ماذا تعني تكوين 6:2؟
تفسير تكوين ٦: ٢ من المنظور الأرثوذكسي
"أَنَّ أَبْنَاءَ ٱللهِ رَأَوْا بَنَاتِ ٱلنَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَٱتَّخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا ٱخْتَارُوا." - تكوين ٦: ٢ (ترجمة فان دايك)
المعنى والشرح
تقدم لنا هذه الآية لمحة مؤثرة عن لحظة تحوّل في تاريخ البشرية المبكر، حيث يظهر كيف أن الخليقة التي خلقها الله بحب قد بدأت تنحرف عن الدعوة الأصلية التي دعاها الله إليها. "أبناء الله" هنا، وفق الفهم الآبائي الأرثوذكسي، يشيرون إلى نسل شيث، الذي وُصف بأنه بديل عن هابيل البار (تكوين ٤: ٢٥) والذي سار في طريق التقوى والشركة مع الله. بينما "بنات الناس" هنّ بنات نسل قابيل، الذين ابتعدوا عن وجه الرب. المشكلة ليست في الزواج بحد ذاته – فقد أسسه الله في الفردوس – بل في الطريقة والنية: "مِنْ كُلِّ مَا ٱخْتَارُوا".
هذه العبارة تكشف قلب المشكلة: الاستقلال عن مشيئة الله. فبدلاً من أن يسيروا في طريق البركة والقداسة التي أرادها الله لهم، اختاروا حسب أهوائهم ورغباتهم، دون تمييز روحي أو التزام بالعهد الإلهي. إنها صورة لطريقة العالم الذي يضع المعايير الجسدية والمظهر الخارجي فوق المعايير الروحية والشركة مع الله.
ولكن حتى في هذا المشهد الحزين، نرى محبة الله الصابرة التي تترك للبشرية حرية الاختيار، وتحذرهم من عواقب الابتعاد عنه. الله لا يفرض نفسه قسراً، بل يحترم حرية الإنسان التي منحها إياه، وينتظر توبته. هذه الآية تذكرنا بأن محبة الله لا تعني الموافقة على كل ما نفعله، بل هي محبة أبوية تحذرنا من الطرق التي تؤذي أنفسنا وتُبعدنا عن مصدر حياتنا.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تاريخي-لاهوتي | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في التيه | الجمهور الأول |
| تحذير من الاختلاط الروحي الفاسد | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في بداية الإصحاح السادس من سفر التكوين، الذي يصف الانحدار التدريجي للبشرية نحو الفساد. الآية السابقة (تكوين ٦: ١) تذكر تكاثر البشر على الأرض، وهذه الآية تبدأ بوصف الاختلاط غير المقدس الذي قاد إلى الفساد العظيم. والآيات التالية (تكوين ٦: ٣-٥) تصف عواقب هذا الفعل: حدّ الله لأناة البشرية، ونمو الشر بشكل كبير حتى "كَثُرَ شَرُّ الإِنْسَانِ فِي الأَرْضِ" (تكوين ٦: ٥). إنها قصة تراكمية للخطية تظهر كيف أن الخيارات الفردية الخاطئة يمكن أن تؤثر على مجتمع بأكمله.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخليقة، بداية البشرية، بداية الخطية، وبداية وعد الخلاص. هذا المقطع هو ذروة فصل مظلم في تاريخ البشرية بعد السقوط، حيث تظهر الخطية ليس فقط كفعل فردي بل كوباء اجتماعي ينتشر. لكن هذا المشهد المظلم يُعدّ المسرح لعمل خلاصي عظيم سيأتي: الطوفان كدينونة تطهيرية، ونوح كبطل الإيمان الذي يجد نعمة في عيني الرب (تكوين ٦: ٨). حتى في أقسى لحظات الدينونة، لا يتخلى الله عن محبته – فهو يحفظ البقية الباقية التي تبقى أمينة له.
التفسير الآبائي
يعتبر الآباء الأرثوذكس أن هذا النص يحمل تحذيراً روحياً عميقاً من الاختلاط بين المؤمنين وغير المؤمنين على مستوى يمسّ الهوية الروحية والالتزام بالعهد مع الله.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| "أبناء الله" هم نسل شيث الذين دعوا بهذا الاسم لأنهم حافظوا على معرفة الله وعبادته، بينما "بنات الناس" هنّ بنات نسل قابيل الذين ابتعدوا عن الله. الاختلاط بينهم لم يكن مشكلة في ذاته، بل في أن أبناء الله تخلوا عن تدبير الله واختاروا حسب شهواتهم | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| هذا الاختلاط يمثل خلطاً بين نور الإيمان وظلمة العالم، مما أدى إلى فساد النسل الروحي وتدهور الحياة الأخلاقية. إنه يرمز إلى خطر مخالطة الشر دون حفظ الحدود التي وضعها الله | القديس كيرلس الإسكندري |
| الآية تُظهر كيف أن التخلي عن الضوابط الإلهية في الاختيارات الحياتية، وخاصة في العلاقات الأسرية، يقود إلى انحدار روحي عام. الزواج المقدس يجب أن يكون "في الرب" (١ كورنثوس ٧: ٣٩) | التقليد الآبائي العام |
الأهمية اللاهوتية
تكشف هذه الآية جوانب عميقة من علاقة الله بالإنسان وعمل محبته:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| محبة الله تحترم حرية الإنسان حتى عندما يختار الطرق الخاطئة. الله لا يُلغي إرادتنا الحرة، بل يحذرنا من عواقب اختياراتنا السيئة | الله ومحبته |
| الخطية ليست فقط فعلًا فرديًا بل يمكن أن تصبح ثقافة ومجتمعًا فاسدًا. الاختلاط الروحي الفاسد يهدد الهوية الإيمانية | طبيعة الخطية والفساد |
| الله يدعو شعبه إلى القداسة والتمييز: "لاَ تَثْقُلُوا نِيرًا مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ" (٢ كورنثوس ٦: ١٤). العلاقات المقدسة تبني، بينما العلاقات الفاسدة تُدمر | دعوة الإنسان إلى القداسة |
| حتى في منتصف الفساد، يهتم الله بالبقية الأمينة (نوح وعائلته) ويحفظ وعده الخلاصي | أمانة الله لعهده |
التطبيق الروحي
هذه الآية، رغم أنها تحكي عن حدث تاريخي، تحمل دروسًا روحية حية لكل مؤمن في رحلته مع الله:
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا بأن الله يدعونا إلى تمييز روحي في كل علاقاتنا، خاصة تلك التي تؤثر على إيماننا ومسيرتنا الروحية | العلاقات والشركة |
| تحذرنا من أن الخيارات التي تبدو بريئة ("حسنات") قد تكون خطرة إذا اتخذناها بعيداً عن مشورة الله وإرشاده | تمييز الإرادة الإلهية |
| تشجعنا على المحافظة على هويتنا كأبناء الله في عالم يعرض قيماً وقناعات مضادة لإيماننا | الهوية المسيحية والثبات |
| تذكرنا بأن عواقب اختياراتنا لا تؤثر علينا فقط، بل على أجيال قادمة أيضاً (كما حدث مع الجبابرة في تكوين ٦: ٤) | المسؤولية الأسرية والاجتماعية |
تأمل محبة الله حتى في التحذير: إن تحذير الله لنا من الطرق الهادمة هو تعبير عن محبته الأبوية. مثل الأب الذي يحذر ابنه من طريق خطر، هكذا يحبنا الله فلا يريد لنا أن نهلك. دعنا نطلب منه نعمة التمييز لنميز مشيئته في كل علاقاتنا واختياراتنا.
الرموز والتمهيد
يرى التقليد الآبائي في هذه القصة تمهيداً ورموزاً لمواضيع لاهوتية تكمّلها العهد الجديد:
١. التمييز بين ما هو لله وما هو للعالم: مثلما دعا الله أبناء شيث للحفاظ على هويتهم المميزة، يدعونا المسيح أن نكون "في العالم لا من العالم" (يوحنا ١٧: ١٤-١٦).
٢. الزواج المقدس: بينما فسد الزواج هنا بالاختيار الخاطئ، يأتي العهد الجديد ليرفعه إلى سر مقدس (أفسس ٥: ٢٢-٣٣) يرمز إلى علاقة المسيح بالكنيسة.
٣. البقية الباقية: كما حفظ الله نوحاً وعائلته وسط فساد العالم، يحفظ الله كنيسته، "بقية حسب اختيار النعمة" (رومية ١١: ٥).
٤. الدعوة إلى القداسة: "لا تشاكلوا هذا العالم" (رومية ١٢: ٢) هي دعوة العهد الجديد التي تردد صدى الدرس الروحي من هذه الآية.
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تحذر من الارتباط غير المتكافئ بين المؤمنين وغير المؤمنين | ٢ كورنثوس ٦: ١٤ |
| تظهر أهمية التمييز الروحي في العلاقات | عاموس ٣: ٣ |
| تذكرنا بأن الاختيار حسب النظر الخارجي يقود إلى الخطأ (كما حدث مع داود) | ١ صموئيل ١٦: ٧ |
| تؤكد أن أبناء الله هم الذين يسلكون بالروح | رومية ٨: ١٤ |
| تحذر من محبة العالم والشهوات | ١ يوحنا ٢: ١٥-١٧ |
| تدعو إلى التقديس في كل شيء، بما في ذلك العلاقات | ١ تسالونيكي ٤: ٣-٧ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٤: ٢٦: بدء الدعوة باسم الرب في نسل شيث، مما يميزهم كأبناء الله.
- تكوين ٦: ٥: نتيجة الاختلاط الفاسد - كثرة شر الإنسان على الأرض.
- تكوين ٦: ٨: ولكن نوح وجد نعمة في عيني الرب - رحمة الله وسط الدينونة.
- ملاخي ٢: ١٥: تحذير من الخيانة في عهد الزواج المقدس.
- ١ كورنثوس ٧: ٣٩: دعوة إلى الزواج "في الرب" فقط.
- أفسس ٥: ٣-٧: تحذير من الشركة مع أعمال الظلمة.
خاتمة محبة: أيها الحبيب في المسيح، هذه الآية تذكرنا بأن محبة الله تحمينا حتى عندما تحذرنا. هو يعرف ما يبنينا وما يهدمنا، ويدعونا إلى ثقة كاملة بمشيئته الصالحة. حتى إذا كنا قد أخطأنا في اختياراتنا سابقاً، فمحبة الله تغفر وتجدد. لنطلب منه دائماً أن يوجه خطواتنا في كل علاقاتنا واختياراتنا، لنكون أبناءه المميزين في هذا العالم، نوراً وبركة للجميع.