السابقتكوين ٦:١٤التالي

تكوين ٦

تكوين 6:14

اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ ٱلْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ بِٱلْقَارِ.

English (KJV):

Make thee an ark of gopher wood; rooms shalt thou make in the ark, and shalt pitch it within and without with pitch.

ماذا تعني تكوين 6:14؟

المعنى والشرح

آية تكوين ٦: ١٤ هي كلمة محبة ورجاء في وسط مشهد مظلم من الفساد العالمي. يأمر الله نوحاً، الرجل البار الوحيد في جيله، ببناء فلك ليُخلِّصه وعائلته من الطوفان الوشيك. هذا الأمر ليس مجرد خطة هندسية للنجاة، بل هو إعلان واضح عن طبيعة الله: فهو الإله الذي لا يترك الإنسان لتلفه، بل يُقدِّم له طريقاً للخلاص حتى عندما تستحق الخليقة بأكملها الدينونة. الله هنا هو الطبيب الحكيم الذي يُشخِّص الداء ويُقدِّم الدواء؛ هو الأب المحب الذي يُحذِّر أولاده ويُهيِّئ لهم ملجأً آمناً. الخشب والقار المذكوران في الآية ليسا مجرد مواد بناء، بل هما رمز للعناية الإلهية التي تحيط بنا من كل جانب وتحمينا من مياه الموت والخطية.

يُظهر الله في هذه الآية أنه إله العهد والوفاء. رغم أن "شر الإنسان قد كثر في الأرض" (تكوين ٦: ٥)، إلا أن نعمة الله تجد مكاناً تستقر فيه. الفُلك هو علامة ملموسة على رحمة الله التي تسبق دينونته، وهو مثال على كيف أن الله يعمل دائماً من أجل خلاص الإنسان، مُدعياً إياه إلى طاعته وثقته. الأمر الإلهي "اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ" هو دعوة شخصية لنوح للمشاركة في عمل الخلاص؛ فالله لا يُخلِّصنا رغماً عنا، بل يدعونا إلى التعاون مع نعمته (التعاون بين النعمة والإرادة الحرة). هكذا، في كل عصر، يدعو الله "أُناساً لنفسه" (أعمال الرسل ١٥: ١٤) ليُقيم منهم ملجأً للآخرين، ويكونوا شاهدين على رحمته أمام العالم.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تاريخي/شريعةالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البريّةالجمهور الأصل
محبة الله المُخلِّصة وسط الدينونةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في ذروة قصة الفساد العالمي في أيام نوح. الآيات السابقة (تكوين ٦: ٥-١٣) تصف حزن الله الشديد على شر الإنسان وتقريره محو الجنس البشري من على الأرض. ولكن وسط هذا الحكم القاسي، يردف النص "وَلَكِنْ نُوحًا وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ" (آية ٨). إذن، الآية ١٤ هي الاستجابة العملية لهذه النعمة. إنها الخطوة الأولى في خطة خلاص مُفصَّلة يُعلنها الله لنوح (وتستمر حتى الآية ٢١). الآيات التالية (١٥-١٦) تُكمِّل المواصفات الدقيقة للفلك، مما يُظهر أن خلاص الله ليس عشوائياً بل هو مُنظَّم ودقيق، مثل إرشادات أب يُعلِّم ابنه كيف يبني بيتاً يحميه.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، ويُسجِّل أولى خطوات الله في تاريخ الخلاص بعد السقوط. قصة الطوفان (تكوين ٦-٩) هي نقطة تحوُّل كبرى: فهي تُظهر أن خطية الإنسان لها عواقب كونية، ولكن في الوقت نفسه، تُثبت أن محبة الله ورحمته لا تتغيران. الفلك هنا هو الوسيلة التي يحفظ الله بها بذرة البشرية والوعد بمخلِّص آتي (نوح هو سلف المسيح حسب لوقا ٣: ٣٦). القصة تُعيد إحياء موضوع "الخلق الجديد"، حيث ستبدأ البشرية من جديد من عائلة نوح البارة، مُشيرة رمزياً إلى المعمودية كخلق جديد (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية نبوة مجسَّدة عن خلاص الله في المسيح. الفلك هو رمز لكنيسة المسيح، والطوفان هو رمز لدينونة الخطية، ودعوة نوح للدخول إلى الفلك هي صورة لدعوة كل البشرية للدخول إلى ملجأ الخلاص الذي أعدَّه الله.

التفسيرالأب/المصدر
الفلك هو صورة للكنيسة. فكما أن نوحاً وكل من دخل الفلك نجوا من المياه، هكذا كل من يدخل كنيسة المسيح يُخلَّص من طوفان الخطية والموت. الماء نفسه الذي أهلك الأشرار صار سبب خلاص للأبرار داخل الفلك.القديس كيرلس الأورشليمي
خشب الجفر (أو السرو) الذي بُنِيَ منه الفلك يُشير إلى الصليب، لأن السرو شجرة دائمة الخضرة وقوية، ترمز إلى حياة المسيح الأبدية وقوة صليبه الخلاصية.التقليد الآبائي العام
طلاء الفلك بالقار من الداخل والخارج هو صورة لعملية التقديس والوقاية التي يُجريها الروح القدس في المؤمن. القار يمنع تسرُّب المياه، وهكذا نعمة الله تحفظنا من تسرُّب فساد العالم إلى داخلنا.القديس يوحنا ذهبي الفم (في فكرة الحفظ والوقاية)
الله يُعطي نوحاً تعليمات دقيقة للبناء. هذا يُعلّمنا أن خلاص الله له طرق ووسائل محدَّدة (كالأسرار المقدسة) لا يمكننا استبدالها حسب أهوائنا. طاعة نوح للتفاصيل هي نموذج لإيمان الكنيسة بالتقليد الإلهي.تفسيرات آبائية متعددة

الخلفية التاريخية والثقافية

التفاصيلالعامل
القرن ١٥ قبل الميلاد تقريباً (حسب التسلسل الكتابي)التاريخ التقريبي للأحداث
منطقة ما بين النهرين (العراق الحالي) أو مناطق قريبةالموقع المحتمل
مجتمع زراعي/رعوي وصل لدرجة عالية من الفساد الأخلاقي والروحيالسياق المجتمعي

الخلفية الثقافية: في حضارات الشرق الأدنى القديم، كانت قصص طوفان عظيم شائعة (مثل ملحمة جلجامش السومرية). ولكن ما يميِّز القصة الكتابية هو الطابع الأخلاقي والعلائقي مع الله. فالله هنا ليس إلهاً متقلب المزاج، بل هو إله العدل والرحمة الذي يتألم من شر الإنسان. مصطلح "قار" (بالعبرية: כֹּפֶר "كُفَر") كان يُستخدَم كمادة عازلة تُستخرج من النفط أو مواد أخرى، وتُستعمل في تبليط السفن والبناء لمنع تسرُّب المياه. اختيار هذه المادة بالذات يُظهر عناية الله العملية والدقيقة بحياة نوح.

دراسة الكلمات

تحمل الكلمات الرئيسية في الآية معانٍ روحية عميقة:

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
يرمز إلى الكنيسة أو الصليب، مكان الأمان والخلاصH١٦١٣خشب السرو أو الخشب المُقاوم للماءعَصֵיעֲצֵי
يرمز إلى الحماية الكاملة التي يمنحها الله، ومنع فساد العالم من اختراق حياتناH٣٧٢٤مادة لاصقة عازلة (قار أو زفت)كُفَرכֹּפֶר
تُشير إلى الخلاص الجماعي وضرورة الشركة؛ الخلاص ليس فردياً فقط بل لعائلة الله كلها(مشتقة)غرف أو مقصوراتقِنِّيمקִנִּים

تأمل: "خشب جفر" – الجفر (السرو) هو خشب قوي ومعطَّر، يقاوم التعفن والماء. هكذا كنيسة المسيح، المبنية على صليب الخلاص (الخشب)، تبقى ثابتة رغم عواصف العالم وتُنعش برائحة قداسة الله. "تطليه من داخل ومن خارج بالقار" – الحماية شاملة. نعمة الله تحفظنا من الخارج (من تجارب العالم) وتُقدِّسنا من الداخل (في القلب والضمير). الله يُريد لخلاصنا أن يكون كاملاً.

الأهمية اللاهوتية

تُعلِّمنا هذه الآية حقائق جوهرية عن الله وخطته:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله هو المُخلِّص الذي يُهيِّئ وسيلة النجاة قبل أن تنزل الدينونة. دينونته على الشر مقرونة دائماً برحمته على التائبين.الله ومحبته
الفلك هو تمهيد مسيحي واضح. فكما خلص نوح وعائلته بالمياه، نخلص نحن بالماء والروح في المعمودية (يوحنا ٣: ٥). خشب الفلك يُشير إلى خشبة الصليب.المسيح والخلاص
عمل الله الدقيق في بناء الفلك (التفاصيل، الطلاء) يُشير إلى عمل الروح القدس الدؤوب في بناء كنيسة المسيح وتقديس المؤمنين من الداخل والخارج.الروح القدس
دعوة نوح للدخول إلى الفلك هي نموذج لدعوتنا إلى التألُّه (Theosis) – أي الدخول في شركة مع الله داخل كنيسته، حيث نُصان من الفساد ونتقدَّس لنصير مشابهين له.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

في التقليد المسيحي الأرثوذكسي، يُرى الفلك رمزاً كاملاً لكنيسة المسيح:

  • الخشب: يُشير إلى صليب المسيح، الشجرة التي بها نالنا الخلاص.
  • المساكن (الغرف): تُشير إلى تنوُّع المواهب والخدمات في جسد المسيح الواحد (١ كورنثوس ١٢)، وضرورة الحياة الجماعية في الشركة.
  • الطلاء بالقار من داخل وخارج: يرمز إلى سر الميرون (المسحة) المقدسة، حيث نُمسح بعد المعمودية لنصير "مسيحياً" (ممسوحاً) وننال ختم موهبة الروح القدس الذي يَحفظنا ويُقدِّسنا.
  • الطوفان: يرمز إلى المعمودية نفسها، حيث نموت عن الإنسان العتيق ونقوم إلى حياة جديدة (رومية ٦: ٤). الماء هو أداة دينونة للعالم وأداة خلاص للمؤمن.
  • نوح الداعي: صورة عن الكنيسة المُرسَلة لدعوة العالم إلى التوبة والدخول إلى ملجأ الخلاص.

القديس بطرس يربط هذا رمزياً مباشرةً بخلاصنا: "على مثال ما خلص فيه قليلون أي ثماني أنفس بالماء. مماثلها المعمودية الآن تُخلِّصنا" (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).

الاستخدام الليتورجي

قصة نوح والفلك لها حضور ليتورجي في الكنيسة الأرثوذكسية:

  • زمن الصوم الكبير: تُقرأ قصة الطوفان في الأسبوع الثاني من الصوم، كدعوة للتوبة والرجوع إلى الله، ملجأنا الوحيد. الفلك هو صورة عن حياة التوبة والعبادة داخل الكنيسة خلال رحلة الصوم.
  • عيد الظهور الإلهي (الغطاس): يرتبط الماء كعنصر خلاص ودينونة بمعمودية المسيح في نهر الأردن، حيث قدَّس المياه وأعطاها قوة أن تكون للخلاص والتجديد.
  • صلاة التكريس (بركة) المنزل: أحياناً يُذكر الفلك كرمز للحماية الإلهية التي يطلبها المؤمن لمنزله وأسرته.
  • الترانيم: تُوجد ترانيم (على سبيل المثال في تسبحة الغروب) تُشبِّه الكنيسة بالفلك الآمن وسط بحر العالم الهائج.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية اليوم إلى علاقة أعمق مع الله الذي يُعدُّ لنا ملجأ؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
الفلك هو مكان الأمان. كنيسة المسيح، من خلال الصلاة والشركة والأسرار، هي ملجأنا الحقيقي من ضغوط وقلق العالم. ادخل إلى "فلك الصلاة" اليوم لينعشك الله.الصلاة والعبادة
نوح لم يبني الفلك لنفسه فقط، بل لعائلته ولجميع الكائنات الحية. نحن مدعوون ليس فقط للخلاص الفردي، بل لخدمة الآخرين وإدخالهم إلى ملجأ محبة الله.العلاقات والخدمة
عندما تأتيك عواصف الحياة (مرض، حزن، تجربة)، تذكَّر أن الله قد هيَّأ لك فلكاً. ثق بأنه يُحيطك من كل جانب بحمايته، حتى لو بدا العالم من حولك يغرق.التجارب والصعوبات

تذكَّر: الله الذي أعطى نوحاً تعليمات دقيقة لبناء الفلك، هو نفس الله الذي يدعوك اليوم لتبني حياتك على كلمته وتعاليمه. قد لا تفهم كل شيء الآن، ولكن الثقة والطاعة، كما فعل نوح، تُؤهِّلك لترى خلاص الله العجيب. أنت لست وحيداً في مواجهة طوفان هذا العالم؛ الله قد بنى لك كنيسته لتكون فلك خلاصك. ادخل إليها، عِش فيها، وستجد الرجاء والأمان.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أبحث عن "ملجأي" عندما تأتي ضيقات الحياة؟ هل ألجأ أولاً إلى مصادر العالم أم أدخل إلى فلك الصلاة والكنيسة والكلمة؟ ٢. كيف يمكنني أن أكون "نوحاً" لعائلتي أو محيطي؟ أي كيف أدعو غيري إلى ملجأ محبة الله بطريقة عملية ومحبة؟ ٣. هل أسمح لنعمة الله أن "تطليني من الداخل والخارج"؟ أي هل أفتح قلبي لعمل الروح القدس التقديسي في أفكاري الداخلية وسلوكياتي الخارجية؟

يا رب، كما هيَّأت لفلك نوح خلاصاً من المياه، هيّئ لي ملجأ في كنيستك المقدسة. كما طلبت الفلك من الداخل والخارج بالقار، أطلب أن تمسح قلبي بكلمة نعمتك وروح قدسك ليحفظاني من كل فساد. علمني أن أطيع كما أطاع نوح، واثقاً بأن طريقك هو طريق الحياة. آمين.

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
يربط الفلك بالمعمودية وخلاصنا في المسيح بوضوح.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
يُشبِّه الإيمان الحقيقي الذي يُخلِّص بالإيمان الذي حرَّك نوح لبناء الفلك.عبرانيين ١١: ٧
يُظهر أن خلاص الله ليس فردياً، بل يدعو الجميع إلى التوبة والنجاة، كما دعا نوح الناس في زمانه.متى ٢٤: ٣٧-٣٩
يربط بين الخشب (صليب المسيح) وخلاصنا، مثلما ربط الآباء بين خشب الفلك وخلاص نوح.١ بطرس ٢: ٢٤
يُشير إلى المسيح كملجأنا الحقيقي والوحيد.مزمور ٤٦: ١

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٨: "وَلَكِنْ نُوحًا وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ." (أساس اختيار نوح)
  • تكوين ٧: ١: "ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِنُوحٍ: ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ." (الدعوة للدخول إلى الملجأ)
  • متى ٢٤: ٣٧-٣٩: "وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ." (الطوفان كرمز لدينونة آخر الزمان)
  • عبرانيين ١١: ٧: "بِالإِيمَانِ نُوحٌ... بَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ." (الإيمان كقوة دافعة لطاعة الله)
  • ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١: "... فِي أَيَّامِ نُوحٍ... الَّذِي مَثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ أَيْضًا، أَعْنِي الْمَعْمُودِيَّةَ." (الارتباط اللاهوتي بين الفلك والمعمودية)