ماذا تعني تكوين 6:13؟
تفسير تكوين ٦: ١٣ من المنظور الأرثوذكسي
المعنى والشرح
تعتبر هذه الآية لحظة مؤثرة في حوار الله مع نوح، حيث يُعلن الله قراره بإنهاء فترة الصبر الطويل وإحداث طوفان على الأرض. يقول الله: "نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي" — وهذا لا يعني أن الله غاضب فحسب، بل إنه يعلن أن البشرية وصلت إلى نقطة اللاعودة حيث لم يعد هناك رجاء في توبتهم. ثم يذكر السبب: "لِأَنَّ ٱلْأَرْضَ ٱمْتَلَأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ"، مما يُظهر أن الشر لم يعد مجرد تصرفات فردية، بل أصبح نظامًا عالميًا يملأ الخليقة كلها. وأخيرًا يعلن: "فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ ٱلْأَرْضِ" — هنا نرى أن الدينونة تشمل الأرض نفسها، لأن الخطية أفسدت ليس قلوب البشر فقط، بل والطبيعة التي سُلمت إليهم.
لكن حتى في هذا الإعلان الصارم، تظهر محبة الله ورحمته. فالله لا يُهلك بسرعة أو بغضب، بل بعد فترة طويلة من الصبر والأناة (١ بطرس ٣: ٢٠). وهو يُخبر نوحًا مقدّمًا، ويعطيه تعليمات لبناء الفلك، مما يظهر أن الله في وسط الدينونة يهتم بخلاص من يريدون الحياة معه. الله هنا مثل الطبيب الذي يُضطر لبتر العضو الفاسد لإنقاد الجسد كله، أو مثل الأب الذي يؤدب أبناءه لأن محبته لا تسمح لهم بأن يهلكوا في شرورهم.
هذه الآية تدعونا إلى النظر إلى خطيتنا بجدية، وإلى ثقتنا برحمة الله التي لا تنتهي. فالله نفسه هو الذي يقرر "النهاية"، وهو الذي يضع أيضًا "البداية الجديدة" من خلال نوح وعائلته. حتى في أحلك لحظات التاريخ، يبقى الله أمينًا لعهده مع خليقته، ومستعدًا أن يبدأ من جديد مع من يفتشون عن وجهه.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تاريخي/شريعة | النوع الأدبي |
| موسى النبي (تقليدياً) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية | الجمهور الأصلي |
| دينونة الله ورحمته المتزامنتان | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في ذروة القصة التي تسبق الطوفان. في الآيات السابقة (تكوين ٦: ٥-١٢) يرى الله أن شر الإنسان قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. يحزن الله في قلبه (آية ٦) — تعبير مؤثر يظهر أن الدينونة ليست قرارًا باردًا، بل استجابة لمحبة جُرحت. بعد هذه الآية مباشرة (آية ١٤-٢٢) يعطي الله تعليمات مفصلة لبناء الفلك، مما يظهر أن رحمته تسبق وتصاحب دينونته.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخليقة، بداية الخطية، بداية الدينونة، وبداية الخلاص. هذه الآية تقع في القسم الذي يُظهر كيف أن الخطية (التي بدأت في جنة عدن) انتشرت وفسدت العالم كله. لكن السفر كله يُظهر أيضًا أن الله لا يتخلى عن خطته للخلاص. فبعد الطوفان، يعيد الله التأكيد على عهده مع نوح (تكوين ٨: ٢١-٢٢؛ ٩: ٨-١٧)، مُظهرًا أن رحمته أقوى من دينونته.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| "الله لم يُهلك البشرية لأنهم أغضبوه، بل لأنهم أهلكوا أنفسهم بشرورهم. دينونته هي تصحيح للفساد، وليست انتقامًا." | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "الطوفان كان دواءً للعالم المريض. فكما أن الطبيب يقطع العضو الفاسد لإنقاذ الجسد، هكذا الله أزال الشر ليبقى الخير." | القديس باسيليوس الكبير |
| "الله قال 'نهاية كل بشر' لكنه استثنى نوحًا. هذا يُظهر أن الدينونة ليست على الجنس البشري ككل بلا تمييز، بل على الذين رفضوا التوبة." | التقليد الآبائي عمومًا |
| "كلمة 'أمامي' مهمة: فالشر صار علنيًا وجريئًا، لم يعد خفيًا. الخطية عندما تفقد حتى خجلها، تكون نهايتها قريبة." | القديس يوحنا ذهبي الفم |
يرى آباء الكنيسة أن هذه الآية تُظهر التوازن بين عدل الله ورحمته. فالدينونة تأتي لأن الله محب وقدوس — لا يستطيع أن يتغاضى عن الشر الذي يُدمر خليقته ويُعذب البشر. لكن رحمته تظهر في أنه أعطى وقتًا للتوبة (١٢٠ سنة حسب تكوين ٦: ٣)، وفي أنه خلق مخرجًا عبر الفلك.
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن الله يضع حدودًا للشر ولا يسمح بأن يستمر إلى الأبد | H٧٠٨٣ | نهاية، حد، غاية | قِص | קֵץ |
| تكشف أن الله يرى كل شيء، والشر لا يخفي عليه | H٥٤٤٠ | إلى وجهي، أمام عينيّ | لِفْنِي | לְפָנָי |
| تُبيّن مدى فساد الوضع: الأرض كلها امتلأت، لم يبق مكان للبر | H٤٣٩٠ | امتلأت، شُبعت | مَلْئَتْ | מָלְאָה |
| تُظهر طبيعة الخطية: ليست أخطاء فردية بل نظام ظلم | H٢٥٥٥ | ظلم، عنف، شرّ | حَامَس | חָמָס |
| تذكّرنا أن الدينونة من فعل الله، وليست صدفة أو قدرًا أعمى | H٦٦٦٣ | أُهلك، أُبيد، أُفنيت | مَشْحِيتُ | מַשְׁחִית |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله قدوس ولا يتغاضى عن الشر، لكن دينونته دائمًا مقرونة بالرحمة | الله ومحبته |
| نوح كمخلص صغير يشير إلى المسيح المخلص الأعظم الذي ينجّي من دينونة الخطية | المسيح والخلاص |
| الطوفان يُطهّر الأرض كما أن الروح القدس يُطهر قلوبنا في المعمودية | الروح القدس |
| نداء للتوبة قبل فوات الأوان، والسعي نحو القداسة | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
يرى التقليد الأرثوذكسي في هذه الآية وفي قصة الطوفان ككل تمهيدًا عظيمًا لخلاص المسيح:
- نوح يُرى كرمز للمسيح: فهو "البار" الوحيد في جيل فاسد (حسب تكوين ٦: ٩)، وهو الذي يبني "فلك الخلاص" كما أن المسيح يبني كنيسته.
- الفلك يرمز إلى الكنيسة: فكما أن الفلك حمى من كان فيه من الطوفان، هكذا الكنيسة تحمي المؤمنين من دينونة الخطية. مدخل الفلك الواحد يرمز إلى المعمودية الواحدة (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
- الطوفان يرمز إلى المعمودية: فكما أن المياه أهلكت الأشرار وطهرت الأرض، ثم خرج نوح إلى حياة جديدة، هكذا ماء المعمودية يهلك الإنسان العتيق ويُقيم الإنسان الجديد (كولوسي ٢: ١٢).
- الحمامة مع غصن الزيتون (التي ستظهر بعد الطوفان) ترمز إلى الروح القدس الذي يجلب السلام والمصالحة بين الله والإنسان.
الاستخدام الليتورجي
تُستخدم قصة الطوفان ونوح في الليتورجيا الأرثوذكسية بعدة طرق:
- أسبوع الصليب (الأسبوع الثالث من الصوم الكبير): تُقرأ قصة الطوفان كرمز للخلاص عبر الصليب، حيث أن الصليب أصبح فلك خلاصنا.
- قداس عيد الظهور الإلهي (الغطاس): تُذكر المعمودية كـ"طوفان جديد" يطهر المؤمن ويهبه حياة جديدة.
- صلاة المساء: أحيانًا تُذكر دينونة الطوفان كتذكير بضرورة السهر والاستعداد لمجيء المسيح الثاني.
- الرسالة في قداس أحد آباء المجمع المسكوني الأول: تُقرأ ١ بطرس ٣: ٨-١٥ والتي تذكر الطوفان كرمز للمعمودية.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن الله يرى كل شيء، وندعوه ليرى ضعفاتنا ويشفيها | الصلاة والاعتراف |
| تحثنا على محاربة "الظلم" في أنفسنا أولاً، ثم في العالم حولنا | النمو في الفضيلة |
| تشجعنا على الثقة بأن الله يضع حدودًا للشر، حتى في أحلك الأوقات | الرجاء في التجارب |
هذه الآية تدعونا أولاً إلى فحص ضميرنا: أين تمتلئ حياتنا من "الظلم"؟ ليس فقط الظلم للآخرين، بل الظلم لأنفسنا عندما نعيش بغير ما خلقنا له. الله يدعونا أن نكون مثل نوح، الذي "وجد نعمة في عيني الرب" (تكوين ٦: ٨) لأنه سار مع الله.
ثم تدعونا إلى الثقة في رحمة الله حتى في التأديب. فالله الذي أهلك العالم الفاسد هو نفسه الذي حفظ نوحًا وأعاده إلى أرض جديدة. في حياتنا، عندما نمر بتأديب أو صعوبة، يمكننا أن نثق أن الله يعمل لخيرنا، ليكسر فينا ما هو فاسد ويقيمنا إلى حياة جديدة.
أخيراً، تدعونا إلى أن نكون "فلك خلاص" للآخرين. فكما أن نوح لم ينج وحده بل مع عائلته والحيوانات، هكذا دعوتنا أن نساعد الآخرين على دخول شركة الخلاص في الكنيسة.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أمام الله: الآية تقول "أتت أمامي". ما الذي "أمام الله" في حياتي الآن؟ هل هناك أشياء أخفيها، أم أنني أعيش بصراحة وشفافية في حضرته؟
٢. امتلاء الأرض ظلماً: كيف تسرب "الظلم" إلى أفكاري وكلماتي وتصرفاتي؟ أين أحتاج إلى طلب تطهير الروح القدس؟
٣. النعمة في وسط الدينونة: الله أعطى نوحاً تعليمات للنجاة. ما هي "التعليمات" التي أعطاني إياها الله لخلاصي (الوصايا، الأسرار، الصلاة)؟ هل أتبعها بإيمان؟
٤. الصلاة: "يا رب، كما أعطيت نوحاً نعمة في عينيك وسط جيل فاسد، أعطني أنا أيضاً نعمة لأسير معك. طهر قلبي من كل ظلم، واجعلني فلك خلاص لمن حولي. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تظهر أن دينونة الله تأتي بعد صبر طويل، وليس بغتة | ١ بطرس ٣: ٢٠ |
| توضح أن الطوفان كان رمزاً للمعمودية التي تخلصنا | ١ بطرس ٣: ٢١ |
| تذكر أن نوح كان كارزاً للبر، مما يظهر أن الله أعطى فرصة للتوبة | ٢ بطرس ٢: ٥ |
| تظهر أن إيمان نوح جعله يبني الفلك قبل أن يرى الطوفان | عبرانيين ١١: ٧ |
| تذكر أن البشرية في أيام المسيح الثانية ستكون كما في أيام نوح | متى ٢٤: ٣٧-٣٩ |
| تعلن أن دينونة الله تبدأ من بيت الله أولاً، أي منا نحن | ١ بطرس ٤: ١٧ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٦: ٨: "وَلَكِنْ نُوحًا وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ." — تذكير بأن النعمة تسبق الدينونة.
- تكوين ٦: ٩: "هَذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ. كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ. سَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ." — سر خلاص نوح: البر والمشي مع الله.
- إشعياء ٥٤: ٩: "لأَنَّ هَذَا لِي كَمِيَاهِ نُوحٍ. حَيْثُ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَعُودَ أُغْرِقُ الْأَرْضَ بِمِيَاهِ نُوحٍ." — وعد الله بعدم إهلاك الأرض بالماء مرة أخرى.
- متى ٢٤: ٣٧: "وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الْإِنْسَانِ." — تحذير للسهر والاستعداد.
- لوقا ١٧: ٢٦-٢٧: "وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا فِي أَيَّامِ ابْنِ الْإِنْسَانِ..." — دعوة للتوبة قبل فوات الأوان.
- ٢ بطرس ٣: ٦-٧: "الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ... غَرِقَ بِالْمَاءِ. وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ الْكَائِنَتُ الآنَ فَهِيَ مَوْفُوظَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا..." — ضمان أن دينونة النار الآتية ستكون أيضاً وفق عدل الله ورحمته.