السابقتكوين ٦:٧التالي

تكوين ٦

تكوين 6:7

فَقَالَ ٱلرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ ٱلْإِنْسَانَ ٱلَّذِي خَلَقْتُهُ، ٱلْإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ، لِأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ».

English (KJV):

And the LORD said, I will destroy man whom I have created from the face of the earth; both man, and beast, and the creeping thing, and the fowls of the air; for it repenteth me that I have made them.

ماذا تعني تكوين 6:7؟

المعنى والشرح

"فَقَالَ ٱلرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ ٱلْإِنْسَانَ ٱلَّذِي خَلَقْتُهُ، ٱلْإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ، لِأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ»." (تكوين ٦: ٧). تُعلن هذه الآية قرار الله المؤلم بإزالة الفساد الذي غزا الخليقة. على الرغم من قسوة الكلمات الظاهرية، إلا أنها تُظهر عمق محبة الله ورحمته، إذ لا يقف مكتوف الأيدي أمام شر الإنسان المدمر لذاته وللخليقة. الله "يحزن" على حالة مخلوقاته، وهذا الحزن ذاته هو برهان على محبته العميقة؛ فمن لا يُحب لا يحزن. قرار المحو هنا ليس انتقامًا، بل هو عمل جراحي من طبيب محب لإزالة ورم فساد انتشر في الجسد كله، من أجل حماية بذرة الخير المتبقية (نوح وعائلته) وإتاحة بداية جديدة. هكذا، حتى في مشهد الدينونة، لا يتوقف الله عن كونه المحب الذي يبحث عن خلاص الإنسان.

الله الخالق الذي صنع الإنسان على صورته يحزن عندما ترتد هذه الصورة إلى الفساد. لكن حزنه ليس عجزًا، بل هو مقدمة لعمل خلاصي عظيم. إنه لا يمحو الإنسان لأن كرهه، بل لأن محبته لا تستطيع أن تتنازل عن دعوته الأصلية له. الطوفان، كما يراه التقليد الأرثوذكسي، هو صورة مسبقة للعماد، حيث تُغسل الأرض بالماء لتنقيتها وتُولد من جديد، تمامًا كما تغسل مياه المعمودية خطايانا وتُعيدنا إلى شركة مع الله. لذلك، في قلب هذا الحكم، نرى بذرة الرجاء: نوح والمخلَصين في الفلك، الذين يمثلون كنيسة الله، والذين سيكونون بداية خليقة جديدة. الله أمين لعهده مع خليقته، حتى عندما تخلت الخليقة عنه.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (تاريخ الخلاص)النوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأصلي
قداسة الله، رحمة الله، ودعوة الإنسان للتوبةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في ذروة قصة الفساد المتزايد على الأرض بعد السقوط. الآيات السابقة (تكوين ٦: ١-٦) تصف كيف امتزج بنو الله (الملائكة الساقطين بحسب التقليد الآبائي) بنات البشر، وكيف فسدت الأرض بالعنف والشر. يقول النص: "وَرَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّ شَرَّ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي ٱلْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ" (تكوين ٦: ٥). رد فعل الله هو "حزن" في قلبه (آية ٦). قرار المحو في الآية ٧ هو نتيجة هذا الحزن. ولكن، مباشرة بعد هذا القرار، نقرأ: "وَلَكِنْ نُوحًا وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ" (تكوين ٦: ٨). هكذا، فإن حكم الله لا يأتي أبدًا بدون فتحة للرحمة والخلاص. هذا النمط يتكرر في كل الكتاب: الدينونة تأتي بسبب الشر، ولكن الله دائمًا يعد طريقًا للنجاة لمن يثقون به.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخليقة، بداية الخطية، وبداية وعود الله بالخلاص. تقع هذه الآية في القسم الذي يصف الانتشار السريع للخطية من آدم إلى قايين، ثم إلى أجيال لامك، وصولًا إلى الفساد العالمي في أيام نوح. هذا يُظهر الجدية المطلقة للخطية وعواقبها المدمرة على العلاقة مع الله وعلى الخليقة كلها. لكن السفر أيضًا يُظهر باستمرار نعمة الله التي تتدخل: فبعد الطوفان، يقطع الله عهدًا مع نوح (تكوين ٩) ويعد بعدم إهلاك الأرض بالماء مرة أخرى، معلنًا رحمته الأبدية. هكذا، الآية ليست نهاية القصة، بل منعطف نحو خلاص جديد، وتُعدّنا لفهم أن خطة الله النهائية هي الفداء في المسيح، الذي يغلب الخطية والموت.

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية تعليمًا عميقًا عن قداسة الله، وعدالة محبته، ورحمته التي تسبق الدينونة.

التفسيرالأب/المصدر
يؤكد أن حزن الله هو تعبير عن محبته ورحمته. الله كأب يحزن على ضلال أولاده. الدينونة ليست انتقامًا بل نتيجة طبيعية للابتعاد عن مصدر الحياة.القديس يوحنا ذهبي الفم
يرى في الطوفان صورة مسبقة للمعمودية. كما أن مياه الطوفان غسلت فساد العالم القديم، هكذا تغسل مياه المعمودية خطايانا وتُحيينا مع المسيح إلى حياة جديدة.القديس بطرس الرسول (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١) والتقليد الآبائي
يُعلّم أن الله لم "يَندم" أو "يحزن" كما يفعل البشر، بل هذا تعبير مجازي (أنثروپومورفيزم) ليفهمنا أن خطايانا تسبب ألمًا في محبته. إرادة الله ثابتة، لكن استجابته للشر تتغير حسب حالنا.القديس يوحنا الدمشقي
يربط بين "الحزن" الإلهي وطول أناة الله. الله لم يُهلك البشر فور سقوطهم، بل أنظرهم ١٢٠ سنة (تكوين ٦: ٣) داعيًا إياهم للتوبة. المحو جاء بعد استنفاد كل سبل الرحمة.التقليد الآبائي عمومًا

الخلفية الثقافية

يفهم القارئ القديم مفهوم "المحو" أو الإبادة الجماعية في سياق عدالة الله الملكية. في الشرق الأدنى القديم، كان الملك الذي يرى تمردًا في مملكته له الحق في قمع التمرد لحماية النظام والسلامة العامة. الله، كملك الكون، يتصرف بطريقة مماثلة ولكن بدافع محبة ورحمة أسمى. كما أن فكرة أن خطية الإنسان تؤثر على الخليقة كلها (البَهائم والدَبَّابات والطيور) كانت مفهومة: فالإنسان، كتاج الخليقة وكاهن الطبيعة، عندما يسقط، تجرّ معه العالم المادي إلى الفساد والعبثية (رومية ٨: ٢٠-٢٢).

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر الله ليس بعيدًا، بل متألمًا ومشاركًا في آلام خليقتهH٥٦٦٨تألم، ندم، حزن، تعزىحزنאָבַל (آبال) في الفعل المسبب (هִיבִיל)
تكشف عن شمولية تأثير الخطية وشمولية رحمة الله التي تريد تطهير كل شيءH٨٠٤٧أرض، تراب، أرض معينةالأرضאֶרֶץ (إيرتس)
تؤكد أن القضاء هو على ما صنعته يدا الله نفسه، مما يجعل الحزن أعمقH٦٢١٣عمل، صنع، خلقعملهمעָשָׂה (عاساه)

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله ليس غير مبالٍ. خطايانا تحزن قلبه، لأن محبته تريد لنا الحياة والشركة الكاملة معه.الله ومحبته
تُظهر الدينونة كعمل ضروري لفصل الخير عن الشر وحماية بذرة الخلاص (نوح كرمز للمسيح والكنيسة).المسيح والخلاص
تُشير إلى أن الخلاص يشمل ليس الإنسان فقط، بل كل الخليقة، التي ستُعتق من عبودية الفساد (رومية ٨: ٢١).الخليقة والعهد الجديد
تدعونا إلى الجدية في محاربة الخطية داخلنا، لأنها لا تؤذينا فقط بل تحزن الله وتؤذي الخليقة.دعوة الإنسان إلى القداسة

الرموز والتمهيد

يرى الآباء في هذه الآية ورموزها تمهيدًا لعمل المسيح الخلاصي:

  • الطوفان والماء: يمثل المعمودية. فكما أنقذ الماء نوحًا في الفلك، ينقذ ماء المعمودية المؤمنين في كنيسة المسيح (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
  • نوح والبحر: نوح، البار الوحيد، هو نوع (رمز) للمسيح، البار الوحيد الذي يخلص البشرية. الفلك هو رمز للكنيسة، الملجأ الوحيد من دينونة الخطية.
  • الحزن الإلهي: يُشير إلى آلام المسيح على الصليب، حيث حمل حزن الله على خطايا العالم وكفّره بمحبته.

الاستخدام الليتورجي

تُذكر قصة الطوفان ونوح في عدة سياقات ليتورجية أرثوذكسية:

  • أسبوع الصليب (الأسبوع الثالث من الصوم الكبير): حيث تُقرأ نبوءات عن الدينونة والتوبة، والطوفان يُذكر كمثال لدينونة الله وتوبيخه.
  • قداس سبت النفوس: تُذكر قصة الطوفان كتذكير بمصير الأموات ودعوة للصلاة من أجلهم، وفي نفس الوقت كتذكير بخلاص الله للمؤمنين مثل نوح.
  • طقس المعمودية: يُعاد سرد قصة الطوفان كرمز لموت الإنسان العتيق وولادته من جديد في المسيح.
  • تسبحة نصف الليل: في بعض الأيام، تُذكر عظائم الله بما فيها الطوفان، كتذكير بقدرته ورحمته.

التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآية على النمو في علاقتنا مع الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن خطايانا لا تبقى سرًا، بل تحزن قلب الله المحب. هذا الدافع يجب أن يكون أقوى من الخوف من العقاب ليدفعنا للتوبة.التوبة والاعتراف
تشجعنا أن نكون مثل "نوح" في جيلنا، أن نجد نعمة في عيني الرب بالحياة البارة والصلاة، حتى وسط فساد العالم.الشهادة والقداسة
تُعلّمنا الثقة في عدالة الله ورحمته حتى عندما نرى شرًا ينتشر. الله لا يتخلى عن سيادته، وسيخلص الذين له.الثقة بالله في الأزمات

الله الذي حزن على فساد العالم، هو نفسه الذي "بِحُزْنِكُمْ تَتُوبُونَ" (٢ كورنثوس ٧: ٩). دع حزنك على خطاياك يكون مرآة لحزن الله المحب، وليدفعك بثقة إلى أحضان الآب المعترف، حيث تجد المغفرة والفرح الحقيقي. تذكّر أن قرار المحو في الماضي أفسح المجال لعهد جديد من الرجاء. هكذا، موت الإنسان العتيق في المعمودية يفتح باب القيامة والحياة الأبدية.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. عندما تقرأ أن الله "حزن"، كيف يُغير هذا فهمك لموقفه من أخطائك وضعفاتك؟ ٢. هل هناك مناطق في حياتك ("أرض" قلبك) تحتاج إلى تطهير من الله بماء نعمته، بدلًا من أن تتركها للفساد؟ ٣. كيف يمكنك أن تكون "نعمة في عيني الرب" في محيطك اليوم، كحامل لرجاء الخلاص وسط عالم مضطرب؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تُظهر استمرارية نمط رحمة الله وسط الدينونة، حيث يجد نوح نعمة.تكوين ٦: ٨
تُعلن وعد الله بعدم إهلاك الأرض بالماء مرة أخرى، مُظهرًا أن رحمته تتغلب على دينونته.تكوين ٩: ١١
تربط الطوفان بشكل صريح بالمعمودية، مُظهرة البعد الخلاصي للدينونة.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
تصف تأثير خطية الإنسان على الخليقة كلها، مما يشرح لماذا شمل حكم الله البهائم والطيور.رومية ٨: ٢٠-٢٢
تقدم صورة عن حزن المسيح على أورشليم، والتي ترفض خلاصه، مُشابهة لحزن الله في أيام نوح.لوقا ١٩: ٤١-٤٤

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٥-٦: تصف انتشار الشر وحزن الله قبل قرار المحو.
  • تكوين ٦: ٨: نعمة الله تظهر في خطة الخلاص عبر نوح.
  • إشعياء ٥٤: ٩: يذكر الله الطوفان كعهد قديم ويعد بعدم الغضب مجددًا.
  • متى ٢٤: ٣٧-٣٩: يحذر المسيح بأن مجيئه سيكون كأيام نوح، داعيًا إلى اليقظة.
  • ٢ بطرس ٢: ٥: يصف نوح كـ "كارز للبر" في زمانه، مما يُظهر أن الدينونة لم تأتِ بدون تحذير.