ماذا تعني تكوين 6:3؟
المعنى والشرح
هذه الآية هي نقطة تحول مذهلة في قصة الله مع الإنسان، حيث تلتقي دينونة الله القدوس مع رحمته اللامتناهية. يقول الرب: "لَا يَدِينُ رُوحِي فِي ٱلْإِنْسَانِ إِلَى ٱلْأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً" (تكوين ٦: ٣). في ظاهرها، قد تبدو كحكم قاسٍ، لكن في عمقها تكشف عن قلب أبوي محب لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يُمهل ويُعطي فرصة للتوبة والرجوع. الله لا يتخذ قراراً بالدينونة النهائية فوراً، بل يُعلن أن روحه - الذي هو مصدر الحياة والنعمة - لن "يجاهد" أو "يخاصم" إلى الأبد مع الإنسان العاصي. بدلاً من ذلك، يضع حداً زمنياً: ١٢٠ سنة. هذه ليست مدة للعقاب، بل هي فترة رحمة طويلة، فرصة عظيمة للبشرية كلها أن تسمع دعوة الله وتتوب. إنها إعلان أن صبر الله له حدود ليس لأن محبته تنتهي، بل لأن شر الإنسان قد وصل إلى درجة تهدد خلاصه نفسه، والله في محبته الأبوية يتدخل قبل فوات الأوان.
تخيل معي هذا المشهد: الله يرى كل قلب مملوءاً بالأفكار الشريرة باستمرار (تكوين ٦: ٥). الألم الذي يسببه الإنسان لنفسه وللآخرين يصل إلى السماء. في مشاعره الأبوية، يندم الله أنه صنع الإنسان (تكوين ٦: ٦) - ليس ندماً على خطأ، بل ألماً على ما وصل إليه خليقته المحبوبة. وهنا، في ذروة الظلمة، يضيء نور الرحمة: "وتكون أيامه مئة وعشرين سنة". الله يعطي مهلة طويلة! إنه كأب يرى ابنه يسير نحو الهاوية، فيصرخ له: "توقف! لديك وقت للعودة. أنا هنا أنتظرك." هذه الـ ١٢٠ سنة كانت وقتاً لنوح ليبني الفلك، ووقتاً لجميع الناس ليروا هذا العمل الغريب ويسمعوا دعوته للتوبة. لقد استخدم الله وقتاً طويلاً جداً كآخر فرصة للخلاص قبل الطوفان. هذا هو جوهر الآية: حتى في مشهد الدينونة، تتفجر رحمة الله وتظهر محبته الصابرة التي لا تريد أن يهلك أحد.
محبة الله لا تفشل أبداً. حتى عندما يبدو أنه يُصدر حكماً، فهو في الحقيقة يفتح باب الرجاء. الـ ١٢٠ سنة هي دعوة محبة صارخة: "تعالوا إليّ قبل أن يُغلق الباب."
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تاريخي/سفر التأسيس | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية / كل البشرية كجمهور أساسي للقصة | الجمهور |
| صبر الله وطول أناته وسط شر الإنسان | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في لحظة حرجة من تاريخ البشرية بعد السقوط. الآيات السابقة تصف كيف تكاثر البشر على الأرض، وتزاوج "بنو الله" (الذي يُفهم في التقليد الآبائي غالباً على أنهم نسل شيث الأتقياء) مع "بنات الناس" (نسل قايين الشرير)، مما أدى إلى فساد كبير (تكوين ٦: ١-٢). ثم تأتي هذه الآية كاستجابة إلهية لهذا الفساد. الآية التالية مباشرة (تكوين ٦: ٤) تتحدث عن "الجبابرة" و "أشخاص الصيت"، ثم الآية ٥ تعلن حكماً صارخاً: "وَرَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّ شَرَّ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي ٱلْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ". بعد هذا الحكم، مباشرة في الآية ٦، نقرأ أن الله "حزن" و "ندم" أنه صنع الإنسان. إذن، آيتنا (٦: ٣) هي الجسر بين رؤية الشر وحزن الله، وبين قراره بالتدخل الخلاصي عبر نوح. هي الإعلان الأول عن أن الشر لن يستمر إلى الأبد، وأن الله سيتدخل، لكن بعد فترة رحمة طويلة.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخليقة، بداية الخطية، وبداية عمل الله الخلاصي. هذه الآية تقع في القسم الذي يصف الانتشار السريع للخطية بعد السقوط: قتل قايين لهابيل، وتضخم الشر عبر لامك، وصولاً إلى الفساد الشامل في أيام نوح. في هذا السياق، تظهر الآية أن الله ليس غير مبالٍ بمعاناة خليقته وفسادها. إنه يتدخل كطبيب يتعامل مع مرض استشرى. لكن تدخله ليس انتقاماً عاجلاً، بل فيه أناة وصبر. هذا النمط يتكرر عبر الكتاب المقدس: الله يرى الشر، يحزن عليه، ثم يتدخل بطريقة تخلّصية غالباً عبر بقية أمناء (مثل نوح هنا، ثم إبراهيم، ثم الشعب اليهودي، وأخيراً المسيح). الآية تُظهر أن دينونة الله دائماً مقترنة بفرصة الخلاص. هذا يُعدّنا لفهم سر الصليب لاحقاً، حيث تلتقي دينونة الله على الخطية مع رحمته الفائقة في بذل ابنه.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| الله لم يقل "لن أحتملهم" بل "لن أدين روحي فيهم إلى الأبد". هذا يعني أن الله صبور جداً، لكن صبره له حدود عندما لا يبقى أمل في التوبة. الـ ١٢٠ سنة هي برهان على رحمته، فقد أعطاهم وقتاً كافياً للتوبة لو أرادوا. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "روحي" هنا قد تُفهم على أنها نعمة الروح القدس التي تُعطي الحياة. الله يقول إن نعمته لن تبقى تتنازل مع مقاومة الإنسان إلى الأبد، لأن الإنسان يصبح غير قابل للشفاء. لكن الله يعطي مهلة طويلة قبل أن يسحب نعمته، وهذا من رحمته. | التقليد الآبائي (مستوحى من تفسيرات القديسين باسيليوس وغريغوريوس) |
| "لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ" - هذه العبارة تُظهر أن الله يأخذ طبيعة الإنسان الضعيفة في الاعتبار. هو يعرف أننا تراب، ضعفاء، ميالون للخطية. لذا، رحمته تسبق دينونته. الـ ١٢٠ سنة هي اعتراف من الله بضعفنا وتعبير عن معاملته الأبوية لنا. | القديس يوحنا ذهبي الفم في مواضع أخرى |
| البعض يرى في "١٢٠ سنة" رمزاً لكمال فترة التوبة. الرقم ١٢٠ (١٢×١٠) قد يشير إلى اكتمال زمن الامتحان (١٢ كعدد الكمال في الشعب، و١٠ كعدد الكمال في النظام). الله يعطي وقتاً كاملاً ووافياً لكل إنسان ليرجع إليه. | رموز عددية في التقليد الآبائي |
لاحظ الآباء أن الله في هذه الآية يتكلم كأب محب يائس من سلوك أبنائه، لكنه مع ذلك يمدّد لهم فترة الرجاء. إنه نموذج لطريقة الله معنا: دائماً يعطي فرصاً، لكن الفرص ليست لا نهائية لأن محبته تحترم حريتنا وتدعونا لاتخاذ قرار.
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن الله لا يتخلى عن الإنسان فوراً، بل "يتنازع" أو "يجاهد" من أجله لفترة طويلة. روح الله يحاول إقناع الإنسان وإعادته. | H٧٣٠٧ | يتنازع، يجادل، يخاصم، يدين (في هذا السياق) | يدين | רוּחַ (رواح) |
| تذكرنا أن الحياة نفسها هبة من الله. عندما يقول "روحي"، فهو يشير إلى أن نفسه (أو روحه) هو مصدر الحياة والنعمة للإنسان. | H٧٣٠٧ | ريح، نفس، روح، قوة الحياة | روحي | רוּחִי |
| تُظهر أن خطية الإنسان ليست مجرد أفعال خاطئة، بل هي انحراف عن المسار الصحيح، ضياع في الطريق. الله يحزن على ضلالنا. | H٦٦٨٦ | ضلال، انحراف، خطأ، زيغان | لزيغانه | מִשֶּׁגַּיּו |
| تؤكد بشرتنا وضعفنا. الله لا ينسى أننا خُلقنا من تراب. هذا يعطي نبرة تعاطف في الحكم الإلهي. | H١٢٠ | جنس البشر، الإنسان (ككائن ضعيف وفانٍ) | هو بشر | בָּשָׂר |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| حتى في لحظات الدينونة، قلب الله مليء بالرحمة والتعاطف. الـ ١٢٠ سنة هي برهان على أن دينونته ليست انتقاماً سريعاً، بل عملية خلاصية تعطي فرصة للتوبة. | الله ومحبته |
| تُظهر أن لله صبراً طويلاً ولكن ليس لا نهائياً. احترامه لحريتنا يعني أننا يمكن أن نرفض نعمته إلى حد يصبح معه القلب قاسياً وغير قابل للعلاج. | حرية الإنسان ومسؤوليته |
| "روحي" تُشير إلى عمل الروح القدس في العالم، الذي يحاول إقناع الإنسان وإعادته. عندما يُذكر سحب الروح، فهذا يعني حرماناً من النعمة الحيوية، وهو أقسى أنواع الدينونة. | الروح القدس وعمله |
| الـ ١٢٠ سنة هي نموذج للوقت الذي يعطيه الله لكل إنسان للتوبة. هذا يُذكرنا بأن حياتنا على الأرض هي فترة رحمة ونعمة للاستعداد للقاء الله. | الزمن والنعمة |
الرموز والتمهيد
يرى آباء الكنيسة في هذه الآية تمهيداً عميقاً لعمل المسيح الخلاصي ولفهم سر الكنيسة:
- ١٢٠ سنة كرمز لزمن الكنيسة: يعتبر بعض الآباء أن الـ ١٢٠ سنة ترمز إلى فترة نعمة الكنيسة على الأرض، الفترة بين الصعود والمجيء الثاني، حيث يدعو الله جميع الناس للتوبة والخلاص. كما أن عدد التلاميذ في العلية يوم الخمسين كان ١٢٠ شخصاً (أعمال ١: ١٥)، رمزاً لبداية الكنيسة في زمن النعمة هذا.
- الفلك كرمز للمسيح والكنيسة: فترة الـ ١٢٠ سنة كانت وقت بناء الفلك، الذي هو رمز تقليدي للمسيح والكنيسة. فالمسيح هو الملجأ من دينونة الخطية، والكنيسة هي السفينة التي تُنقلنا إلى الخلاص. الله يعطي العالم وقتاً ليدخل إلى هذا الملجأ.
- "لن يدين روحي" وصليب المسيح: في الصليب، تحققت الدينونة على الخطية مرة واحدة وإلى الأبد في جسد المسيح (رومية ٨: ٣). الآن، روح الله لا "يجاهد" معنا للدينونة، بل "يُقنعنا بالبر والدينونة" (يوحنا ١٦: ٨) ليقودنا إلى التوبة والإيمان. نعمة الروح مُتاحة بوفرة في العهد الجديد.
- الماء كرمز للمعمودية: كما أن الماء في الطوفان كان دينونة للعالم القديم وخلاصاً لنوح وعائلته داخل الفلك، هكذا ماء المعمودية يغسل خطايانا ويُنقذنا من الموت لنحيا حياة جديدة في المسيح (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
الله نفسه هو الذي يبني لنا الفلك - وهو المسيح - ويمنحنا الوقت لدخوله. المحبة هي التي تدين، والمحبة هي التي تخلص.
التطبيق الروحي
كيف تُساعدنا هذه الآية على النمو في علاقتنا مع الله اليوم؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن صبر الله علينا الآن هو هبة لا تُقدّر. كل يوم نعيشه هو جزء من "الـ ١٢٠ سنة" الشخصية لنا، فرصة للتوبة والرجوع إليه. دعونا لا نُهمل وقت النعمة هذا. | تقدير وقت النعمة |
| عندما نرى شراً في العالم أو حتى في قلوبنا، لا نيأس. الله لا ييأس منا بسرعة. هو يعطي وقتاً للشفاء. يجب أن نتعامل مع أنفسنا والآخرين بهذه الروح: بالصبر والرجاء في التغيير بمعونة النعمة. | الصبر على أنفسنا والآخرين |
| نوح استخدم الـ ١٢٠ سنة لبناء الفلك طاعة لله، رغم سخرية الناس. هكذا نحن مدعوون لاستخدام وقت حياتنا في "بناء" إيماننا وعلاقتنا مع الله، وخدمة الآخرين، حتى لو بدا الأمر غير منطقي للعالم. | الطاعة والعمل بالإيمان |
| الآية تُعلمنا أن ننظر إلى "الدينونة" ليس كخوف من إله غاضب، بل كدعوة عاجلة من أب محب يريد إنقاذنا قبل فوات الأوان. هذا يغيّر دافعنا من الخوف إلى المحبة. | فهم دينونة الله |
تخيل لو أن شخصاً أعطاك هبة ثمينة وقال: "لديك ١٢٠ يومًا لتعرف قيمتها وتستمتع بها، وإلا ستفقدها." أنت ستشكر وتعطي هذه الهدية كل اهتمامك. حياتنا هي هذه الهبة. الله أعطانا الوقت كفرصة لنعرفه، نحبه، ونخدمه. اليوم هو اليوم المناسب. لا تؤجل مصالحتك مع الله، ولا تؤجل إصلاح علاقتك مع الآخرين، ولا تؤجل بدء حياة الصلاة. روح الله يُنازع في داخلك الآن لكي تقبل محبته. اسمع صوته اليوم.
تذكّر: الله الذي أعطى العالم ١٢٠ سنة للتوبة، يعطيك أنت اليوم فرصة جديدة. افتح قلبك له الآن.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. تأمل في صبر الله: كيف أتعامل مع الوقت الذي أعطانيه الله؟ هل أعتبره أمراً مفروغاً منه، أم أستخدمه كنعمة ثمينة للنمو الروحي والتوبة؟
٢. استجابة شخصية: هل هناك منطقة في حياتي أعرف أن الله "يجاهد" معي فيها منذ فترة، وأنا أتماطل أو أرفض التغيير؟ ماذا يريد الله أن أفعله في هذه الفترة من النعمة؟
٣. صلاة: "أيها الرب الصبور، أشكرك لأنك لا تتعامل معي حسب أخطائي، بل حسب رحمتك الواسعة. ساعدني أن لا أُهمل وقت نعمتك. أعطني قلباً حساساً لصوت روحك الذي ينازع في داخلي ليقودني إلى التوبة والحياة. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تُظهر أيضاً صبر الله الطويل الذي يعطي فرصة للتوبة قبل الدينونة، حيث يعطي ٤٠٠ سنة لذرية إبراهيم قبل الدينونة على الأموريين. | تكوين ١٥: ١٦ |
| تعلن صبر الله كفرصة للخلاص، وليس كتساهل. "لا يتباطأ الرب عن وعده... بل أنانا علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة." | ٢ بطرس ٣: ٩ |
| تصف كيف يعمل الروح القدس في العالم: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة". هذا عمل "تنازع" الروح مع الإنسان لقبوله الخلاص. | يوحنا ١٦: ٨ |
| تُظهر النتيجة عندما يُهمل الإنسان وقت نعمة الله: "أما الروح فيقول صريحاً إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان...". نداء الروح يجب أن يُجابَ عليه. | ١ تيموثاوس ٤: ١ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٦: ٥-٦: تصف مدى شر الإنسان وحزن الله عليه، السياق المباشر لآيتنا.
- ١ بطرس ٣: ٢٠: تذكر صبر الله في أيام نوح أثناء بناء الفلك، حيث انتظر برحمة.
- رومية ٢: ٤: "أم تستخف بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة؟"
- إشعياء ٥٧: ١٦: "لأني لا أختصم إلى الأبد ولا أغضب إلى الدهر، لأن الروح من أمامي يغشى والنسمات أنا صنعتها." تعكس فكرة ألا يدين روحه إلى الأبد.
- مزمور ٧٨: ٣٩: "فذكر أنهم بشر، ريح تذهب ولا تعود." تذكر ضعف الطبيعة البشرية التي أشارت إليها الآية ("هو بشر").