السابقتكوين ٦:٢١التالي

تكوين ٦

تكوين 6:21

وَأَنْتَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ وَٱجْمَعْهُ عِنْدَكَ، فَيَكُونَ لَكَ وَلَهَا طَعَامًا».

English (KJV):

And take thou unto thee of all food that is eaten, and thou shalt gather it to thee; and it shall be for food for thee, and for them.

ماذا تعني تكوين 6:21؟

المعنى والشرح

تخبرنا هذه الآية الجميلة كيف أن الله، حتى وهو يُعلن عن الدينونة العادلة بالطوفان، يُظهر في نفس الوقت رحمته الفائقة وعنايته الأبوية. فهو يأمر نوحًا أن يأخذ كل طعام يؤكل ويجمعه عنده، ليس لنفسه فقط، بل "لَكَ وَلَهَا طَعَامًا" — أي لنفسه وللعائلة ولجميع الكائنات الحية التي ستأوي معه إلى الفلك. هذا الأمر يُظهر لنا أن الله في محبته لا يُعلن عن الدينونة إلا وهو يُهيئ في نفس الوقت وسيلة الخلاص والرعاية. إنه الإله الذي يُفكر في أدق تفاصيل احتياجات خليقته، ويضمن استمرار الحياة حتى في خضم الدينونة. إنها صورة مؤثرة عن إله العدل الذي لا يفصل عدله عن رحمته، وعن الأب الذي يُهيئ لآبائه كل ما يحتاجونه قبل أن يمرّوا بالتجربة.

في قلب هذا الأمر نرى محبة الله العملية. فهو لا يكتفي بإنقاذ نوح وعائلته من الموت جسدياً، بل يهتم أيضاً بطعامهم وبقاءهم على قيد الحياة طيلة مدة الطوفان. هذه العناية بالتفاصيل تُظهر أن خلاص الله ليس مجرد إنقاذ من خطر، بل هو رعاية كاملة وشاملة لكل جوانب حياتنا. كما تُظهر هذه الآية ثقة الله في طاعَة خادمه نوح؛ فالله يعطي الوصية ونوح يطيع بتفاصيلها، وهذه الشركة في العمل بين الإرادة الإلهية والجهد البشري هي سرّ الخلاص. إن الله الذي أمر نوحاً بجمع الطعام هو نفسه الذي يطعمنا اليوم، ويهتم بحاجاتنا الجسدية والروحية، مؤكداً لنا أن عنايته لا تنقطع أبداً.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/شريعةالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريةالجمهور الأصلي
عناية الله وتدبيره للخلاصالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في ذروة الحوار بين الله ونوح، حيث يُعلن الله عن نيته إهلاك كل جسد بسبب فساد الأرض (تكوين ٦: ١٣). ولكن في وسط هذا الإعلان الخطير، يأمر الله نوحًا ببناء الفلك لإنقاذ البقية (الآيات ١٤-١٦). الآية قيد الدراسة (٢١) هي جزء من التعليمات التفصيلية التي تلي وصف بناء الفلك. فهي لا تأتي منفصلة، بل كجزء لا يتجزأ من خطة الخلاص. الله لا يكتفي بإعطاء تعليمات الإنقاذ (بناء الفلك)، بل يضيف تعليمات الاستمرارية (توفير الطعام). وهذا يُظهر أن خطة الله للخلاص متكاملة: إنقاذ، ثم رعاية، ثم بداية جديدة.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، وهو يُظهر كيف أن الله، منذ السقوط، يبدأ فوراً في وضع خطة للفداء. قصة الطوفان هي نقطة تحول كبرى تُظهر دينونة الله على الشر، ولكن في نفس الوقت تُبرز رحمته من خلال نوح "البار الكامل" (تكوين ٦: ٩). هذه الآية تقع في قلب هذه القصة، مؤكدة أن رحمة الله وغضبه لا يتناقضان، بل يلتقيان في عدله القدوس الذي يُنقذ الأبرار ويهتم بهم. إنها تُشكل نموذجاً لكيفية عمل الله في التاريخ: الدينونة على الأشرار، والخلاص والرعاية للأمناء.


التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية أكثر من مجرد أمر عملي لجمع المؤن؛ إنهم يرون فيها رمزاً عميقاً لعناية الله وتدبيره للخلاص، واستعداد الإنسان للطاعة.

التفسيرالأب/المصدر
إن جمع الطعام هو صورة عن استعداد الكنيسة وجمعها التعاليم السماوية (الطعام الروحي) لتغذية المؤمنين خلال زمن تجارب هذا العالم. الفلك هو رمز الكنيسة، والطعام هو كلمة الله وسر الأفخارستيا التي تُغذينا في رحلة خلاصنا.التقليد الآبائي العام
يُشير القديس يوحنا ذهبي الفم إلى أن الله في رحمته كان يهتم بأدق التفاصيل. فلم يقل له "ستنجو"، بل أعطاه تعليمات عملية لضمان بقائه، مُظهراً أن الله يشاركنا همومنا الدنيوية والروحية.تلميحات من عظات على سفر التكوين
يرى بعض الآباء أن "كل طعام يؤكل" يُشير إلى تنوع النعم والمواهب الروحية في الكنيسة، والتي يجب على الرعاة (مثل نوح) أن يجمعوها ويوزعوها على الشعب حسب احتياج كل واحد.التقليد التفسيري الأرثوذكسي

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية البسيطة جوانب عميقة من شخصية الله وعمله الخلاصي:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله محب عملي: يهتم الله بأدق احتياجات مخلوقاته المادية (الطعام) والروحية. عنايته شاملة ولا تغفل شيئاً. هذه العناية تُظهر أن خلاصه ليس مجردياً، بل يتدخل في واقع حياتنا اليومي.الله ومحبته
الخلاص مُعد مسبقاً: قبل أن يبدأ الطوفان (رمز الدينونة)، هيأ الله كل وسائل النجاة والاستمرارية. هذا يُشير إلى كيف أن فداء المسيح مُعد منذ تأسيس العالم (رؤيا ١٣: ٨)، وأن الله أعد لنا كل ما نحتاجه للحياة والتقوى (٢ بطرس ١: ٣).المسيح والخلاص
الطاعة التعاونية: الخلاص هو هبة من الله، ولكنه يتطلب استجابة الإنسان بالطاعة والعمل ("خُذْ... ٱجْمَعْ"). هذه الشراكة بين النعمة الإلهية والإرادة الحرة هي أساس العلاقة بين الله والإنسان في المنظور الأرثوذكسي.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

ترى القراءة الأرثوذكسية للعهد القديم أن أحداثه ورموزه تُشير إلى المسيح وكنيسته. في هذه الآية نرى تمهيداً جميلاً:

  • الفلك: هو رمز تقليدي للكنيسة. فكما أن نوحاً وأسرته والحيوانات نجوا من الموت داخل الفلك بالماء، هكذا نُخلَص نحن من الموت الأبدي داخل الكنيسة، بواسطة ماء المعمودية (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
  • الطعام المجموع: يُشير إلى الإمداد الإلهي داخل الكنيسة. هذا يشمل:
    • كلمة الله: الغذاء الروحي الذي نجمعه في قلوبنا (متى ١٣: ٥٢).
    • سر الأفخارستيا: "الطعام الحقيقي" (يوحنا ٦: ٥٥) الذي يُقوينا في رحلة الحياة نحو الملكوت.
    • التعاليم والتقليد الرسولي: الذي حافظت عليه الكنيسة عبر العصور لتغذية المؤمنين.
  • نوح كخادم أمين: يُشير إلى دور الرعاة والكهنة في الكنيسة، الذين يُكلفهم الله بجمع النعم الروحية (الطعام) وتوزيعها على الشعب، ليكون لهم وللقطيع طعاماً، أي خلاصاً واستمرارية في الحياة الإيمانية.

هكذا، فإن أمر الله البسيط لنوح يتحول في الضوء المسيحي إلى صورة نابضة عن كيف يُهيئ الله في كنيسته، منذ الآن، كل ما نحتاجه من غذاء روحي لننجو من تجارب هذا العالم ونصل إلى بر الأمان، أي الملكوت.


التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآية اليوم، في رحلتنا نحو الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
الثقة في العناية الإلهية: إذا اهتم الله بتفاصيل مثل طعام الحيوانات في الفلك، فكم بالحري يهتم باحتياجاتنا نحن "أكثر قيمة من العصافير" (متى ١٠: ٣١). يمكننا أن نطرح كل همومنا عليه، وهو يعتني بنا.الصلاة والثقة
الاستعداد والطاعة: دعانا نوحاً أن يتحرك ويجمع. روحياً، نحن مدعوون أيضاً أن "نجمع" النعم في حياتنا: نجمعه في الصلاة، في قراءة الكتاب المقدس، في المشاركة في الأسرار، وفي أعمال المحبة. الخلاص يتطلب استعداداً نشطاً.النمو الروحي
الاهتمام بالآخرين: الطعام كان "لَكَ وَلَهَا" – لنفسه وللآخرين. في الكنيسة، مواهبنا ونعمنا ليست لنا فقط، بل لخدمة بعضنا بعضاً وبناء الجسد (١ كورنثوس ١٢: ٧).العلاقات والخدمة

تذكرة مُشجعة: يا صديقي، الله الذي أمر نوحاً بجمع الطعام قبل الطوفان، هو نفسه الذي يقول لك اليوم: "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون..." (متى ٦: ٢٥). إن عنايته لا تتغير. إن كان قد هيأ الطعام في الفلك، فهو يُهيئ لك اليوم في كنيسته — من خلال سر الإفخارستيا وكلمته — الغذاء الذي يُقويك في رحلتك عبر بحر هذه الحياة، حتى تصل إلى شاطئ الملكوت الآمن. ثق أن خطة خلاصه لك مُحكمة وتشمل كل تفاصيل حياتك.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. للتأمل: أين أرى عناية الله العملية في تفاصيل حياتي اليومية؟ هل أثق أنه يهتم حتى بأصغر احتياجاتي؟ ٢. للاستجابة: ما هو "الطعام الروحي" الذي أدعو الله أن يساعدني على "جمعه" في هذه الفترة من حياتي؟ (مزيد من الصلاة؟ دراسة كتاب؟ مصالحة؟). ٣. للصلاة: "يا رب، كما هيأت الطعام في الفلك لتنقذ حياة نوح وكل حي، هئ لي في كنيستك المقدسة الغذاء الروحي الذي يقويني. ساعدني أن أثق في عنايتك الكاملة في كل ظرف، وأن أكون مستعداً بطاعتي لمشيئتك المحبة. آمين."


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
عناية الله بالخليقة: يؤكد المزمور أن الله يطعم كل حي، وهذه الآية هي تطبيق عملي لتلك الحقيقة.المزمور ١٤٥: ١٥-١٦
الاستعداد الروحي: يحثنا السيد المسيح على الاستعداد، مثل العذارى الحكيمات اللواتي أخذن زيتاً. جمع الطعام يشبه هذا الاستعداد.متى ٢٥: ١-١٣
الكنيسة كفلك الخلاص: يربط القديس بطرس صراحة بين الفلك والمعمودية التي تخلّصنا الآن.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
الله مُعد الخلاص: يذكر سفر الرؤيا أن خروف الله (المسيح) مذبوح منذ تأسيس العالم، مؤكداً أن خطة الخلاص مُعدة مسبقاً.رؤيا يوحنا ١٣: ٨
الطعام الحقيقي: يُشير السيد المسيح إلى نفسه كالطعام الحقيقي النازل من السماء، الذي يعطي حياة للعالم.يوحنا ٦: ٣٢-٣٣

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ٢٩-٣٠: الوصية الأصلية من الله للإنسان والحيوان بالأكل من النباتات، مما يُظهر أن اهتمام الله بتغذية خليقته هو جزء من نظامه الخلقي منذ البدء.
  • مزمور ٣٧: ٢٥: شهادة داود عن عناية الله الدائمة: "لَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُرِكَ وَلاَ ذُرِّيَّتَهُ تَطْلُبُ خُبْزًا".
  • متى ٦: ٢٦، ٣١-٣٣: تعليم الرب يسوع الذي يحثنا على عدم الاهتمام الزائد للغد، ويثبت أن الله يعرف احتياجاتنا ويهتم بها.
  • فيليبي ٤: ١٩: وعد بولس الرسول: "وَإِلَهِي سَيَمْلأُ كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ حَسَبَ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ".
  • يعقوب ١: ١٧: تذكير بأن "كُلَّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلَّ مُوهَبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ"، بما فيها الطعام والحاجات اليومية.