ماذا تعني تكوين 6:5؟
وَرَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّ شَرَّ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي ٱلْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. - تكوين ٦: ٥
المعنى والشرح
تُقدّم هذه الآية تشخيصًا رحيمًا وحزينًا من الله لحالة البشرية بعد السقوط. إنها ليست إدانة قاسية، بل هي نظرة الطبيب المحب الذي يفحص عمق المرض ليبدأ عملية الشفاء. فالله، في محبته الأبوية، لا يغفل عن حالة أولاده، بل يرى ويُدرك تمامًا كيف أن الخطية قد استشرت في القلب البشري وأفسدت حتى أفكاره وتصوّراته الداخلية. هذا "الكثرة" في الشر و"الكُلّية" في الفساد (كُلَّ تصوُّر، كُلَّ يوم) تُظهر الحاجة الماسّة إلى تدخُّل الله الخلاصي، وهو ما سيتجلى في قصة نوح والفلك، كرمز لطريق الخلاص الوحيد.
إن نظرة الله هنا مليئة بالألم الأبوي، كما يُعلّمنا الآباء. فهو يرى كيف أن الصورة الإلهية في الإنسان قد شوّهت، وكيف أن الحرية التي منحها له قد حوّلها الإنسان إلى أداة للشر. ولكن حتى في هذا المشهد القاتم، تُعلن الآية عن رحمة الله التي لا تترك البشرية في هلاكها، بل تتحرّك لإنقاذها. فالله الذي يرى الشر هو نفسه الله الذي سيرسل الفلك كمكان نجاة، والذي سيعد بنوح "عهدًا" (تكوين ٦: ١٨) – وهي البذرة الأولى لفكرة العهد التي ستتطور في تاريخ الخلاص كله حتى تصل إلى ذروتها في السيد المسيح، الذي يغسل خطايانا ويجدد طبيعتنا.
لذلك، هذه الآية تدعونا إلى التواضع والرجا. التواضع لأننا نعترف أن فساد القلب هو حالة نشارك فيها جميعًا، والرجا لأن هذا التشخيص الصادق هو الخطوة الأولى نحو الشفاء الذي يقدمه الله وحده. الله لا يرى شرنا ليهلكنا، بل ليرحمنا ويخلّصنا.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (قصص البدايات) | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب التقليدي |
| شعب إسرائيل (وأيضًا كل البشرية) | الجمهور الأصلي |
| تشخيص فساد البشرية ورحمة الله | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في ذروة القسم الذي يصف انتشار الخطية بعد سقوط آدم وحواء. فبعد قصة قايين وهابيل، وتكوين ٦: ١-٤ (عن أبناء الله وبنات الناس)، تأتي هذه الآية كخلاصة لوضع البشرية: "وَرَأَى ٱلرَّبُّ..." وهي المقدمة المباشرة لقرار الله: "فَحَزِنَ ٱلرَّبُّ... وَقَالَ ٱلرَّبُّ: أَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ ٱلْإِنْسَانَ..." (تكوين ٦: ٦-٧). لكن هذا القرار لا يقطع رجاء المحبة، ففي الآية التالية مباشرة (تكوين ٦: ٨) نجد: "وَنُوحٌ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ". فالرحمة تسبق الدينونة، والنعمة تجد طريقًا وسط الدمار.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، وهو يروي قصة علاقة الله بالإنسان: الخلق، السقوط، والبدايات الأولى لوعد الخلاص. هذه الآية تقع في قلب قسم "السقوط ونتائجه" (أصحاح ٣-١١). وهي تُظهر الحاجة الكونية للخلاص، مُهيّئة الأرضية لقصة دعوة إبراهيم (أصحاح ١٢) التي ستكون بداية خطة الله الخلاصية من خلال شعب مختار. إنها تُظهر أن مشكلة الخطية هي مشكلة كل البشرية، وليست محدودة بجماعة معينة، مما يجعل خلاص الله في المسيح ضرورة لكل إنسان.
التفسير الآبائي
يرى آباء الكنيسة في هذه الآية تأكيدًا على فساد الإرادة البشرية بعد السقوط، وليس إهلاكًا للطبيعة البشرية ذاتها. فالصورة الإلهية بقيت، لكنها شوّهت وشُوِّهت، وأصبح القلب ميالًا للشر باستمرار.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| الله لا يرى الأشياء ظاهريًا فقط، بل ينفذ إلى أعماق القلب. رؤيته هنا هي رحمة، لأنها تُظهر رغبته في شفاء الإنسان من جذور مرضه. إنه كالطبيب الجيد الذي يشخّص بدقة قبل أن يعالج. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ" – هذا يُظهر أن الشر لم يعد مجرد أفعال خارجية، بل أصبح ينبع من مركز الشخصية الإنسانية (القلب). هذه هي نتيجة الانفصال عن الله، مصدر الصلاح. | القديس باسيليوس الكبير |
| التقليد الآبائي يُعلّم أن هذه الآية تُظهر عمق سقوط الإنسان، ولكنها أيضًا تُهيئنا لفهم عظمة النعمة الإلهية في المسيح. فالشريعة (أو التشخيص هنا) تقودنا إلى المسيح (غلاطية ٣: ٢٤). فالله الذي رأى الشر هو الذي أعدّ الخلاص. | التقليد الآبائي عمومًا |
الأهمية اللاهوتية
تكشف هذه الآية حقائق جوهرية عن الله وعن الإنسان:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله قدوس لا يتسامح مع الشر، وهو عليم يرى حتى أفكار القلوب الخفية. ولكن هذه الرؤية نابعة من محبته واهتمامه بخليقته، فهو لا يهملها، بل يتألم لحالها (تكوين ٦: ٦). | الله ومحبته |
| تُشير إلى الحاجة الماسّة للمخلّص الذي سيغسل الخطية ويجدد القلب. نوح الذي وجد نعمة هو رمز للمسيح، الرجل البار الوحيد، الذي من خلاله تنجو البشرية. الطوفان نفسه هو رمز للمعمودية التي تغسل خطايانا (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١). | المسيح والخلاص |
| تُظهر أن فساد الإنسان شامل، مما يعني أن الخلاص لا يمكن أن يكون بأعمالنا، بل بنعمة الله وحدها (كما وجد نوح نعمة). التجديد يجب أن يمس القلب (أفكاره وتصوّراته) وهذا هو عمل الروح القدس الذي يجدّد ذهننا (رومية ١٢: ٢). | الروح القدس وعمل النعمة |
| تدعو الإنسان إلى التوبة الجذرية، لا مجرد تغيير السلوك الخارجي. وتذكره بأن رجاءه الوحيد هو في رحمة الله ووعوده. طريق التألّه يبدأ باعترافنا بحالتنا الحقيقية واتكالنا الكامل على الله. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
من منظور أرثوذكسي، كل العهد القديم هو تمهيد وتحضير للتجسد. هذه الآية بالذات تُعدّنا لاستقبال بشارة الإنجيل بعدة طرق: ١. القلب الشرير: يشير إلى النبوة عن الحاجة إلى قلب جديد وروح جديد (حزقيال ٣٦: ٢٦)، وهو ما تممّه المسيح بالولادة الجديدة من الماء والروح (يوحنا ٣: ٥). ٢. نظرة الرب: تُعلن أن الله هو الفاحص القلوب والكلى (مزمور ٧: ٩). وفي العهد الجديد، يأتي يسوع كمُظهِر لأفكار القلوب (لوقا ٢: ٣٥، ٥: ٢٢). ٣. الطوفان والفلك: الطوفان هو صورة للدينونة على الشر، لكن الفلك هو صورة للخلاص. هذان الأمران يتحققان في الصليب، حيث تحمّل المسيح دينونة خطيتنا (كطوفان الغضب) وصار هو فلك النجاة (الكنيسة) لكل من يؤمن به. المعمودية هي دخولنا إلى هذا الفلك (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
الاستخدام الليتورجي
تُستخدم هذه الآية وفكرتها في الليتورجيا الأرثوذكسية كمحرك للتوبة والتواضع:
- في الصوم الكبير: تُقرأ نصوص عن الطوفان في الأسبوع الأول من الصوم (أحيانًا يوم السبت)، لتذكيرنا بحالة الإنسان الخاطئة وحاجته الماسّة للصوم والصلاة والتوبة كطريق للخلاص داخل "فلك" الكنيسة.
- في صلوات الساعات: ترد فكرة "إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ" في روح صلوات الاعتراف الشخصي، حيث نطلب من الله أن ينظر إلى تواضعنا ويغفر خطايانا الكثيرة.
- في خدمة المعمودية: تذكر الكنيسة أن المعمودية هي غسل الخطية الأصلية والشخصية، وهي دخول إلى فلك الخلاص (الكنيسة)، متجاوزين مياه الطوفان التي هي صورة للموت والخطية.
التطبيق الروحي
كيف تُساعدنا هذه الآية القاسمة في ظاهرها على النمو في محبة الله؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تدعونا إلى فحص ذاتي صادق وأمين أمام الله. ليس لنتهم أنفسنا بقسوة، بل لنعترف بحاجتنا له. يمكن أن نبدأ صلاتنا بقول: "يارب، أنت الذي ترى أفكار قلبي، أنر ظلمتي واغسلني". | الصلاة والعلاقة مع الله |
| تذكّرنا بأن خطيتنا ليست سطحية، وبالتالي تغييرنا يحتاج إلى نعمة إلهية مستمرة. هذا يُبعد عنا الكبرياء الروحي ويدفعنا للاتكال اليومي على الله في مسيرة قداستنا. | النمو الروحي والتقديس |
| عندما نُحزن من شرور العالم أو حتى من فشلنا الشخصي، نذكر أن الله يرى ذلك أيضًا وقد حزن عليه. لكنه لم يتخلَّ عن البشرية. هذا يعطينا رجاءً بأن عمله الخلاصي مستمر، ويدعونا لنكون، مثل نوح، شهودًا للنعمة وسط جيل معوّج. | التعزية والرجاء في التجارب |
الله الذي رأى شر الإنسان قد كثُر، هو نفسه الذي رأى حاجتنا فأرسل ابنه. لا تخف من أن تفتح قلبك لهذا الإله الذي يرى كل شيء، لأنه يرى أيضًا إمكانية قداستك في المسيح، وهو يعمل لتحقيقها فيك.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. عندما أتأمل في أفكار قلبي وتصوّراتي خلال اليوم، ما هي الدوافع الخفية التي أكتشفها؟ هل أستطيع أن أقدمها لله في صلاة بسيطة واثقة من رحمته؟ ٢. كيف تُغير معرفتي بأن الله "يرى" شرّي (وصلاحي أيضًا) علاقتي به؟ هل أجذبه إلى مركز حياتي كطبيب ونور، أم أبتعد عنه خجلًا أو خوفًا؟ ٣. في ضوء رحمة الله التي أعدّت فلك النجاة (المسيح والكنيسة)، كيف يمكنني اليوم أن "أدخل الفلك" بطاعة أكبر، وأكون ملجأ لآخرين يدعونهم الله إلى معرفته؟
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تؤكد نفس التشخيص عن خداع القلب وخطورته | "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟" (إرميا ١٧: ٩) |
| تُظهر الاستجابة الإلهية العالمية لهذه الحالة: الجميع أخطأوا، والخلاص هو بالنعمة | "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رومية ٣: ٢٣) |
| تقدم وعد الله بحلّ جذري لمشكلة القلب الشرير من خلال عهد جديد | "وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ" (حزقيال ٣٦: ٢٦) |
| تعلن كيف أن المسيح، بموته وقيامته، قد جدد طبيعتنا وأعطانا قلبًا جديدًا | "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." (٢ كورنثوس ٥: ١٧) |
آيات ذات صلة
- تكوين ٨: ٢١: "وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: «لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ." - توازي الآية وتُظهر رحمة الله رغم معرفته بطبيعتنا.
- مزمور ٥١: ١٠: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي." - صلاة داود بعد السقوط، وهي الاستجابة المناسبة لتشخيص تكوين ٦: ٥.
- متى ١٥: ١٩: "لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنًا، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ." - يؤكد السيد المسيح نفس المبدأ، مبينًا أصل الشر.
- رومية ٧: ١٨-١٩: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ... فَإِنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ." - يصف بولس الرسول صراع الإنسان مع ميول قلبه الشريرة.
- ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١: "... فِي أَيَّامِ نُوحٍ... أَنْجَى نُوحًا... الْمِثَالُ الَّذِي يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيْ الْمَعْمُودِيَّةُ." - الربط المباشر بين طوفان أيام نوح ومعمودية العهد الجديد.