يتدخل بطريقة تحقق العدل وتُظهر الرحمة، تمهيداً للخلاص النهائي في المسيح.

التفسير الآبائي

يقدم لنا آباء الكنيسة وعلماء التقليد الأرثوذكسي تفسيراً غنياً لهذه الآية، يرون فيه ليس فقط حدثاً تاريخياً بل وأيضاً رموزاً روحية عميقة تكشف عن عمل الله الخلاصي المستمر.

التفسيرالأب/المصدر
يرى في تعاظم المياه صورة لقوة الخطية وموجات الشهوات التي تغمر النفس البشرية. أما الفلك السائر فهو صورة للكنيسة أو لحياة الفضيلة، التي تبقى صامدة وآمنة لأن الرب نفسه يقودها ويحفظها وسط عواصف العالم.القديس يوحنا ذهبي الفم
يؤكد أن الطوفان كان تأديباً من محبة الله، مثل الأب الذي يؤدب ابنه. المياه الكثيرة ترمز أيضاً لمياه المعمودية التي تطهر المؤمن وتمنحه حياة جديدة، كما أعطت الأرض بداية جديدة.القديس باسيليوس الكبير
يُعلّم التقليد الآبائي أن الفلك هو رمز للمسيح نفسه أو لكنيسته. فكما أن نوحاً وأسرته خلصوا بالدخول إلى الفلك والبقاء فيه، هكذا نخلص نحن بالدخول إلى المسيح والإتحاد به من خلال المعمودية والإيمان. المسيح هو "فلك خلاصنا" الحقيقي الذي يحملنا فوق مياه الموت لنصل إلى حياة القيامة.التقليد الآبائي (أغسطينوس، وغيره)

دراسة الكلمات

تساعدنا الكلمات الرئيسية في الآية على فهم أعمق لعمل الله:

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر شدة الدينونة الإلهية وقوة الخطية التي تتطلب تدخلاً جذرياً، ولكن أيضاً عظمة رحمة الله القادرة على التحكم حتى في هذه القوىH١٤٣١تعاظمت، قويت، غلبتגָּדַל (جادَل)וַתִּגְבְּרוּ
تؤكد اكتمال القضاء وشموليته، كما تؤكد من جهة أخرى كثرة نعمة الله التي تغفر وتغسل (كما في المعمودية)H٧٢٣٥كثرت، تضاعفتרָבָה (رَبه)וַיִּרְבּוּ
هو وعاء الخلاص الذي صنعه الله حسب مواصفات إلهية. يرمز إلى النظام والنظام الإلهي (الكنيسة) الذي يحفظ الحياة وسط الفوضى.H٨٣٩٢صندوق، سفينة، تابوتתֵּבָה (تَيْفَه)הַתֵּבָה
ليست حركة عشوائية، بل سير هادف وموجه. تلمح إلى أن الله هو الذي يوجه مسار الخلاص ويقوده إلى بر الأمان.H٨٢١٠سار، مضى، ذهبהָלַךְ (هالَخ)הָלְכָה

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية البسيطة حقائق لاهوتية عميقة عن محبة الله وعمله الخلاصي:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله قدوس ولا يتغاضى عن الشر، لكن رحمته تسبق دينونته. فهو يخلق طريقاً للخلاص (الفلك) قبل تنفيذ الدينونة (الطوفان). محبته تظهر في الحفظ وليس فقط في العقاب.الله ومحبته
الفلك هو رمز مسبق (نموذج) للمسيح. فالمسيح حمل خطايا العالم على الصليب (دينونة الطوفان)، وهو الملجأ الذي من يدخل إليه يخلص (الفلك). قيامته هي "بر الأمان" الجديد.المسيح والخلاص
المياه التي دينت العالم القديم هي نفسها التي صارت في العهد الجديد وسيلة للحياة عبر المعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). يرى الآباء في ذلك عمل الروح القدس الذي يطهر ويجدد.الروح القدس
دعوة الإنسان هي للدخول إلى "فلك" الشركة مع الله (الكنيسة، حياة الصلاة، الأسرار) والثبات فيه. الخلاص ليس مجرد الهروب من الخطر، بل هو سير مع الله وثقة بقدرته على الحمل والقيادة حتى في الظلام.دعوة الإنسان (التأله)

الرموز والتمهيد

في التقليد الأرثوذكسي، قصة الطوفان والفلك مليئة بالرموز التي تُشير إلى المسيح وخلاصه:

  • الفلك (التَّابوت): هو رمز رئيسي للمسيح وللكنيسة. كما كان الفلك هو الوسيلة الوحيدة للخلاص من الماء، هكذا المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص من الخطية والموت (يوحنا ١٤: ٦). والكنيسة، كجسد المسيح، هي التي تحمل المؤمنين في رحلة هذا العالم.
  • المياه: لها وجهان في الكتاب المقدس: وجه الموت والدينونة (كما هنا وفي البحر الأحمر أمام فرعون)، ووجه الحياة والتطهير (كما في المعمودية وخروج إسرائيل من البحر). هذان الوجهان يتلاقيان في صليب المسيح، حيث تحمل دينونة خطيتنا وأعطيتنا حياة جديدة.
  • الدخول إلى الفلك والإغلاق من الخارج: هذا يرمز إلى أن الخلاص هو مبادرة ونعمة من الله. نوح دخل بأمر الله، والله هو الذي أغلق الباب. إنه صورة رائعة لضمان الخلاص: من هم داخل المسيح، محفوظون بأمانة الله.

الاستخدام الليتورجي

تحتل قصة الطوفان مكاناً خاصاً في الليتورجيا الأرثوذكسية، خاصة في سياق سر المعمودية:

  • خدمة المعمودية: تُقرأ نصوص من قصة الطوفان (تكوين ٦-٩) خلال الصلوات التمهيدية للمعمودية أو في عيد الظهور الإلهي (الغطاس). الماء في الخدمة يرمز إلى مياه الطوفان التي قضت على العالم القديم، ومياه المعمودية التي تقضي على الإنسان العتيق وتعطيه ميلاداً جديداً.
  • صلاة البركة على ماء المعمودية: تُذكر فيها صراحة كيف أن الله "حطم رؤوس التنانين على المياه" و"أغرق خطية البشرية في الطوفان"، وكيف أن نفس المياه صارت الآن وسيلة للمملكة والحياة الأبدية.
  • ألحان الصوم الكبير: في بعض التقاليد، تُستخدم صور الطوفان والفلك كدعوة للتوبة والرجوع إلى الله كملاذنا.

التطبيق الروحي

كيف يمكن لهذه الآية أن تلمس حياتنا اليوم وتقربنا من الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن الله ملاذنا الآمن. عندما تغمرنا هموم الحياة أو خطايانا، يمكننا أن "ندخل" إلى حضوره عبر الصلاة القلبية وقراءة الكلمة والاشتراك في الأسرار، واثقين أنه يحفظنا.الصلاة والعبادة
كما حمل الفلك كل أنواع المخلوقات، دُعينا لنكون مجتمعاً يحوي الجميع في محبة المسيح. يمكن أن نكون "فلكاً" صغيراً للآخرين، نقدم لهم الرجاء والملجأ في محبتنا العملية وسماعنا لهم.العلاقات والخدمة
التجارب والصعوبات مثل "المياه المتعاظمة". هذه الآية تطمئننا: قد تهتز الحياة من حولنا، لكن إن كنا في المسيح (في فلكه)، فنحن نسير على وجه المياه، أي أننا محمولون بقوة الله فوق العاصفة، ولسنا تحت رحمتها. المسار قد يكون صعباً، لكن النهاية مضمونة.التجارب والصعوبات

تذكّر: الله الذي قاد الفلك الصغير على المياه الهائلة، هو نفسه الذي يسير معك اليوم. ثقتك فيه لا تجعل العواصف تختفي، لكنها تضمن أنك لن تغرق فيها أبداً.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى "المياه المتعاظمة" في حياتي أو في عالمي اليوم؟ هل هي هموم، خطية، خوف، أو اليأس؟ قدم هذه المياه لله في صلاة. ٢. هل أشعر أنني "داخل الفلك" أم أنني أحاول السباحة بمفردي؟ ما هو الخطوة العملية التي يمكنني اتخاذها لأعيش بثبات أكثر في شركة مع الله وكنيسته؟ ٣. كيف يمكنني أن أكون جزءاً من "فلك الخلاص" للآخرين؟ هل هناك شخص في محيطي يحتاج إلى كلمة رجاء أو فعل محبة يحمله في عاصفته؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
التفسير الرسولي للطوفان: يربط القديس بطرس صراحة بين مياه الطوفان ومياه المعمودية، مشيراً إلى أن الخلاص في الفلك يرمز إلى خلاصنا في المسيح.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
الله السيد على الطوفان: يذكر أن الله جلس ملكاً على الطوفان، مؤكداً سيادته المطلقة حتى على أعنف قوى الطبيعة، وهو الذي يمنح شعبه القوة والبركة.المزمور ٢٩: ١٠
عهد الرحمة بعد الدينونة: يؤكد الله أنه كما أقسم بعدم إعادة الطوفان، فهكذا يقسم بعدم غضبه على شعبه، معلناً أن رحمته أبدية.إشعياء ٥٤: ٩
المسيح هو راحة حقيقية: يدعو المسيح جميع المتعبين ليأتوا إليه، فهو الراحة الحقيقية والملجأ الآمن من عواصف الحياة، تماماً كما كان الفلك راحة لنوح.متى ١١: ٢٨
الخلاص كعمل إلهي: يذكر أن الخلاص هو من الرب، مثلما كان إنقاذ يونس من جوف الحوت، مؤكداً أن الله هو مخلصنا في كل ضيقة.يونان ٢: ٩

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ١٨: وعد الله لنوح بالعهد وإقامة ذريته، أساس رجاء الخلاص.
  • تكوين ٨: ١: "وَذَكَرَ ٱللهُ نُوحًا"... قلب القصة من الدينونة إلى الرحمة الفعلية.
  • عبرانيين ١١: ٧: إيمان نوح الذي به دان العالم وصار وارثاً للبر.
  • المزمور ٤٦: ١-٣: "اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ... لِذَلِكَ لَا نَخْافُ وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ ٱلْأَرْضُ".
  • رؤيا ١٢: ١٤-١٦: صورة رمزية عن المرأة (الكنيسة) التي تُحفظ في البرية، وكيف أن الأرض (رمز لرقاد والدة الإله والقديسين) تساعدها، مظهرة حفظ الله الدائم لشعبه.