ماذا تعني تكوين 6:20؟
شرح تكوين ٦: ٢٠
"مِنَ ٱلطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ ٱلْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ ٱلْأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لِٱسْتِبْقَائِهَا."
المعنى والشرح
تتحدث هذه الآية عن أمر الله لنوح، قبل الطوفان، بأن يدخل إلى الفلك من كل جنس من الطيور والبهائم ودبابات الأرض "اثنين"، ذكرًا وأنثى، لِٱسْتِبْقَائِهَا (أي للحفاظ على حياتها واستمرار نوعها). هذا الأمر يُظهر، في وسط حدث الدينونة (الطوفان)، محبة الله الخلّاقة وحنانه على كل خليقته. فهو ليس إله دمار، بل إله حفظ ورحمة؛ يريد أن يطهّر الأرض من الفساد، ولكن دون أن يمحو تمامًا ثمرة محبته الخلّقية التي أبدعها في البداية.
الله الذي يحفظ هو نفس الله الذي يدين. الدينونة هنا ليست غاية في ذاتها، بل هي تصحيح لمسار مفسود، وحفظ للبذرة الطيبة (نوح وعائلته والحيوانات) لإعادة بناء عالم جديد. استباقاء الحياة في الفلك هو رمز قوي لرجاء الله الدائم، وخطته للخلاص التي لا تتوقف حتى عندما يبدو كل شيء آيلاً للزوال. الله يعتني حتى بالحيوانات، فكم بالحري بالإنسان، تاج الخليقة، الذي خلقه على صورته!
إن الله في كل عمله يظهر محبة وحكمة، حتى عندما يتعامل مع شر الإنسان. أمره لنوح باستباقاء الحيوانات يذكرنا بأن الله يهتم بكل تفاصيل خلقه، وأن خطته للخلاص تشمل إعادة كل شيء إلى حالته الأصلية من الجمال والانسجام.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (قصص الآباء) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (تقليدياً) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية | الجمهور الأصلي |
| حفظ الحياة ورحمة الله وسط الدينونة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
هذه الآية هي جزء من الأوامر التفصيلية التي أعطاها الله لنوح لبناء الفلك والاستعداد للطوفان (تكوين ٦: ١٤-٢١). تسبقها الآية التي تأمر بأخذ كل طعام يؤكل وتخزينه (آية ٢١)، وتليها الإشارة إلى أن نوحًا فعل كل ما أمره به الله (آية ٢٢). السياق يُظهر الطاعة الكاملة لنوح، والنظام الدقيق الذي وضعه الله للخلاص. وسط وصف هائل للفساد على الأرض (تكوين ٦: ٥، ١١-١٢)، تبرز هذه التعليمات كخيط من النور والرجاء، تظهر أن الله لديه خطة منظمة للغاية للحفظ والتجديد.
سياق السفر
يقع هذا الحدث في القسم الأول من سفر التكوين (الإصحاحات ١-١١)، الذي يروي قصة العلاقة بين الله والبشرية جمعاء، من الخلق إلى إبراهيم. قصة الطوفان هي نقطة تحول: بعد سقوط آدم (الإصحاح ٣) وتزايد الخطية عبر الأجيال (قايين، سلالة قايين، أبناء الله، إلخ)، يقرر الله "محو" الفساد. ولكن، كعادته، يصنع طريقًا للخلاص والعهد. حفظ الحيوانات داخل الفلك هو الخطوة العملية الأولى في هذه الخطة، التي ستتوج بعهد الله مع نوح وكل ذي جسد بعد الطوفان (تكوين ٩: ٨-١٧)، مؤكدةً أن الله لن يدمر الأرض بالمياه مرة أخرى. إنها تذكير بأن دينونة الله دائماً ما تكون مصحوبة برحمته، وهدفها النهائي هو استعادة ما أفسده الخطيئة.
التفسير الآبائي
يرى آباء الكنيسة في أمر الله باستباقاء الحيوانات تجلياً لعدة حقائق روحية عميقة:
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يظهر اهتمام الله وحنانه على كل الخليقة، حتى غير العاقلة. فالله هو محب البشر (فيلالانثروبوس) ومحب الخليقة كلها. | القديس يوحنا ذهبي الفم (في عظاته على سفر التكوين) |
| استباقاء "اثنين من كل" يرمز إلى وحدة الزواج (ذكر وأنثى) التي أرادها الله منذ البداية، وإلى ضرورة التناغم بين مخلوقاته لاستمرار الحياة. | التقليد الآبائي |
| الفلك هنا هو صورة للكنيسة. كما أن الخلاص كان داخل الفلك فقط، هكذا الخلاص الحقيقي هو داخل جسد المسيح، الكنيسة. والحيوانات ترمز لجميع الأمم والشعوب التي تُدعى للدخول إلى ملكوت الله. | القديس كيرلس الإسكندري وآخرون (في التفسير المجازي) |
| الله يدعو نوحًا (البار) للتعاون معه في عمل الحفظ. هذا يُظهر كيف أن الله يشاء أن يشرك الإنسان في رعايته وحكمته للعالم. | التقليد الآبائي عمومًا |
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في معرض حديثه عن عناية الله: "انظروا إلى دقة عنايته! فهو لا يهتم بالإنسان وحده، بل وبالحيوانات غير الناطقة أيضًا... لقد أراد أن تُحفظ جميعها، لئلا تَفنى الخليقة التي صنعها".
الأهمية اللاهوتية
تكشف هذه الآية البسيطة عن أعماق لاهوتية تتعلق بعلاقة الله مع خلقه:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله محب لكل الخليقة: عنايته تشمل الطيور والبهائم والدبابات. رحمته واسعة ولا تستثني أي جزء من عمله. إذا كان الله يهتم بالحيوانات، فكم تكون محبته لنا، الذين خلقنا على صورته؟ | الله ومحبته |
| الله حافظ وراعٍ: الكلمة الرئيسية هي لِٱسْتِبْقَائِهَا. الله ليس مدمرًا في جوهره؛ جوهره هو المحبة والحياة. حتى الدينونة تأتي من محبته لاستئصال ما يفسد الحياة. | الله ومحبته |
| الإنسان شريك في العناية: أوكل الله لنوح، الإنسان البار، مهمة حفظ الحيوانات. هذه صورة لدعوة الإنسان إلى الوكالة (استewardship) على الخليقة، والعناية بها كعطية من الله. | دعوة الإنسان |
| النظام والغاية: أمر الله كان منظماً (كأجناسها، اثنين من كل). هذا يُظهر أن خطة الله للخلاص منظمة وحكيمة، وليست فوضوية. كل شيء عنده بقدر وعدد. | عمل الله الخلاصي |
الرموز والتمهيد
في القراءة المسيحية الأرثوذكسية، كل العهد القديم هو تمهيد ورمز للعهد الجديد. هنا نرى روابط عميقة:
- الفلك كرمز للكنيسة: كما كان الخلاس من المياه المائتة فقط داخل الفلك، هكذا الخلاص من خطايانا وموتنا هو فقط داخل الكنيسة، جسد المسيح. المسيح هو "فلك الخلاص" الحقيقي. دخول الحيوانات يمثل دخول جميع الأمم إلى الإيمان.
- الذكر والأنثى (الزوج): يرمز إلى سر الزواج المقدس (أفسس ٥: ٣١-٣٢)، وإلى العلاقة بين المسيح (العريس) والكنيسة (العروس). استمرار الحياة داخل الفلك يشير إلى الحياة الجديدة والخلود الذي يمنحه المسيح داخل كنيسته.
- "استباقائها" كرمز للقيامة: الحفظ من الهلاك الكلي هو صورة مصغرة لقيامة الأجساد ورجاء الخليقة كلها في التحرر من الفساد (رومية ٨: ٢٠-٢١). الله الذي حفظ بذرة الحياة في الفلك، هو القادر أن يحفظنا للملكوت الأبدي.
التطبيق الروحي
كيف يمكن لهذه الآية أن تُغذي حياتنا الروحية اليوم؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تُعزّي في أوقات الأزمات: عندما تشعر أن العالم من حولك يغرق في الفوضى أو الشر، تذكّر أن الله لديه "فلك" للخلاص. هو يحفظك ويحفظ ما هو ثمين في عينيه. ثق بأن عنايته تشمل كل تفاصيل حياتك. | التجارب والصعوبات |
| تُشجّع على الطاعة والثقة: نوح لم يفهم كل شيء، لكنه أطاع التعليمات التفصيلية. نحن مدعوون لنطيع وصايا الله حتى لو بدت غريبة أو صعبة، واثقين أن خطته لحياتنا هي لحفظنا وإسعادنا. | النمو في الإيمان |
| تُعلّمنا الاهتمام بالخليقة: إذا كان الله يهتم بحفظ الحيوانات، فكم ينبغي لنا أن نعتني بالعالم الطبيعي كوصاة عليه، وليس كمستغلين؟ هذه دعوة إلى عيش بسيط ومسؤول بيئيًا. | العلاقات والخدمة |
| تُحرّك القلب للشكر: خذ لحظة لتتأمل في تنوع وجمال الخليقة من حولك (الطيور، الحيوانات، الحشرات). كلها تحمل شهادة على إبداع وحنان الله. اجعل هذا التأمل يرفع قلبك إلى التسبيح. | الصلاة والعبادة |
تذكّر: أنت أغلى من عصافير كثيرة (متى ١٠: ٣١). إذا كان الله يعدّ لفلك ليحفظ بها الحيوانات، فهو بالتأكيد أعدّ فلك الخلاص العجيب – الكنيسة والسرائر المقدسة – ليحفظك أنت، ويوصلك إلى ملكوته. ثق في عنايته اليوم.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. للتأمل: أين أرى "عناية الله الحافظة" في حياتي اليومية، حتى في الأشياء الصغيرة أو غير المتوقعة؟ كيف يمكن أن أتعرف على يده العاملة أكثر؟ ٢. للاستجابة: هل هناك منطقة في حياتي أشعر أنها "تغرق" أو في فوضى؟ كيف يمكنني أن أسلّم هذه المنطقة لله، وأثق بأنه قادر أن يحفظ ما هو جوهري وحيوي فيها؟ ٣. للصلاة: "يا رب، كما أوصيت نوحًا بحفظ كل جنس من خليقتك، فأظهر حنوك وعنايتك في حياتي. ساعدني أن أكون وكيلاً أمينًا على النعم التي منحتني إياها، وأن أجد خلاصي وملجئي الحقيقي في فلك كنيستك المقدسة، يسوع المسيح ربنا. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تكرار الأمر وتفصيله عند التنفيذ، مما يظهر دقة طاعة نوح. | تكوين ٧: ٢-٣، ٨-٩ |
| الوعد بعدم إهلاك الخليقة ثانية، مما يظهر أن هدف الدينونة ليس الإفناء بل التجديد. | تكوين ٨: ٢١؛ ٩: ٨-١٧ |
| عناية الله بالخليقة في العهد الجديد، حيث يذكر أن الله يطعم الطيور ويزين الزنابق. | متى ٦: ٢٦، ٢٨-٣٠ |
| الخلاص داخل الفلك كرمز للعمادة المسيحية، حيث يخلصنا المسيح بالمياه. | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| رجاء تحرر الخليقة كلها من عبودية الفساد. | رومية ٨: ١٩-٢١ |
| دعوة كل الخليقة لتسبيح الله، مما يؤكد قيمتها في عينيه. | مزمور ١٤٨: ٧-١٠ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٧: ١٥-١٦: دخول الحيوانات إلى الفلك كما أمر الله، وإغلاق الرب للباب عليهم – صورة للحماية الإلهية.
- مزمور ٣٦: ٦: "يا رب، خلاص الإنسان والحيوان تحفظ"، تأكيد مباشر على أن عناية الله تشمل الجميع.
- يونان ٤: ١١: يوبخ الله يونان ويظهر له حنوه على "البقر والغنم" في نينوى، مؤكدًا نفس المبدأ.
- أيوب ٣٨: ٣٩-٤١: يسأل الله أيوب عمن يطعم الوحوش والطيور، مشيرًا إلى أن العناية الإلهية المباشرة هي مصدر حياتها.
- متى ١٠: ٢٩-٣١: "أما بيع عصفورين بفلس؟... فلا تخافوا؛ أنتم أفضل من عصافير كثيرة" – تطمين من المسيح نفسه على العناية الفائقة بنا.