السابقتكوين ٦:١٧التالي

تكوين ٦

تكوين 6:17

فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ ٱلْمَاءِ عَلَى ٱلْأَرْضِ لِأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ ٱلسَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي ٱلْأَرْضِ يَمُوتُ.

English (KJV):

And, behold, I, even I, do bring a flood of waters upon the earth, to destroy all flesh, wherein is the breath of life, from under heaven; and every thing that is in the earth shall die.

ماذا تعني تكوين 6:17؟

المعنى والشرح

هذه الآية هي جزء من حديث الله مع نوح، حيث يُعلن عن قراره بإحضار الطوفان على الأرض. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الكلمات قاسية، ولكن في عمقها وفي إطار قصّة الله الكاملة مع الإنسان، تَكشف عن عدل الله المقدّس وحُبّه الغيور لخليقته. الله الذي هو "مُحِبَّة" (١ يوحنا ٤: ٨) لا يُسرّ بموت الخاطئ، بل يتألّم من الفساد الذي حلّ بالعالم الذي خلقه "حَسَنًا كُلَّهُ" (تكوين ١: ٣١). فكرة إهلاك "كُلَّ جَسَدٍ" هي تعبير عن حزن الله العميق من انتشار الشر الذي شوّه صورة الله في الإنسان وسمّم العلاقات بين المخلوقات. هذا القرار ليس انتقامًا، بل هو عمل تطهير رحيم، كعمل الجرّاح الذي يبتر العضو الفاسد لإنقاذ الجسد كله. في وسط هذا الحكم، نرى نور الرجاء يلمع في شخص نوح والفتيلة، إذ يعد الله بالحفاظ على البذرة الطاهرة ليعيد بناء عالم جديد. هكذا، حتى في أقسى أحكامه، لا يترك الله العالم بدون رجاء، بل يُعدّ الخلاص والبدء الجديد.

الآية تُذكّرنا بأن الله ليس غير مبالٍ بشرّنا، بل هو أبٌ غيور يُريد أبناءه أن يعودوا إليه. دينونته هي دائمًا الخطوة الأخيرة بعد أن استنفذ كل سبل الرحمة والأناة الطويلة (١ بطرس ٣: ٢٠). اليوم، تدعونا هذه الآية لننظر إلى صلاح الله وسط عالم مضطرب، ونتذكّر أن فُلك الكنيسة – المسيح نفسه – هو ملجأنا الأمين من كل طوفان. الله يدعونا جميعًا لدخول هذا الفلك، أي للتمسّك بابنه والانضمام إلى جسد الكنيسة، حيث نجد الخلاص والحياة الأبدية.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (تاريخ الخلاص)النوع الأدبي
موسى النبي (تقليدًا)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأصلي
عدل الله، التطهير، وبداية جديدة في العهدالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في قلب الحوار بين الله ونوح قبل الطوفان مباشرة (تكوين ٦: ١٣-٢٢). قبلها، يصف النص حزن الله على شرّ الإنسان المتزايد على الأرض (تكوين ٦: ٥-٦)، ويجد نوح نعمة في عيني الرب (تكوين ٦: ٨). بعدها، يُعطي الله نوحًا تعليمات مفصّلة لبناء الفلك ليخلّصه وعائلته (تكوين ٦: ١٨-٢٢). إذًا، الآية هي نقطة الالتقاء بين حكم الله على الفساد ورحمته المعلَنة في وسيلة الخلاص (الفلك). الله لا يُصدر الحكم إلا وهو يُعدّ وسيلة النجاة.

سياق السفر

يأتي هذا الحدث في القسم الأول من سفر التكوين (الإصحاحات ١-١١)، الذي يصف العلاقة المتكررة بين خليقة الله الصالحة، وسقوط الإنسان في الخطية، ودينونة الله، ثم تدخّله الرحيم لإعادة الخلق أو البدء من جديد. الطوفان هو "دينونة" كبرى تتبع هذا النمط (الخليقة الجديدة بعد آدم → الفساد → الطوفان → الخليقة الجديدة مع نوح). هذا يُظهر نمط عمل الله مع البشرية: خطيتنا تجلب دينونة، ولكن محبّته لا تتوقف أبدًا عن البحث عن طريقة لخلاصنا وبدء علاقة عهد جديدة معنا.

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في الطوفان ليس مجرد حدث تاريخي عقابي، بل سرًّا رمزيًا (نموذجًا) يعكس حقائق روحية عميقة عن خلاص الله وعمل النعمة. لقد رأوا فيه تمهيدًا لسرّ المعمودية وخلاص الكنيسة.

التفسيرالأب/المصدر
الطوفان هو صورة للعماد: كما أن ماء الطوفان غطّى الخطية وأعطى بداية جديدة للعالم، هكذا ماء المعمودية يغسل خطايانا ويُعيد خلقنا كخليقة جديدة في المسيح.القديس بطرس (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١) والقديس كيرلس الأورشليمي
الله لم يُهلك العالم انتقامًا، بل كطبيب يُزيل العضو الفاسد لشفاء الجسد كله. العقاب يأتي من محبّته لخلاص الكل، فهو يريد أن يوقف انتشار الشرّ المدمر.القديس يوحنا ذهبي الفم
الفلك هو صورة للكنيسة: خارج الفلك الموت، وداخله الحياة. المسيح هو ربان هذا الفلك الحقيقي، ومن يريد النجاة يجب أن يدخل إلى جسده الذي هو الكنيسة.القديس أمبروسيوس والقديس أغسطينوس (يُعتبران ضمن التراث الآبائي المشترك)
إهلاك "كل جسد" يُشير إلى إهلاك "الإنسان العتيق" مع شهواته، بينما يُحفظ نوح (الذي اسمه يعني "راحة") كبداية للإنسان الجديد الذي يجد راحته في الله.التقليد الآبائي الرمزي

الخلفية الثقافية

في ثقافات الشرق الأدنى القديم، كانت قصص فيضانات عظيمة تدمر البشرية شائعة (مثل ملحمة جلجامش). لكن قصة الطوفان في الكتاب المقدس تختلف جذريًا في طابعها اللاهوتي والأخلاقي:

  • سبب الطوفان: في الأساطير الأخرى، يكون سبب الطوفان غالبًا نزوة إلهية أو صراع بين الآلهة. أما في التكوين، فالسبب أخلاقي صريح: "رَأَى اللهُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ، إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى الأَرْضِ" (تكوين ٦: ١٢). الطوفان هو ردّ مقدّس على فساد خلقي شامل.
  • طبيعة الله: يُصوَّر إله التكوين كحاكم أخلاقي عادل ورحيم. فهو "يتألّم" (يتألم) من الشر (تكوين ٦: ٦)، ويُعطي تحذيرًا (١٢٠ سنة من أناة الله أثناء بناء الفلك، وفق التقليد)، ويُقدّم وسيلة خلاص واضحة (الفلك). المحبة والعدل متّحدان في عمله.
  • الهدف: الهدف ليس تدميرًا عشوائيًا، بل تطهير الأرض وإعادة خلق علاقة عهد مع البشرية من خلال البقية البارة (نوح وعائلته).

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر شمولية الدينونة الإلهية على كل ما تلوّث بالخطية، ولكن أيضًا شمولية موت المسيح الكفاري من أجل الجميع.H٣٦١٧كل، الكل، الجميع، أيّكُلכֹּל
ليست مجرد مياه، بل أداة الدينونة والتطهير. تربطنا بالمعمودية (١ بطرس ٣: ٢١)، حيث الماء يُهلك حياتنا العتيقة ويُعطي حياة جديدة.H٤٣٢٥ماء، مياه، طوفان، دفقمِيَمמַיִם
تؤكد أن الدينونة تشمل الحياة الطبيعية (الجسد + روح الحياة) التي فسدت. الله يهتم بخلاص الروح، لكنه يحكم أيضًا على الفساد الذي حلّ بالطبيعة بسبب خطية الإنسان (رومية ٨: ٢٠-٢٢).H١٣٢٠+H٥٣١٥جسد + روح حياةبَسار + روح حيّاهבָּשָׂר + רוּחַ חַיִּים
لا تعني الإبادة التامة فحسب، بل الإفساد أو الإتلاف. هي نفس الكلمة المستخدمة لـ "فسدت الأرض" (تكوين ٦: ١١). الله يُتلِف ما أُفسد ليعيد بناءه من جديد.H٦٤٨٥أفسد، أهلك، عطبشَخَثשָׁחַת

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
تكشف أن الله قدوس ولا يتسامح مع الشر، لكن دينونته دائماً مصحوبة بالرحمة ووسيلة للخلاص. وهو حزين على شرّنا (تكوين ٦: ٦)، وهذا الحزن نابع من محبّته.الله ومحبته
يُعدّ الطوفان والفلك نموذجًا (Type) واضحًا لخلاص المسيح. كما نجا نوح بالماء، ننجو نحن بالمعمودية (١ بطرس ٣: ٢١). المسيح هو الفلك الحقيقي الذي من خلاله نُخلّص من دينونة الخطية.المسيح والخلاص
عمل التطهير وإعادة الخلق هو عمل الثالوث. روح الله يرفّ على وجه المياه في الخلق الأول (تكوين ١: ٢) وسيحلّ على المؤمنين ليجدّدهم (تيطس ٣: ٥).الروح القدس
تدعونا لدخول "فلك" الكنيسة، أي الاتحاد بالمسيح، حيث نجد الأمان. وتذكّرنا بأن الخلاص ليس فرديًا، بل في الجماعة (نوح وعائلته).دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

يرى التقليد الآبائي والأرثوذكسي في الطوفان والفلك رمزًا مسبقًا (بروفيجا) قويًا لسرّ المسيح والكنيسة:

  • الماء: يرمز للمعمودية التي بها نموت مع المسيح ونقوم معه (كولوسي ٢: ١٢). فهو أداة دينونة للعالم القديم، وأداة خلاص وتجديد للمؤمن.
  • الفلك: هو صورة للكنيسة، جسد المسيح. المسيح هو الربان الحقيقي لهذا الفلك. خارج الكنيسة (الفلك) توجد الفوضى والموت الروحي، وداخلها النظام والخلاص والحياة. خشب الفلك يُشير إلى خشب الصليب الذي به نُخلّص.
  • نوح البار: هو نموذج عن المسيح، الرجل البار الوحيد الذي بمشيئته الطاعة يخلّص عائلته والبشرية (تمثّل بالحيوانات) من الدمار. طاعته كانت سبب خلاص الآخرين.
  • البداية الجديدة: كما بدأت البشرية من جديد مع نوح بعد الطوفان، تبدأ الخليقة الجديدة مع قيامة المسيح من بين الأموات.

الاستخدام الليتورجي

تُستخدم قراءات من قصة الطوفان، وخاصة في زمن الصوم الكبير، لتذكير المؤمنين بمعموديتهم ودعوتهم للتوبة.

  • تُقرأ فصول من قصة نوح في أحد الأرثوذكس (الأحد الثاني من الصوم) حيث يُحتفل بانتصار الأرثوذكسية على هرطقة تحطيم الأيقونات. الفلك يُصوَّر كـ "أيقونة" خلاص الله، والكنيسة هي أيقونة الفلك.
  • تُستخدم الصور والترانيم التي تذكر الفلك في صلوات سرّ المعمودية، حيث يُبارك الماء ويُذكر عمل الله في الطوفان كرمز للتطهير.
  • تظهر صورة الفلك في الأيقونسطاس وفي أيقونات الكنيسة، كتذكير دائم بأن الكنيسة هي سفينة الخلاص في بحر هذا العالم المضطرب.

التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآية في رحلتنا الروحية اليوم؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تدفعنا للتوبة والنظر إلى خطايانا بجدّية. الله لا يستهين بالشر، ولا ينبغي لنا أن نستهين به. وفي نفس الوقت، تملأنا رجاءً لأن فلك الخلاص – المسيح – موجود ومتاح للجميع.التوبة والرجاء
تُشجّعنا على الثبات مثل نوح، الذي بنى الفلك وسط سخرية العالم. إيماننا قد يبدو أحيانًا غريبًا أو غير منطقي للعالم، ولكن الطاعة والثقة في كلمة الله هي طريق النجاة.الإيمان والطاعة
نرى في نوح شفيعًا لعائلته. صلاتنا وأعمالنا الصالحة يمكن أن تكون "فلكًا" يُقدّم الخلاص والبركة لمن حولنا، وخاصة عائلاتنا.الشهادة والخدمة

الله يدعونا اليوم، كما دعا نوح، لندخل إلى موضع الراحة والأمان. طوفانات الحياة كثيرة: الألم، الشك، اليأس، التجارب. لكن المسيح هو ملجأنا. الكنيسة، من خلال أسرارها وصلواتها، هي الفلك الذي يحملنا عبر هذه المياه. لا تتردد في الدخول إليه، في الالتجاء إلى الصلاة، إلى سرّ الاعتراف، إلى الشركة مع المؤمنين. الله الذي حفظ نوحًا، قادر أن يحفظك ويُجتز بك إلى برّ الأمان والخلاص الأبدي.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى "فسادًا" أو فوضى في حياتي الداخلية (أفكار، عواطف، عادات) تحتاج إلى تطهير من الله؟ هل أنا مستعدّ لأن يدخل الله إلى هذه المناطق بـ "مياه" تأديبه الرحيم؟ ٢. ما هو "الفلك" الذي أدخل إليه للحماية في أوقات الضيق؟ هل ألجأ أولاً إلى المسيح والكنيسة، أم إلى ملاذات العالم الزائلة؟ ٣. كيف يمكنني أن أكون مثل نوح اليوم؟ هل توجد "عائلة" أو أشخاص حولي يحتاجون لأن أدعوهم أو أصلّي من أجلهم ليدخلوا إلى فلك الخلاص؟

  • صلاة: "أيها الرب الإله، الذي ببرّك خلّصت نوحًا وعائلته من مياه الطوفان، خلّصنا نحن أيضًا من طوفان خطايانا. أدخل بنا إلى فلك كنيسة ابنك الحبيب، وامنحنا روح التوبة واليقظة، لنستحق أن نرث ملكوتك المعدّ لمحبّيك منذ تأسيس العالم. آمين."

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تفسير العهد الجديد للطوفان كرمز للمعمودية والخلاص١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
وعد الله بعدم إعادة إهلاك الأرض بالماء، وإقامة عهد مع الخليقة، مُظهرًا رحمته الدائمةتكوين ٩: ١١-١٧
الحديث عن دينونة أخرى آتية، ليس بماء، بل بنار، مع التأكيد على أناة الله ورغبته في أن يتباعد الجميع٢ بطرس ٣: ٦-٩
مقارنة بين دينونة الطوفان وخلاص المؤمنين كـ "نُوحيّين" (أبناء نوح) في المسيحلوقا ١٧: ٢٦-٢٧
فكرة "البقية البارة" التي يحفظها الله وسط الدينونة، كنوحإشعياء ١: ٩؛ رومية ٩: ٢٩

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٥-٨: سبب الطوفان – حزن الله على شرّ الإنسان ووجود نوح البار.
  • تكوين ٧: ١: دعوة الله لنوح لدخول الفلك قبل أن يبدأ الطوفان.
  • متى ٢٤: ٣٧-٣٩: تشبيه السيد المسيح لأيام مجيئه بأيام نوح، داعيًا إلى اليقظة.
  • عبرانيين ١١: ٧: إيمان نوح كسبب خلاص بيته وإدانته للعالم.
  • رؤيا ٢١: ١: الرؤيا النهائية حيث لا يوجد بحر (رمز للفوضى والشر) بعد، بل سماء جديدة وأرض جديدة – تحقيق كامل لرمز الخليقة الجديدة بعد الطوفان.