السابقتكوين ٦:١١التالي

تكوين ٦

تكوين 6:11

وَفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ أَمَامَ ٱللهِ، وَٱمْتَلَأَتِ ٱلْأَرْضُ ظُلْمًا.

English (KJV):

The earth also was corrupt before God, and the earth was filled with violence.

ماذا تعني تكوين 6:11؟

وَفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ أَمَامَ ٱللهِ، وَٱمْتَلَأَتِ ٱلْأَرْضُ ظُلْمًا.

(تكوين ٦: ١١)


المعنى والشرح

تُصوِّر هذه الآية القلب المُتألِّم لله وهو يرى خليقته الحبيبة، التي صنعها "حَسَنَةً جِدًّا" (تكوين ١: ٣١)، قد انحرفت بعيدًا عن هدفها وامتلأت بالفساد والظلم. ليست مجرد وصف لحالة أخلاقية أو اجتماعية، بل هي كشف عن محبة الله الأبوية التي تحزن على ضياع أولادها. كلمة "أَمَامَ ٱللهِ" تذكرنا أن الله ليس ببعيد أو غير مبالٍ؛ بل هو حاضر، يرى كل شيء، وقلبه يشتاق إلى عودة البشرية إليه. الفساد والظلم هما ثمرة الابتعاد عن ينبوع الحياة والحق، الله نفسه. في هذا المشهد المؤلم، نرى بذرة تدخُّل الله الخلاصي، فمحبته لا تستطيع أن تترك الإنسان في هلاكه، بل تتحرَّك لتدبِّر وسيلة للخلاص والشفاء، والتي ستبدأ مع نوح البار وتستمر عبر التاريخ حتى تصل إلى ذروتها في الصليب الفادي.

تعلِّمنا هذه الآية أن خطية الإنسان لا تغيِّر من محبة الله، بل تُظهر عمق هذه المحبة التي ترفض التخلِّي عن مخلوقاتها حتى في أسوأ حالاتها. الله في محبته القدوسية لا يتسامح مع الشر لأنه يُدمِّر الإنسان الذي يحبه، تمامًا كما لا يتسامح الطبيب الجيد مع المرض الذي يقتل مريضه. هذا المشهد هو دعوة لنا لنرى العالم بعينَي الله، وأن نحزن على ما يحزن عليه، وأن نكون شركاء في عمله الإصلاحي المحب.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (قصص البدايات)النوع الأدبي
موسى النبي (بالتقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأول
محبة الله الغافرة وعدله المخلّصالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في قلب القصة المؤثرة التي تسبق الطوفان. لقد بدأ الفساد ينتشر بعد سقوط آدم وحواء، وتفاقم مع قصة قايين وهابيل، ووصل إلى ذروته في أيام نوح حيث "كَثُرَ شَرُّ ٱلْإِنْسَانِ فِي ٱلْأَرْضِ" (تكوين ٦: ٥). الآيات السابقة (تكوين ٦: ٩-١٠) تُقدِّم نوحًا كإنسان بار وكامل يسير مع الله، مما يُشكِّل تباينًا صارخًا مع حالة الأرض الفاسدة. وهذه الآية (٦: ١١) تُقدِّم الحكم الإلهي على الوضع. والآيات التالية مباشرة (٦: ١٢-١٣) تؤكد هذا الحكم وتعلن قرار الله بأن يبيد كل جسد. ومع ذلك، حتى في قرار الدينونة، نرى بصيص رجاء: "وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ" (تكوين ٦: ٨). هذا يُظهر أن عمل الله الرئيسي هو الخلاص، وليس الدمار؛ فالدينونة تأتي فقط عندما يرفض الإنسان طريق النجاة الذي يقدِّمه الله بمحبته.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، وهو يروي قصة علاقة الله بالإنسان. نرى نمطًا يتكرر: خلق الله عالمًا حسنًا → خطية الإنسان تُفسد العلاقة → حزن الله → تدخُّل الله الخلاصي لاستعادة ما فُقد. هذه الآية هي نقطة تحوُّل مهمة في هذا النمط. إنها تُظهر العواقب المأساوية للخطية على الخليقة كلها، ولكنها أيضًا تُعد المشهد لظهور العهد الأول مع نوح (تكوين ٩)، الذي هو تعبير عن نية الله الأبدية ألا يتخلَّى عن العالم، بل أن يخلُص به ويجدده. وهكذا، حتى في أقسى أحكامه، يبقى الله أمينًا لوعده وخلاصه.


التفسير الآبائي

رأى آباء الكنيسة في هذه الآية ليس فقط حكمًا على الشر، بل تعبيرًا عن حزن الله الأبوي وعن صلاحه الثابت الذي يبحث عن وسيلة للخلاص.

التفسيرالأب/المصدر
الفساد ليس في المادة أو الطبيعة البشرية بذاتها، بل في إرادة الإنسان الحرة التي انحرفت عن الله. الله يحزن على هذا الانحراف كما يحزن الأب على ابنه الضال.القديس يوحنا ذهبي الفم (في عظاته على سفر التكوين)
"امتلأت الأرض ظلمًا" لأن البشر تخلّوا عن العدل الحقيقي، وهو الله نفسه، واتجهوا إلى ظلم بعضهم بعضًا. هذا الظلم هو مرض يحتاج إلى الطبيب السماوي.القديس باسيليوس الكبير
رؤية الله للفساد هي رؤية الطبيب الذي يشخِّص المرض. قراره بالتدخُّل (الطوفان) هو دواء قاسٍ، لكنه ضروري لوقف انتشار الفساد الذي كان سيدمِّر البشرية تمامًا. ومع ذلك، حفظ نوحًا والحيوانات كبذرة لحياة جديدة، مُظهرًا أن هدفه النهائي هو التجديد، وليس الإبادة.التقليد الآبائي عمومًا

دراسة الكلمات

الكلمات الرئيسية في هذه الآية تكشف عن عمق المأساة وعمق محبة الله المتألِّمة.

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الفساد هو انحراف عن الخطة الأصلية الصالحة لله، وهو يؤلم قلب الله الخالق المحب.H٧٨٤٣تَهَرَّأَتْ، أُتْلِفَتْ، أُفْسِدَتْ (جذريًا)شَاخَتשָׁחַת
تؤكد أن الشر ليس بعيدًا عن نظر الله؛ هو حاضر ويعي تمامًا معاناة مخلوقاته. هذا الحضور هو أساس رحمته وتدخُّله.H٥٤٤٠في وجه، في حضور، أماملِفْنِيלִפְנֵי
الظلم هنا ليس مجرد أفعال خاطئة، بل هو انقلاب كامل على النظام والعدل الإلهي. هو الفراغ الذي يحلُّ عندما يغيب الله من القلب.H٢٥٥٥عنف، ظلم، إثم، عدم شرعيةحَامَاسחָמָס

الأهمية اللاهوتية

تعلِّمنا هذه الآية حقائق عميقة عن الله وعلاقتنا به:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله يشعر ويتألم: حزن الله على الفساد يكشف أنه إله علاقة، ليس باردًا أو غير مبالٍ. محبته تفاعلية وتتأثر بحالة مخلوقاته.الله ومحبته
الله عادل وقدوس: لا يمكن لمحبته أن تتغاضى عن الشر لأنه يُدمِّر الإنسان. عدله هو جزء من محبته الحامية.عدل الله وقداسته
الخلاص هو شفاء: تصرُّف الله اللاحق (الطوفان، ثم حفظ نوح) يُظهر أن الخلاص هو عملية شفاء من فساد الخطية، وليس مجرد عقاب.المسيح والخلاص (كتمهيد)
الدعوة إلى البِرّ: وجود نوح البار وسط عالم فاسد يُظهر أن محبة الله تبحث دائمًا عن منفذ للنور والحياة، وتدعو كل إنسان أن يكون هذا المنفذ.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

من منظور أرثوذكسي، كل أحداث العهد القديم تحتوي على رموز (Tupoi) تشير إلى عمل الثالوث الخلاصي في المسيح.

  • الأرض الفاسدة: ترمز إلى القلب البشري والعالم بأسره تحت سلطة الخطية والموت بعد السقوط.
  • نوح البار: هو "نوع" أو رمز للمسيح. كما أن نوحًا وجد نعمة وبنى فلك الخلاص وسط دينونة العالم، هكذا المسيح، البار الوحيد، وجدنا في خطيتنا وبنى بجسده (الكنيسة، الفلك الحقيقي) وسيلة الخلاص النهائية من دينونة الخطية.
  • الطوفان: بينما كان دينونة، فهو أيضًا رمز للمعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). وكما غسلت المياه العالم القديم الفاسد لتبدأ حياة جديدة، هكذا تغسل مياه المعمودية خطايانا فنولد من جديد في المسيح.
  • "أَمَامَ ٱللهِ": تُذكرنا بأن الدينونة الأخيرة ستكون أيضًا أمام الله (رؤيا ٢٠: ١٢). لكن في المسيح، الذي وقف أمام الله نيابة عنا، نحن ننال الرحمة بدل الدينونة.

الاستخدام الليتورجي

لا تُقرأ هذه الآية بشكل متكرر في الخدم الليتورجية الرئيسية مثل القداس الإلهي، ولكن موضوعها حاضر بقوة:

  • أسبوع الصوم الكبير: تقرأ قصة الطوفان في السبت الأول من الصوم الكبير. هنا، يُقدَّم الفلك كرمز للكنيسة، والطوفان كرمز للمعمودية ودخولنا إلى حياة جديدة في المسيح. تُذكرنا هذه القراءة بأن الله يقدِّم لنا دائمًا وسيلة خلاص (الفلك/المسيح) من فساد العالم.
  • عيد تجديد هيكل القيامة (عيد الصليب): يُذكرنا أن فساد الخطية وموتها قد دُحِرا بصلب الرب وقيامته، التي هي تجديد للخليقة كلها.
  • صلاة الغروب والتسبحة: تردد صلوات مثل "يا رب إني قد صرخت إليك فاستمع إليّ..." والتي تعترف بفساد القلب وتتوسل إلى الله طبيب النفوس للشفاء.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية القاسية في ظاهرها إلى علاقة أعمق مع الله المحب؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
التمييز والندامة: دع الآية تُحرِّك فيك حزنًا مقدسًا على الخطية في العالم وفي قلبك. هذا الحزن ليس يأسًا، بل هو الخطوة الأولى للتوبة والرجوع إلى الله الطبيب.الصلاة والانتباه
البِرّ في وسط الفساد: مثل نوح، نحن مدعوون لأن نسير مع الله ونجد النعمة في عينيه، حتى وإن كنا محاطين بالظلم. برُّنا ليس للافتخار، بل ليصير منفذًا لنعمة الله للآخرين.الشهادة المسيحية
الرجاء في تدخُّل الله: عندما تيأس من انتشار الشر حولك، تذكَّر أن الله يرى ("أَمَامَ ٱللهِ") وهو لن يترك العالم للفساد للأبد. صلاتك وإيمانك هما مشاركة في عمله الإصلاحي.الثقة والرجاء

تذكَّر: المشهد الموصوف في هذه الآية هو مشهد "قبل" الصليب. اليوم، بعد قيامة المسيح، نحن نعيش في زمن النعمة والشفاء. الفساد ما زال موجودًا، لكن الهزيمة الحاسمة قد تمت. أنت لست مجرد متفرج على فساد العالم، بل أنت عضو في جسد المسيح، مدعوٌ لحمل نعمة التجديد والتشفّي إلى كل ركن من أركان "أرض" حياتك.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى "فسادًا" أو "ظلمًا" في عالمي الداخلي (أفكاري، رغباتي) أو في محيطي؟ هل أقدم هذه المناطق بحزن ومحبة أمام الله، طالبًا شفاءه؟ ٢. كيف يمكنني، مثل نوح، أن "أجد نعمة في عيني الرب" وأكون علامة رجاء وبِرّ في المكان الذي وضَعني الله فيه؟ ٣. هل أؤمن حقًا أن الله يرى كل الألم والظلم في العالم ("أَمَامَ ٱللهِ")؟ كيف يمكن لهذا الإيمان أن يغيّر صلواتي وموقفي من المآسي من حولي؟


المراجع المتقاطعة

هذه الآيات تُساعدنا على رؤية الصورة الكاملة لمحبة الله التي تتعامل مع فسادنا.

الصلةالمرجع
حزن الله القلبي على شر الإنسان، والذي يظهر أن الدينونة تأتي من محبة حزينة، لا من غضب انتقامي.تكوين ٦: ٦
النعمة هي الجواب: قبل أي دينونة، يجد الله شخصًا (نوح) ليكون وسيلة نعمته وخلاصه. هذه هي النمط الإلهي الثابت.تكوين ٦: ٨
استمرارية المشكلة والوعد: حتى بعد الطوفان، يعترف الله بأن "تخيِّيط قلب الإنسان شرير منذ حداثته"، مؤكدًا أن الحل لن يكون بالإبادة بل بالخلاص العميق.تكوين ٨: ٢١
الخلاص النهائي من الفساد: في المسيح، ننال طبيعة جديدة، مُخلَّصة من فساد العالم.٢ بطرس ١: ٤
الدعوة للبِرّ وسط جيل معوَّج: كما كان نوح، نحن مدعوون لنكون بلا عيب وسط جيل معوَّج.فيلبي ٢: ١٥
الوعد الأخير: الله نفسه سيمسح كل دموعنا، ولن يكون موت ولا حزن ولا ظلم فيما بعد. هذا هو هدف محبته النهائي.رؤيا ٢١: ٤

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٥: "وَرَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّ شَرَّ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي ٱلْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ ٱلْيَوْمِ."
  • تكوين ٦: ٩: "هَذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ. كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ. سَارَ نُوحٌ مَعَ ٱللهِ."
  • مزمور ١٤: ٢-٣: "ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي ٱلْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ ٱللهِ؟ كُلُّهُمْ قَدِ ٱرْتَدُّوا مَعًا وَفَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ."
  • رومية ٨: ٢٠-٢١: "لِأَنَّ ٱلْخَلِيقَةَ قَدْ أُخْضِعَتْ لِلْبُطْلِ... عَلَى رَجَاءٍ أَنَّهَا هِيَ أَيْضًا سَتَعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَةِ مَجْدِ أَوْلَادِ ٱللهِ."
  • ٢ بطرس ٣: ٩: "لَا يَتَبَاطَأُ ٱلرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ ٱلتَّبَاطُأَ، لَكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لَا يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ ٱلْجَمِيعُ إِلَى ٱلتَّوْبَةِ."