ماذا تعني تكوين 6:19؟
"وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ إِلَى ٱلْفُلْكِ لِٱسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى." - تكوين ٦: ١٩
المعنى والشرح
تظهر هذه الآية محبة الله الخلاصية ورعايته الأمينة حتى في لحظة الدينونة العظيمة. ففي وسط قراره بتطهير الأرض من الفساد، يفتقد الله كل مخلوقاته ويرسم خطة مفصلة للحفظ. الأمر لإدخال "اثنين من كل" إلى الفلك ليس مجرد تعليمات عملية، بل هو إعلان حي عن رحمة الله التي تشمل كل الخليقة. الله لا يريد فناءً كاملاً، بل يريد "استبقاء" الحياة، لأن كل كائن حي هو ثمرة محبته الخالقة. إنه إله يُدبّر خلاصًا حتى للحيوانات، فكم بالأولى للإنسان المدعو للشركة معه!
إن اختيار "ذكر وأنثى" هو تأكيد على بركة الله الخالقة المستمرة. فالله الذي خلق الكل "ذكرًا وأنثى" في البدء (تكوين ١: ٢٧)، هو نفسه الذي يحفظ بذرة الحياة لضمان استمرارها بعد الطوفان. هذا يُظهر أن دينونة الله ليست غاية في ذاتها، بل هي دواء مؤلم لغرض الشفاء والتجديد. الله هنا يعمل كجراح محب يقطع العضو الفاسد لإنقاد الجسد كله، وكأب حكيم يؤدب أبناءه ليُعيدهم إلى الصواب. نوح، بصفته البار الوحيد في جيله، يصبح أداة نعمة الله لحفظ الخليقة، صورة مسبقة عن المسيح، البار الحقيقي الذي يأتي ليخلص العالم كله.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (قصص البطاركة) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية | الجمهور الأصلي |
| محبة الله الحافظة ورحمته الشاملة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في ذروة حوار بين الله ونوح، حيث يعلن الله عن نيته إتلاف كل جسد بسبب امتلاء الأرض ظلمًا (تكوين ٦: ١٣). لكن قبل أن يذكر الدينونة، يعد الله بنجاة نوح وعائلته (الآية ١٨). ثم تأتي الآية ١٩ كتفصيل عملي لهذا الوعد، يظهر عناية الله الدقيقة بكل تفاصيل الخلاص. فالآيات المحيطة (١٧-٢٢) ترسم صورة متكاملة: الدينونة قادمة لا محالة، ولكن النجاة مُعدّة ومضمونة لمن في الفلك. هذا النمط يتكرر في كل الكتاب: الدينونة الحتمية، والرحمة المتاحة لمن يقبل طريق الله.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، وسرد قصة الطوفان (أصحاح ٦-٩) يمثل "بداية جديدة" للبشرية بعد الفشل الذريع الذي أعقب السقوط. هذه الآية تقع في قلب هذا الحدث المحوري. إنها تُظهر أن الله، بعد طرد آدم من الجنة، لم يتخلى عن خطته للخليقة. بل يعيد تشكيل العالم عبر "مياه الطوفان" التي ترمز للمعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). الله هنا يعمل كخالق جديد، لكن هذه المرة عبر فناء القديم وحفظ بذرة الحياة للتجديد. هذا يؤسس لموضوع العهد الذي سيُعلن صراحة بعد الطوفان (تكوين ٩: ٩-١٧)، حيث يعد الله ألا يعود يلعن الأرض بسبب الإنسان.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يُظهر أمر الله بإدخال الحيوانات أن رحمته تشمل كل الخليقة. فالله لا يبيد ما خلقه بمحبته، بل يحفظ "نموذجًا" من كل نوع ليكون بذرة لحياة جديدة. الدينونة هي تصحيح، لا إبادة كاملة. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "اثنين من كل" ترمز إلى الشهادة والحفظ. فبحسب الشريعة، تقوم كل شهادة على اثنين. الله هنا يشهد على صلاح خليقته الأصلية، ويحفظ شهادة لتنوعها وجمالها الأول. | القديس كيرلس الإسكندري |
| الفلك هو صورة للكنيسة، والحيوانات التي تدخله مع نوح ترمز إلى كل الأمم والأقوام الذين سيأتون إلى كنيسة المسيح للخلاص. الذكر والأنثى يرمزان إلى اكتمال الخلاص الذي يشمل كل البشر بلا تمييز. | التقليد الآبائي العام |
| اختيار نوح ليكون أداة الحفظ يظهر أن بر الإنسان يمكن أن يصير بركة للخليقة كلها. هذا يُمهد لفكرة الشفاعة والوساطة التي سيتممها المسيح بالكمال. | القديس إفرام السرياني |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| تُظهر الآية أن الله محبة شاملة ترعى كل الخليقة، وليس البشر فقط. دينونته على الخطية لا تلغي عنايته بكل ما صنع. | الله ومحبته |
| الفلك يرمز إلى المسيح والكنيسة، حيث النجاة ممكنة فقط بالدخول فيه. نوح، البار، هو صورة عن المسيح البار الذي يُدخلنا إلى خلاصه. | المسيح والخلاص |
| عمل الحفظ هذا هو عمل الروح القدس الحافظ للحياة والمُجدد لها. المياه التي تُهلك هي نفسها التي تحمل الفلك، كصورة للمعمودية التي تميت الإنسان العتيق وتُقيمه جديدًا. | الروح القدس |
| نداء الله لنوح "تُدخل... لاستبقائها معك" هو دعوة للشركة في عمل الرحمة. الله يشرك الإنسان في عنايته بالخليقة، كراعٍ وصيّ. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
رأى آباء الكنيسة في هذه الآية تمهيدًا عميقًا لسر المسيح والكنيسة:
- الفلك هو رمز واضح للكنيسة، السفينة الواحدة التي فيها النجاة من غضب الخطية والموت. كما دخلت الحيوانات إلى الفلك لتحيا، هكذا ندخل نحن بالمعمودية إلى كنيسة المسيح لننال الحياة الأبدية.
- نوح البار الذي يبني الفلك بحسب أمر الله، هو صورة عن المسيح، البار الحقيقي الذي يبني كنيسته على الإيمان به. خلاصنا ليس بمجهودنا، بل بدخولنا إلى "الفلك" الذي أعدّه الله.
- "اثنين من كل" يرمز إلى دعوة كل الأمم إلى الخلاص. فكما جمع الفلك كل أنواع الحيوانات، تجمع الكنيسة كل الشعوب والقبائل (رؤيا ٧: ٩).
- المياه التي أحاطت الفلك وأبادت العالم القديم هي صورة للمعمودية، التي كما يقول الرسول بطرس: "الذي مثاله يخلّصنا نحن الآن، أي المعمودية" (١ بطرس ٣: ٢١). الموت والحياة متلازمان في عمل الله الخلاصي.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن الله يقدّر كل الحياة ويرعاها. هذه الدعوة تحثنا على أن نكون حُماة للخليقة، نتعامل مع الحيوان والطبيعة برفق وامتنان، كنُظّام أمينين على عطية الله. | علاقتنا مع الخليقة |
| تعزينا أن دينونة الله دائماً ما يصحبها طريق نجاة. في كل تجربة أو ضيقة، يعد الله "فلكًا" أو مخرجًا (١ كورنثوس ١٠: ١٣). ثقتنا ليست في غياب العاصفة، بل في وجود السفينة الإلهية. | الرجاء في التجارب |
| تحدونا أن نكون مثل نوح، أدوات رحمة في عالم محتاج. قد نكون نحن "الفلك" الصغير الذي يقدم ملجأ وخلاصًا لشخص واحد عبر كلمة رجاء أو فعل محبة. | الخدمة والشهادة |
تأمل: محبة الله في هذه الآية محبة عملية وتدبيرية. فهو لا يكتفي بالوعد العام بالنجاة، بل يرسم الخطة بدقة: كم حيوان، من أي نوع، وكيف سيدخلون. هكذا محبة الله لنا: شخصية، مفصّلة، تعرف كل احتياجاتنا وتُدبّر خلاصنا بكل عناية. إذا كان الله قد اهتم بحفظ الحيوانات، فكم بالحري يهتم بحفظك أنت، أيها الإنسان، كريم الخليقة؟ ثق أنه في وسط "طوفانات" حياتك، سواءً كانت مرضًا أو حزنًا أو خطية، فإن الله قد أعد لك "فلك خلاص" — وهو شركة الكنيسة وسرائرها ووعوده — ادخله وستنجو.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أين أرى "الفلك" الذي أعده الله لي في حياتي اليوم (قد يكون صلاة، صديقًا مؤمنًا، كلمة وعظ، سر الاعتراف)؟ هل أدخله بثقة كما دخلت الحيوانات؟ ٢. كيف يمكنني أن أكون أداة رحمة و"استبقاء" لمن حولي، لأقدم لهم ملجأ وعلامة رجاء في محبة الله؟ ٣. هل أؤمن حقًا أن دينونة الله على الشر في العالم وفي قلبي هي فعل محبة وتصحيح، وليست رغبة في الإهلاك؟ كيف يغير هذا إيماني؟
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تكمل الصورة: تُظهر برّ نوح كسبب لنيله ورأيته نعمة في عيني الله، وهو الأساس الذي بنى عليه الله خطة الخلاص. | تكوين ٦: ٨-٩ |
| تكشف العمق الروحي: يشرح الرسول بطرس أن مياه الطوفان كانت صورة للمعمودية التي تخلّصنا الآن، مؤكدًا الرمزية الخلاصية للقصة كلها. | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| تُظهر استمرارية العناية: بعد الطوفان، يؤكد الله عهده ليس فقط مع نوح، بل مع كل حيوان كان معه في الفلك، مؤكدًا شمولية رحمته. | تكوين ٩: ٩-١٠ |
| تربط بالخلاص النهائي: في الرؤيا، نرى خليقة جديدة حيث يعيش الذئب مع الخروف، صورة لسلام الله الشامل الذي بدأ بحفظه للحيوانات في الفلك. | إشعياء ١١: ٦-٩ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٧: ٢-٣: تكملة للأمر، حيث يفرق الله بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة، مُظهرًا تدبيره الدقيق وتمهيدًا للشريعة.
- عبرانيين ١١: ٧: يذكر نوح كمثال للإيمان، الذي به حذر من الأمور غير المنظورة وخلص بيته.
- متى ٢٤: ٣٧-٣٩: يشبه المسيح أيام مجيئه بأيام نوح، مؤكدًا فجائية الدينونة وأهمية الاستعداد.
- يوحنا ١٠: ١٦: "ويكون رعية واحدة وراعٍ واحد"، تذكرنا أن المسيح يأتي بكل الخليقة إلى وحدة وخلاص.
- رومية ٨: ٢٠-٢١: تتكلم عن أن الخليقة نفسها ستتحرر من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله.