ماذا تعني تكوين 5:16؟
المعنى والشرح
تخبرنا هذه الآية من سفر التكوين أن مهلالئيل عاش بعد أن ولد ابنه يارد ثمانمائة وثلاثين سنة، وأنجب خلال هذه السنوات الطويلة بنين وبنات. قد تبدو هذه الأرقام الكبيرة غريبة للقارئ المعاصر، لكنها تحمل رسالة عميقة عن محبة الله و بركته المستمرة. في قلب هذا السرد البسيط للأنساب، نرى الله الأمين الذي يحفظ وعوده ويبارك ذرية آدم رغم السقوط، ويضمن استمرارية الحياة البشرية كمسار نحو تحقيق وعوده الخلاصية. هذه السنوات الطويلة ليست مجرد أرقام، بل هي شهادة على أناة الله وصبره الذي يمنح البشرية الوقت للتوبة والعودة إليه، وعلى بركته الخصيبة التي تظهر في إنجاب البنين والبنات.
في التقليد الأرثوذكسي، نرى في هذه القوائم الطويلة للأنساب تذكيرًا بأن الله هو مصدر الحياة وواهبها. كل سنة من هذه السنوات الثمينة هي هبة من محبته، وكل ولد أو بنت هو إعلان جديد عن رغبة الله في امتداد البشرية واتساع دائرة محبته. حتى في الفترة التي تلت السقوط، لم يتخلَّ الله عن خليقته، بل ظل يعمل في صمت عبر الأجيال ليحفظ نسل المرأة (تكوين ٣: ١٥) الذي سيأتي منه المخلِّص. هكذا، فإن حياة مهلالئيل الطويلة والمثمرة هي جزء من نسيج محبة الله الخلاصية الذي ينسجه عبر التاريخ.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي / قائمة أنساب | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية / جميع المؤمنين | الجمهور |
| بركة الله واستمرارية الحياة في خطة الخلاص | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في الإصحاح الخامس من سفر التكوين، وهو "سفر أنساب آدم" (تكوين ٥: ١). يأتي هذا الإصحاح بعد قصة السقوط (الإصحاح ٣) وقصة قايين وهابيل (الإصحاح ٤)، وقبل قصة الطوفان (الإصحاح ٦-٩). يُقدِّم الإصحاح الخامس قائمة منتظمة تسلط الضوء على نسل شيث (الابن الثالث لآدم الذي أُعطي عوضًا عن هابيل)، متبعًا نمطًا ثابتًا: عمر الأب عند ولادة ابنه المحدد، وعدد السنوات التي عاشها بعد ذلك، وذكر إنجاب بنين وبنات، ثم إجمالي عمره. تُظهر هذه القائمة استمرارية خط النعمة الذي حفظه الله رغم انتشار الخطية والموت.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخلق، بداية البشرية، بداية الخطية، وبداية وعد الفداء. تُظهر قائمة الأنساب في الإصحاح الخامس كيف أن خطة الله الخلاصية تتقدم بثبات عبر الأجيال. إنها جسر بين الوعد الأول بتحطيم رأس الحية (تكوين ٣: ١٥) والتحقيق النهائي لهذا الوعد في ملء الزمان. تُعلّمنا أن الله يعمل في إطار الزمن والتاريخ، ويستخدم العائلات والأجيال كقنوات لبركته ونعمته، مؤكدًا أن محبته لا تنقطع أبدًا.
التفسير الآبائي
لم يترك لنا آباء الكنيسة تعليقات مفصلة على كل اسم في قائمة الأنساب، لكنهم رأوا في هذه القوائم شهادة على عناية الله وتمهيدًا لسر التجسد.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| رؤية هذه الأنساب كسجل لرحمة الله التي تحفظ الجنس البشري من الفناء بعد السقوط، وتضمن استمرارية الحياة حتى مجيء المخلِّص. | التقليد الآبائي عمومًا |
| التأكيد على أن طول الأعمار قبل الطوفان كان نعمة خاصة من الله، تمنح البشرية فرصة أطول للتوبة والعودة إليه، وتُظهر صبره العظيم. | التفسيرات المتناقلة في كتابات الآباء |
| النظر إلى "وَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ" كعلامة على بركة الله الخصيبة التي لم تُسلب تمامًا رغم لعبة الأرض بسبب الخطية (تكوين ٣: ١٧). فالله لا يزال هو واهب الحياة. | الاستنادات إلى فكر الآباء مثل القديس يوحنا ذهبي الفم حول العناية الإلهية |
الخلفية الثقافية
في العالم القديم، وخاصة في الثقافة اليهودية، كانت قوائم الأنساب تحمل أهمية كبرى. فهي لم تكن مجرد سجلات عائلية، بل كانت:
- دليل على الهوية والشرعية: كانت تثبت انتماء الشخص إلى شعب العهد وارتباطه بوعود الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب.
- شهادة على بركة الله: كان كثرة الأولاد وطول العمر يُعتبران من أعظم بركات الله الملموسة (انظر المزمور ١٢٧: ٣-٥).
- ربط الحاضر بالماضي المقدس: كانت تربط الأجيال اللاحقة بآبائهم الأوائل وبقصة الخلق والسقوط والوعد. لذلك، عندما يقرأ القارئ الأصلي أن مهلالئيل عاش ٨٣٠ سنة بعد ولادة يارد، وأنجب أولادًا، فهو لا يرى أرقامًا مجردة، بل يرى قصة نجاح روحي بمعنى ما – حياة مباركة تحت عين الله، ساهمت في حفظ النسل البشري واستمرارية خطة الخلاص.
دراسة الكلمات
نلقي نظرة على الكلمات الرئيسية في الآية لفهم أبعادها الروحية:
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُشير إلى الحياة كهدية إلهية مستمرة، وليس مجرد وجود بيولوجي. الله هو مصدر ومانح الحياة الحقيقية. | H٢٤٢٥ | عاش، بقي على قيد الحياة، ازدهر | حَيَّا | חָיָה |
| تذكرنا بأن الله هو خالق الحياة والقادر على إعطائها. الإنجاب علامة على مشاركة الإنسان في قوة الله الخالقة (ضمن الحدود المخلوقة). | H٣٢٠٥ | ولد، أنجب، صار أبًا | يَلَد | יָלַד |
| الرقم ٨٣٠ (ثمانمئة وثلاثون) يُظهر سعة الوقت الذي منحه الله. في الرمزية الأرثوذكسية، الأرقام الكبيرة قد ترمز إلى الوفرة الإلهية و صبر الله غير المحدود. | - | عدد كامل، فترة زمنية طويلة | - | - |
مقارنة الترجمات
| النص | الترجمة |
|---|---|
| وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ بَعْدَ مَا وَلَدَ يَارَدَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. | فان دايك |
| وعاش مهللئيل، بعد ما ولد يارد، ثماني مئة وثلاثين سنة، وولد بنين وبنات. | الترجمة العربية المشتركة |
| وعاش مهللئيل بعد ولادة يارد ثمانمئة وثلاثين سنة، ووَلَدَ بنين وبنات. | كتاب الحياة |
| وعاش مهللئيل، بعد ما ولد يارد، ثماني مئة سنة وثلاثين سنة، وولد بنين وبنات. | الترجمة اليسوعية |
الاختلافات طفيفة جدًا وتكاد تنحصر في كتابة الأرقام (ثماني مئة مقابل ثمانمئة) وعلامات الترقيم. جميعها تنقل المعنى نفسه بدقة.
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| تُظهر الآية محبة الله الصابرة التي تمنح البشرية وقتًا طويلًا للعيش والتكاثر، رغم الخطية. كما تُظهر أمانته لوعده بالحفاظ على الحياة البشرية. طول العمر والإنجاب هما من بركات العناية الإلهية. | الله ومحبته |
| تُشير هذه السلسلة من الأنساب، التي تصل إلى نوح ثم إلى إبراهيم، وفي النهاية إلى المسيح (لوقا ٣: ٢٣-٣٨)، إلى الاستمرارية التاريخية لخطة الخلاص. الله يهيء الطريق لمجيء المخلِّص عبر الأجيال. | المسيح والخلاص |
| يمكن أن نرى في قوة الحياة المتجددة عبر الولادات عمل الروح القدس، "الرب المحيي"، الذي يُعطي الحياة لكل جسد ويحفظ وجود الخليقة. | الروح القدس |
| تدعو الإنسان إلى الشكر على هبة الحياة والوقت، وإلى استغلال أيامه على الأرض لمجد الله وخدمة القريب، والسير في طريق القداسة كسعي نحو الاتحاد بالله. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
يُعد الإصحاح الخامس من تكوين بأكمله تمهيدًا نبويًا لمجيء المسيح. كل اسم في هذه القائمة هو حلقة في السلسلة الذهبية التي تربط آدم بالمسيح "آدم الأخير" (١ كورنثوس ١٥: ٤٥). رأى الآباء في هذه الأنساب إشارة إلى شعب الله الذي يحفظه الرب عبر التاريخ. إن حياة مهلالئيل الطويلة والمثمرة ترمز إلى امتداد نعمة الله واستمراريتها. في التقليد الأرثوذكسي، كل قديس هو مثل "مهلالئيل" روحي، يعيش سنين طويلة (من النعمة) ويولد أبناء روحيين (بالبشارة والمثال) ليُوسع ملكوت الله. هكذا تُشير هذه الآية، ضمن سياقها، إلى الكنيسة التي تنجب أبناء لله بالإيمان عبر الأجيال.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكير بأن الوقت هبة: كل يوم هو عطية من محبة الله. يمكننا أن نخصص وقتًا للصلاة وقراءة الكلمة والشكر، مستغلين "سنواتنا" لتنمية علاقتنا مع الله. | الصلاة والعبادة |
| تقدير العائلة: تذكرنا "وولد بنين وبنات" بأن الأسرة هي هبة ومهمة مقدسة. يمكننا أن نسعى لبناء بيوت مسيحية تكون مهدًا للإيمان، ونبارك أطفالنا وندعو لهم. | العلاقات والخدمة |
| الصبر في مسيرة الإيمان: كما كان الله صبورًا طوال تلك الأجيال، نحن مدعوون للصبر في تجاربنا. الحياة المسيحية هي سباق طويل، وعلينا أن نثبت إلى النهاية، واثقين أن الله يعمل في خفاء الأيام والسنين. | التجارب والصعوبات |
حتى عندما تشعر بأن حياتك روتينية أو غير مميزة، تذكر أن الله يعمل في الوقت العادي و الأيام البسيطة. لقد استخدم حياة مهلالئيل الطويلة التي تبدو لنا "عادية" كحلقة أساسية في سلسلة الخلاص. حياتك أيضًا، بأيامها وعلاقاتها، هي جزء من فسيفساء جميلة ينسجها الله. ثق أنه حتى في التفاصيل الصغيرة، محبته تعمل لخيرك ولخير الكثيرين من خلالك.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. ما هي "هبات الوقت والعلاقات" التي منحك إياها الله في حياتي، وكيف يمكنني أن أستخدمها بشكل أفضل لمجده؟ ٢. كيف يمكنني أن أكون قناة لبركة الله و "أولد" ثمرًا روحيًا (محبة، فرح، سلام) في محيطي، مثلما كانت حياة مهلالئيل مثمرة بالبنين والبنات؟ ٣. أيها الله الصبور، الذي حفظ نسل آدم عبر الأجيال، علمني أن أقدر هبة الحياة والزمن الذي منحتيني إياه. ساعدني لأعيش كل يوم في شركة معك، وأكون سبب بركة للآخرين، حتى أكون حلقة صالحة في سلسلة محبتك المتواصلة. آمين.
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تؤكد على أن الحياة والذرية هما من بركات الله الأساسية للإنسان. | المزمور ١٢٧: ٣ - "هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ." |
| تُظهر استمرارية سلسلة النسل المقدسة من آدم إلى المسيح، حيث يرد اسم مهلالئيل. | لوقا ٣: ٣٧ - "... بْنُ مَهَلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ" |
| توضح النظرة المسيحية للوقت والحياة كفرصة للنمو في النعمة. | أفسس ٥: ١٥-١٦ - "فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِتَدَقُّق... مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ." |
| تذكرنا بأن أبناء وبنات الله الحقيقيين هم الذين يولدون من فوق، بالروح. | يوحنا ٣: ٥-٦ - "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ." |
آيات ذات صلة
- تكوين ٥: ٥: "فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَمِئَةٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ." (تُظهر حقيقة الموت بعد السقوط، ولكن بعد عمر طويل).
- تكوين ٩: ١: "وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ.»" (تكرر بركة الإنجاب بعد الطوفان).
- مزمور ٩٠: ١٠: "أَيَّامُ سِنِينَا بِهَا سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ بِالْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً..." (تباين مع أعمار ما قبل الطوفان، ودعوة لحكمة استخدام الوقت).
- ١ تيموثاوس ٢: ٤: "الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ." (تظهر إرادة الله الخلاصية التي تعمل عبر كل الأجيال).
- ٢ بطرس ٣: ٩: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبِّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ." (تُفسر صبر الله وطول أناته، وهو ما تجسده تلك الأعمار الطويلة).