السابقتكوين ٧:٤التالي

تكوين ٧

تكوين 7:4

لِأَنِّي بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا أُمْطِرُ عَلَى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَأَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ كُلَّ قَائِمٍ عَمِلْتُهُ».

English (KJV):

For yet seven days, and I will cause it to rain upon the earth forty days and forty nights; and every living substance that I have made will I destroy from off the face of the earth.

ماذا تعني تكوين 7:4؟

المعنى والشرح

في تكوين ٧: ٤، نسمع صوت الله وهو يُعلن لموسى النبي قراره بإنزال الطوفان: "لِأَنِّي بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا أُمْطِرُ عَلَى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَأَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ كُلَّ قَائِمٍ عَمِلْتُهُ". قد يبدو هذا الإعلان قاسياً للوهلة الأولى، لكن في الحقيقة، هو يُظهر عمق محبة الله وصلاحه. فالله، في عدله المقدس، لا يستطيع أن يتسامح مع الشر الذي يشوه خليقته ويؤذي البشر، لكن في رحمته التي لا تُحد، يُعطي سبعة أيام مهلة أخيرة للتوبة. الطوفان ليس انتقاماً، بل هو عمل جراحة ضروري لإزالة الورم الخبيث للخطية، وإفساح المجال لبداية جديدة. الله الذي خلق كل شيء بمحبة، لا يُسرّ بموت الخاطئ، بل برجوعه، ولذلك حتى في قرار الدينونة، نجد صبراً وترقباً لاستجابة البشر.

هذه الآية تُعلّمنا أن الله ليس بعيداً أو غير مبالٍ، بل هو أبٌ حنونٌ يهتم بخلائقه. الأيام السبعة هي علامة على صبر الله ورغبته في أن "يُبطئ عن الغضب ويكثر الرأفة" (يوئيل ٢: ١٣). والأربعون يوماً وليلة هي رمز للتطهير الكامل وإعداد الطريق لتجديد الأرض، كما ستكون الأربعون يوماً رمزاً للتجربة والتطهير في حياة الشعب لاحقاً (خروج موسى على الجبل، تجربة السيد المسيح في البرية). كلمة "أمحو" لا تعني إبادةً انتقامية، بل "مسحاً" للفساد ليظهر الجديد. الله يمسح الصورة المشوّهة ليعيد رسمها من جديد على الفلك، الذي هو رمز للكنيسة المخلّصة. حتى في أشد أحكامه، لا يتخلّى الله عن دوره كخالق محب، بل يعمل دوماً من أجل خلاص الإنسان وتجديد الخليقة. هذا هو إلهنا: عادلٌ في أحكامه، ورحيمٌ في تنفيذها، وصبورٌ إلى أقصى حد، منتظراً توبتنا حتى اللحظة الأخيرة.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
سفر التكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/روحيالنوع الأدبي
موسى النبي (بالوحي)الكاتب التقليدي
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأصلي
عدل الله ورحمته في الدينونة والتجديدالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في ذروة الحوار بين الله ونوح، بعد أن قرر الله أن يمحو الفساد الذي ملأ الأرض (تكوين ٦: ٥-١٣). الله يعدّ نوحاً، الإنسان البار، للخلاص عبر بناء الفلك. الآية ٤ هي التصريح النهائي بموعد تنفيذ الدينونة (بعد سبعة أيام) ومدة الطوفان (أربعون يوماً وليلة). إنها تسبق مباشرة دخول نوح وعائلته والحيوانات إلى الفلك (تكوين ٧: ٧-٩). هذا السياق يُظهر أن الدينونة ليست عشوائية، بل مُعلَنة مسبقاً، وفي الوقت نفسه، يُقدّم طريق النجاة مفتوحاً (دخول الفلك). الله يُحذّر ويخلّص في آنٍ واحد.

سياق السفر

يقع حدث الطوفان في الإصحاحات ٦-٩ من سفر التكوين، وهو نقطة تحوّل رئيسية بعد قصص الخلق والسقوط وقايين. السفر بأكمله يُصوّر مسيرة علاقة الله مع الإنسان: من الشركة في الفردوس، إلى الانفصال بالخطية، ثم محاولات الله المستمرة لاستعادة هذه العلاقة. الطوفان يمثل "بداية جديدة" لخطة الخلاص، حيث يُطهّر الله الأرض لتبدأ مع نوح وعائلته عهداً جديداً (تكوين ٩). الآية ٤ هي لحظة حاسمة في هذه الخطة، تُظهر أن الله يرفض أن يترك الخطية تُفسد خليقته إلى الأبد، وهو مستعدّ لأن يبدأ من جديد مع من يقبل مشيئته.


التفسير الآبائي

التفسيرالأب/المصدر
يركز الذهبي الفم على عدالة الله ورحمته المتزامنتين. ويقول إن الأيام السبعة هي دليل على "طول أناة الله الفائق" وحبه للإنسان، فقد أعطى فرصة أخيرة للتوبة حتى للناس الذين استهزأوا بنوح وهو يبني الفلك. الله لم ينتقم فوراً، بل تحمّل وانتظر.القديس يوحنا ذهبي الفم
يرى القديس باسيليوس أن الطوفان، رغم قسوته الظاهرة، هو عمل محبة أبوية. فكما أن الطبيب يبتر العضو الفاسد لإنقاذ الجسد كله، هكذا الله أزال الشر ليبقي على إمكانية الحياة للبشرية عبر نوح البار. الأربعون يوماً ترمز إلى فترة التطهير الكامل.القديس باسيليوس الكبير
يُعلّم التقليد الآبائي أن الطوفان هو صورة للمعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). فالماء الذي أهلك العالم القديم، هو نفسه (في سرّ المعمودية) يُطهّر المؤمن ويعطيه حياة جديدة. وهكذا، فالآية لا تتحدث فقط عن دينونة، بل عن تجديد وخلاص عبر الماء.التقليد الآبائي عمومًا
يرى العديد من الآباء أن "كل قائم عملته" لا يتعارض مع محبة الله، لأن الله يحترم حرية الإنسان. لقد صار الإنسان، بملء إرادته، "قائماً" في الشر، فحكم على نفسه. إمحاء الله لهذا القائم هو في الواقع تحرير للخليقة من استعباد الفساد.القديس غريغوريوس النيصي

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الدينونة موقوتة بإرادة الله الرحيمة، وليست اندفاعاً غاضباً. الله يُعطي مهلة.H٧٦٥١سبعة (أيام)شِبْعַהשִׁבְעָה
ترمز إلى فترة تجربة، اختبار، وتطهير كامل تُهيئ لبداية جديدة (مثل صوم السيد المسيح).H٧٠٥أربعونأَرْبَعِيمאַרְבָּעִים
لا تعني إبادة انتقامية فقط، بل "مسح" كما يُمسح الورق ليكتب عليه من جديد. تدل على عمل تجديدي.H٤٢٢٩أمحو، أمحو، أمحيمَحَاهמָחָה
تشير إلى كل كائن حي واقف (أي ناشط، مستقِرّ في حالته). تُظهر أن الدينونة تشمل ما تَصلّب في الشر.H٥٣٢٤قائم (من وقف)نِصَابנִצָּב

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
يُعلن الله أنه خالق كل شيء ("كل قائم عملته")، وبالتالي له السيادة المطلقة على خلقه. محبته لا تلغي عدالته، بل تتحقق من خلالها. فهو لا يترك خليقته تُدمّر نفسها.الله ومحبته
الطوفان هو تمهيد وصورة للخلاص النهائي في المسيح. الفلك يرمز إلى الكنيسة (المسيح هو ربانها) التي تخلّص من مياه الدينونة. والأربعون يوماً ترمز إلى زمن التجربة والاختبار الذي يسبق الخلاص الكامل.المسيح والخلاص
الأيام السبعة والأربعون يوماً يلمحان إلى عمل الروح القدس في إعطاء المهلة للتوبة (روح النعمة) وفي عملية التطهير والتجديد (روح الحياة الجديدة).الروح القدس
تُظهر الآية أن الطريق الوحيد للخلاص هو طاعة نداء الله والدخول إلى "الفلك"، أي الانتماء لجماعة الخلاص (الكنيسة). وتدعو الإنسان إلى عدم إهمال مهلة التوبة.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

كيف تُشير هذه الآية إلى المسيح أو تُمهّد للعهد الجديد؟

يرى آباء الكنيسة في حدث الطوفان رمزاً غنياً لسرّ الخلاص في المسيح:

١. الأيام السبعة: ترمز إلى زمن النعمة وكرازة الكنيسة قبل المجيء الثاني، حيث يُعطي الله فرصة للتوبة للجميع.

٢. المطر والأربعون يوماً: الماء، وهو أداة الدينونة، يصبح في العهد الجديد أداة للولادة الجديدة في المعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). والأربعون يوماً تُذكرنا بصوم السيد المسيح الأربعيني في البرية، حيث غلب التجربة وأعدّ نفسه للخدمة، مقدّماً لنا نموذج التطهير بالنعمة.

٣. الفلك: هو رمز واضح للسيد المسيح والكنيسة. فكما أن الخلاص كان فقط داخل الفلك، هكذا الخلاص هو فقط في المسيح وعبر كنيسته (أعمال الرسل ٤: ١٢). نوح البار هو صورة عن المسيح، البار الوحيد الذي بصلاحه يخلّص الآخرين.

٤. "أمحو كل قائم": في المسيح، يتم "محو" صك خطايانا (كولوسي ٢: ١٤) على الصليب، وليس نحن. الدينونة التي استحققناها سقطت على الحمل الذي يرفع خطايا العالم، فنحصل نحن على تجديد وبداية جديدة.

هكذا، النص القديم يضيء بنور المسيح، ويُظهر أن أحكام الله في العهد القديم كانت تحمل في طياتها رحمته الخلاصية المعدّة منذ الأزل.


الاستخدام الليتورجي

تذكر الكنيسة الأرثوذكسية حدث الطوفان في عدة سياقات ليتورجية، تُظهر عمقه الروحي وارتباطه بسرّ الخلاص:

  • أسبوع الصوم الكبير: يُقرأ سفر التكوين، بما فيه قصة الطوفان، في صلوات النصف الأول من الصوم الكبير. هذا يربط مباشرة بين فترة الأربعين يوماً للطوفان والأربعين يوماً التي نصومها نتذكر فيها تجارب السيد المسيح، ونسعى للتطهير والبدء من جديد.
  • قداس عيد الظهور الإلهي (الغطاس): في تسبحة العيد، تُذكر معمودية المسيح في نهر الأردن كتحقيق للنماذج القديمة، ومنها الطوفان الذي "طهّر العالم الفاسد". الماء الذي كان أداة دينونة يصبح أداة نعمة وتجديد.
  • طقس المعمودية: يُغنّي الكاهن والمؤمنون أثناء مسيرة العماذ حول جرن المعمودية تسبحةً تتضمن إشارة إلى نوح والطوفان: "يا أيها الرب المستحق التسبيح... الذي حفظ نوحاً في الطوفان... بارك هذا الماء بمعمودية التغيير". هذا يؤكد أن المعمودية هي طوفان نعمة شخصي يهلك الإنسان العتيق ويُقيم الجديد.
  • الصلوات اليومية: في بعض الصلوات التضرعية، يُذكر الطوفان كدليل على قدرة الله على التدخل لتجديد حياة الإنسان المضطربة، طالبين منه أن يُرسل "طوفان دموع" للتوبة يغسل الخطايا.

هذا الاستخدام الليتورجي الحي يجعل من قصة الطوفان ليس حكاية تاريخية فحسب، بل خبرة روحية يعيشها المؤمن كلما تذكر معموديته، وكلما اقترب من أسرار الكنيسة.


التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
الأيام السبعة تذكرنا أن الله يعطينا "مهلة" يومية للتوبة. يمكننا أن نجعل صلاتنا الصباحية وقفة نجدد فيها توبتنا، ونسأل الله أن يعطينا نعمة اليوم لنعيش فيه ببر.الصلاة والعبادة
مثلما حفظ الله نوحاً وعائلته، نحن مدعوون لنكون "فلك خلاص" للآخرين من خلال صلاتنا وتشجيعنا وعيشنا الإنجيلي، خاصة لأولئك الذين ما زالوا خارج نعمة الله.العلاقات والخدمة
عندما نمر بأزمات تبدو مثل "طوفان" يهدد وجودنا (مرض، خسارة، حزن)، نتذكر أن هذه المياه، بركة الله، قادرة أن تحملنا إذا كنا داخل "فلك" الثقة به. الأربعون يوماً ترمز أن فترة التجربة مؤقتة وتؤدي إلى تجديد.التجارب والصعوبات

الآية تدعونا إلى اختبارين روحيين عميقين:

أولاً: اختبار صبر الله. كم مرة نهمل نداءات الله اليومية، ونعتقد أننا نملك وقتاً طويلاً؟ الأيام السبعة هي صورة عن نعمة "الآن". الله يتكلم إلينا اليوم عبر ضميرنا، عبر كلمته، عبر الظروف، وعبر أب اعترافنا. لنتعلم أن نستجيب فوراً، ولا نؤجل التوبة. كل يوم هو هبة من الله قد تكون الفرصة الأخيرة لنغير اتجاه حياتنا.

ثانياً: اختبار الأمان في الفلك. العالم اليوم مليء بـ"فيضان" من الشهوات، الأفكار الهدامة، والقلق. أين ملاذنا؟ الآية تُرينا أن الخلاص الوحيد هو داخل "الفلك"، الذي هو صورة عن حياة الكنيسة والأسرار والشركة مع المؤمنين. لنحرص أن نكون، نحن وعائلاتنا، داخل هذا الفلك عبر المداومة على الصلاة، الاعتراف، والتناول من الأسرار المقدسة. هناك نكون في أمان حتى لو هاجمت المياه من كل جانب.

تذكر: الطوفان لم يكن النهاية، بل كان البداية. دينونة الله تهدف دائماً إلى خلاصك. ثق أن الماء الذي يهددك اليوم – عبر التجربة – هو نفسه، ببركة الله، يمكن أن يصير وسيلة لتطهيرك وارتفاعك إلى حياة جديدة في المسيح يسوع.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. تأمل في الصبر: هل أشعر في حياتي أن الله صبورٌ معي، يعطيني فرصاً متكررة للتوبة؟ أم أنني أعتبر دينونته وشيكة لا محالة؟ كيف يمكنني أن أردّ على صبره اليوم بخطوة توبة ملموسة؟

٢. تأمل في الأمان: أين أجد "الفلك" في حياتي؟ هل أرى في الكنيسة، والصلاة، والأسرار، ملاذاً حقيقياً من ضغوط العالم وخطيته؟ كيف يمكنني أن أعزّز وجودي داخل هذا الفلك؟

٣. صلاة: "يا رب، كما أعطيت سبعة أيام مهلة للتوبة قبل الطوفان، أعطني نعمة أن أستيقظ كل صباح كأنه اليوم الأول من تلك المهلة. لا تدعني أقسّي قلبي. و كما حفظت نوحاً في الفلك، احفظني أنا وعائلتي في سفينة خلاصك، كنيسة ابنك الحبيب. ليكن طوفان نعمتك يغسل خطاياي، ويجدد فيّ صورة برّك التي شوهتها خطيتي. آمين."


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
يشرح الرسول بطرس أن ماء الطوفان كان صورة للمعمودية التي تخلصنا الآن١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
يُظهر صبر الله وطول أناته، أنه لا يشاء أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة٢ بطرس ٣: ٩
يُقارن أيام نوح بمجيء ابن الإنسان، مؤكدا على المفاجأة وإهمال الناس للتحذيرات رغم وجود نوح الكارزمتى ٢٤: ٣٧-٣٩
يذكر الأربعون يوماً كفترة تجربة وتطهير للسيد المسيح قبل بدء خدمته، مقدّساً بذلك زمن الامتحانمتى ٤: ٢

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٥-٨: يصف سبب قرار الله بإحضار الطوفان – فساد الأرض – ويظهر نعمة الله في إيجاد نوح.
  • تكوين ٧: ١٦: يُظهر عمل الله المباشر في إغلاق باب الفلك، مؤكداً أن الخلاص هو فعل نعمة إلهي.
  • إشعياء ٥٤: ٩: حيث يقسم الله أنه لن يعاقب الأرض بالطوفان مرة أخرى، معلناً عهد رحمة دائم.
  • عبرانيين ١١: ٧: يذكر إيمان نوح كسبب خلاصه وعائلته، مشجعاً إيانا على نفس الإيمان.
  • رؤيا يوحنا ٢١: ١: رؤية "سماء جديدة وأرض جديدة"، وهي الاكتمال النهائي لعملية التجديد التي بدأت مع الطوفان.