ماذا تعني تكوين 6:9؟
شرح تكوين ٦: ٩
المعنى والشرح
تُعلن هذه الآية البسيطة العميقة قلب قصة نوح والفيضان: وسط فساد جيل كامل، يظهر الله محبته ورحمته من خلال إنسان واحد يسير معه. "هَذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ" ليست مجرد سجل أنساب، بل هي مقدمة لقصة خلاصية يُظهر فيها الله كيف يحفظ من يبقى أمينًا له. وصف نوح بأنه "رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ" لا يعني أنه كان بلا خطية، بل أنه كان مُستقيم القلب، ساعيًا نحو الله بكليته في وسط بيئة معادية. لكن العبارة الأكثر روعة هي "وَسَارَ نُوحٌ مَعَ ٱللهِ" — فهي تكشف أن البر الحقيقي ليس مجرد سلوكيات صحيحة، بل هو شركة حية ومشي يومية مع الإله الحي.
الله، في محبته التي لا تُحد، لم يتخلَّ عن البشرية رغم شرورها، بل وجد في نوح "مَنْ يُقِيمُ سُورًا وَيَقِفُ فِي الثَّغْرِ" (حزقيال ٢٢: ٣٠). اختيار الله لنوح ووعده له بالحفظ يُظهران أن رحمة الله تسبق دينونته دائمًا. حتى عندما يقرر الله تطهير الأرض من الفساد، فهو يعد وسيلة للخلاص — الفلك — الذي هو رمز للكنيسة وللمسيح نفسه، الملجأ الآمن من دينونة الخطية. هذه الآية، إذن، هي نافذة نرى من خلالها قلب الله الأبوي: فهو يبحث باستمرار عن شركاء يسيرون معه، وعندما يجدهم، يشركهم في خطته الخلاصية لمحبته للعالم أجمع.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تاريخي ورواية خلاصية | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البريّة | الجمهور الأصلي |
| برّ الإنسان وشركته مع الله وسط الدينونة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية بعد وصف مؤلم لفساد البشرية: "وَرَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّ شَرَّ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي ٱلْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ" (تكوين ٦: ٥). أمام هذا المشهد، "حَزِنَ ٱلرَّبُّ... وَتَأَسَّفَ" (تكوين ٦: ٦). لكن قبل أي ذكر للدينونة، يقدم لنا الوحي الإلهي بصيص نور: "وَلَكِنْ نُوحٌ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ" (تكوين ٦: ٨). إذن، الآية التي ندرسها (٦: ٩) تُقدم لنا تفسيرًا لهذه النعمة: لماذا وجد نوح نعمة؟ لأنه كان بارًا كاملاً وسار مع الله. محبة الله تظهر في أنها تبحث عن — وتجد — أساسًا لرحمة تسبق الحكم.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، ولكنه أيضًا سفر وعود الله ومحبته الثابتة رغم سقوط الإنسان. تقع قصة نوح بعد سقوط آدم، وقصة قايين وهابيل، وخطية جيل آنوش الذي ابتدأ فيه "يُدعَى بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ" لكنه انحرف (تكوين ٤: ٢٦). تُظهر قصة نوح نمطًا إلهيًا يتكرر عبر الكتاب المقدس: عندما يصل الفساد ذروته، يتدخل الله لا للقضاء فقط، بل ليبني من جديد من خلال بقية أمينة. هذا النمط يمهد لاختيار إبراهيم، ثم شعب إسرائيل، وأخيرًا الكنيسة. قصة نوح هي صورة مصغرة لخطة الله الخلاصية للبشرية جمعاء.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يركز الذهبي الفم على أن برّ نوح لم يكن كمالاً مطلقًا، بل استقامة قلب وإرادة للسير حسب وصية الله وسط جيل فاسد. ويشدد أن عبارة "في أجياله" تعني وسط أولئك الأشرار، مما يجعل فضيلته أكثر إشراقًا. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| يرى القديس باسيليوس أن "سار نوح مع الله" تعبير عن الحياة النسكية والفضيلة العملية. السير مع الله يعني أن تسلك كما يسلك الله: في محبة، ورحمة، وقداسة. ويشبه الفلك بالكنيسة، التي تنقذ المؤمنين من فيضان الخطية. | القديس باسيليوس الكبير |
| يعلق القديس كيرلس الإسكندري على أن برّ نوح هو ثمرة نعمة الله التي وجدها (تكوين ٦: ٨). إنه مثال على التعاون بين النعمة الإلهية والإرادة البشرية الحرة في عمل الخلاص. | القديس كيرلس الإسكندري |
| يرى التقليد الآبائي عمومًا في نوح "نوعًا" أو رمزًا للمسيح. كما أن نوح البار بنى فلكًا للخلاص، هكذا المسيح، البار الوحيد، بنى كنيسته لفداء المؤمنين من دينونة الخطية. | التقليد الآبائي |
الخلفية الثقافية
فكرة "السير مع الله" كانت مفهومًا ثقافيًا عميقًا في الشرق الأدنى القديم. لم تكن مجازًا مجردًا، بل عبّرت عن علاقة عهد وشركة. في الثقافات التي كانت فيها العلاقة بين السيد والعبد أو الملك والتابع تُوصف بالمشي وراءه، فإن "السير مع الله" يشير إلى علاقة حميمة وصداقة (كما في حالة أخنوخ، تكوين ٥: ٢٤). كذلك، مصطلح "بار" (بالعبرية: צַדִּיק - صاديق) لم يكن يعني فقط الامتثال القانوني، بل الاستقامة في العلاقات — مع الله ومع البشر. وصف نوح بالبار "في أجياله" يشير إلى أن برّه كان واضحًا وقابلًا للمقارنة في السياق التاريخي والثقافي الفاسد الذي عاش فيه.
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن البر هو استقامة علاقة مع الله والآخرين، وليس مجرد طقوس | H٦٦٦٢ | مستقيم، عادل، صحيح في العلاقات | صاديق | צַדִּיק |
| تشير إلى النضج الروحي والسلامة (لا انقسام القلب) والسعي نحو الكمال بمحبة الله | H٨٥٤٩ | كامل، متكامل، سليم | تاميم | תָּמִים |
| تكشف أن العلاقة مع الله هي رحلة حية ومستمرة وشركة يومية | H١٩٨٠ | سار، سلك، عاش حياة | هالخ | הָלַךְ |
| تؤكد أن الله هو الطرف النشط في العلاقة؛ الإنسان يسير مع الله، وليس الله مع الإنسان فقط | H٥٩٧٣ | مع، برفقة، في شركة | عيم | עִם |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| تُظهر أن الله، حتى في لحظات الدينونة، يبقى رحيمًا ويبحث عن أساس ليرحم. محبته تريد أن تخلص لا أن تهلك. | الله ومحبته |
| نوح كرمز (نوع) للمسيح: البار الوحيد الذي يخلص الآخرين. الفلك يُشير إلى الخلاص الذي في المسيح وكنيسته. | المسيح والخلاص |
| "السير مع الله" هو عمل الروح القدس فينا، الذي يقدسنا ويقوينا لنعيش حياة الشركة مع الثالوث. | الروح القدس |
| تدعونا إلى "السير مع الله" — إلى حياة الشركة اليومية والتأله (Theosis)، حيث نتعاون مع نعمته لنصير شركاء الطبيعة الإلهية. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
رأى آباء الكنيسة في نوح تمهيدًا واضحًا للمسيح:
- نوح البار الوحيد في جيله: يُشير إلى المسيح، البار الوحيد الذي لم يعرف خطية (١ بطرس ٣: ١٨).
- فلك النجاة: هو رمٌع واضح للمسيح والكنيسة. كما أن الفلك كان الوسيلة الوحيدة للنجاة من الماء، هكذا المعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١) والكنيسة هي وسيلة الخلاص التي أقامها المسيح.
- العهد مع نوح (تكوين ٩): يمهد للعهد الجديد والدائم الذي أقامه الله بدم المسيح.
- بداية جديدة للبشرية من خلال نوح وعائلته: تُشير إلى الخليقة الجديدة في المسيح (٢ كورنثوس ٥: ١٧).
الاستخدام الليتورجي
تُقرأ قصة نوح والفيضان، بما فيها هذه الآية، في الكنيسة الأرثوذكسية خلال:
- أصوام الآباء القديسين: حيث يُذكر نوح كأحد أبطال الإيمان والطاعة.
- القداس الإلهي في فترات معينة: كتذكير بأن الكنيسة هي "فلك الخلاص" في عالم مضطرب.
- خدمة الغسل (سر المعمودية): حيث يُشار إلى الفلك كرمز للمعمودية التي بها نخلص (١ بطرس ٣: ٢١). تُستخدم الصورة ليتورجياً لتشجيع المعتمدين الجدد على أن يسلكوا حياة البر "في أجيالهم" أي في العالم الحالي.
- يُعتبر نوح أيضًا أحد القديسين البارين الذي تُكرمه الكنيسة في تقويمها.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية؟ | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن البر الحقيقي هو "السير مع الله" في شركة يومية، من خلال الصلاة وقراءة الكلمة والمشاركة في الأسرار، وليس مجرد قائمة قواعد. | الصلاة والعبادة |
| تشجعنا أن نبقى أمناء لله وسط ضغوط الثقافة المحيطة ("في أجياله")، مقدمين رجاءً من خلال حياتنا كما فعل نوح. | العلاقات والخدمة |
| تعطينا يقينًا بأن الله يرى استقامة قلبنا حتى لو كنا الوحيدين، وهو قادر أن يحفظنا في "فلك" عنايته وسط أية عاصفة. | التجارب والصعوبات |
الله يدعوك اليوم، كما دعا نوح، إلى "السير معه". قد تشعر أحيانًا أنك تسير وحيدًا في اتجاه معاكس للعالم. لكن تذكر: الله كان مع نوح في الفلك المغلق كما كان معه في البناء الطويل. شركتك مع الله هي ملجأك وأمنك. ابدأ خطوة صغيرة اليوم: أفرغ قلبك له في صلاة بسيطة، وثق أنه يسير معك في كل تفصيلة من حياتك. محبة الله التي حفظت نوح هي نفسها تحفظك وتريد أن تشركك في إعلان رحمته للآخرين.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. للتأمل: ما الذي يعنيه لك شخصيًا أن "تسير مع الله" في سياق حياتك اليومية الحالية (في عملك، عائلتك، تحدياتك)؟ ٢. للاستجابة: في أي مجال من حياتك تشعر أن الله يدعوك لتكون "بارًا وكاملاً" (مستقيماً) فيه، حتى لو كان مختلفًا عن محيطك؟ ٣. للصلاة: "يا رب، كما وجدت نوح نعمة في عينيك وسار معك، علمني أن أسير معك كل يوم. اجعل قلبي مستقيماً أمامك، واحفظني في فلك محبتك، لأكون أداة رجاء وخلاص لمن حولي. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| توضح أن "السير مع الله" هو اختبار روحي سبق أن عاشه أخنوخ، مما يربط سلسلة الأبرار. | تكوين ٥: ٢٤ |
| تظهر نتيجة السير مع الله: الغرس في محبة الله والثمر للآخرين. | مزمور ١: ١-٣ |
| تعلن المبدأ الذي عاشه نوح: "البار بالإيمان يحيا"، مما يربط برّ العهد القديم بالإيمان بالمسيح. | عبرانيين ١٠: ٣٨ |
| تشرح أن الفلك كان رمزاً للمعمودية التي تخلصنا الآن، موضحة الاستمرارية بين الرمز والحقيقة في المسيح. | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| تذكر نوح كأحد أبطال الإيمان الذين أرضوا الله بطاعتهم، مشجعةً المؤمنين على الثبات. | عبرانيين ١١: ٧ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٦: ٨: "وَلَكِنْ نُوحٌ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ." — أساس علاقته مع الله.
- تكوين ٧: ١: "وَقَالَ ٱلرَّبُّ لِنُوحٍ: «ٱدْخُلْ أَنْتَ وَكُلُّ بَيْتِكَ إِلَى ٱلْفُلْكِ، لِأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هَذَا ٱلْجِيلِ.»" — نتيجة برّه.
- حزقيال ١٤: ١٤: "وَلَوْ كَانَ فِي وَسْطِهِ هَؤُلَاءِ ٱلْثَلَاثَةُ رِجَالٌ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، هَؤُلَاءِ بِبِرِّهِمْ يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ، يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ." — قوة برّ الفرد في نظر الله.
- عبرانيين ١١: ٧: "بِٱلْإِيمَانِ نُوحٌ... بَنَى فُلْكًا لِخَلَاصِ بَيْتِهِ." — برّ نوح عبر عيون العهد الجديد.
- ٢ بطرس ٢: ٥: "وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى ٱلْعَالَمِ ٱلْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا... كَارِزًا لِلْبِرِّ." — دور نوح ككارز للبرّ.