ماذا تعني تكوين 5:27؟
تفسير تكوين ٥: ٢٧
"فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ مَتُوشَالَحَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ."
المعنى والشرح
هذه الآية، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد سرد تاريخي أو إحصائي في سلسلة نسب، تحمل في طياتها رسالة عميقة عن محبة الله، وصبره الطويل، وعلاقته بالإنسان عبر الأجيال. إنها تُظهر لنا أن الله ليس إلهًا بعيدًا أو غير مكترث، بل هو إله يعرف كل واحد من خليقته بالاسم، ويحصي أيامه، ويهتم بمسيرة حياته من الميلاد حتى الموت. عبارة "ومات" في نهاية هذه الحياة الطويلة ليست نهاية القصة، بل تذكير بواقع سقوط الإنسان، ولكنها أيضًا تلميح إلى رجاء الخلاص الذي سيأتي من نسل المرأة (تكوين ٣: ١٥).
الله في صلاحه منح الإنسان في الأزمنة الأولى عمرًا طويلًا، ليس كمكافأة دنيوية فحسب، بل كفرصة ثمينة للمعرفة، والتوبة، والنمو في الشركة مع الخالق. إن طول العمر هنا هو تعبير عن رحمة الله ورغبته في أن يختبر الإنسان صلاحه ويعرفه. كل يوم من هذه الأيام التسعمائة والتسع والستين كان هبة من محبة الله، ودعوة مستمرة للتواصل معه. حتى في ذكر الموت، نرى يد الله الحانية التي تقبِل الإنسان إلى راحته بعد رحلة أرضية طويلة، مذكِّرًا إيانا أن حياتنا الحقيقية هي في الشركة الأبدية معه.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي / أنساب | النوع الأدبي |
| موسى النبي (تقليديًا) | الكاتب |
| شعب إسرائيل في البرية / المؤمنون عبر العصور | الجمهور |
| صبر الله، واقع الموت، ورجاء الخلاص | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في قلب الإصحاح الخامس من سفر التكوين، وهو إصحاح يُعرَف بـ "سِفْر مواليد آدم". يقدِّم هذا الإصحاح سلسلة نسب من آدم إلى نوح، مع نمط متكرر: وُلِدَ لَهُ ابن، وعاش بعده سنين، ووَلَدَ بنين وبنات، وكانت كل أيامه كذا سنة، ومات. هذا النمط يؤكد واقع الموت كنتيجة للسقوط (تكوين ٣: ١٩)، لكنه يُظهر أيضًا استمرارية نعمة الله عبر الأجيال، حيث يحفظ وعده بوجود نسل للمرأة.
مَتُّوشَالَح هو ابن أخنوخ (الرجل الذي "سار مع الله"، تكوين ٥: ٢٢-٢٤) وأبو لامك، وجد نوح. موته، بحسب التسلسل الزمني، وقع قبل الطوفان مباشرة. رأى آباء الكنيسة في هذا دليلاً على أناة الله ورحمته، حيث منح البشرية وقتًا طويلاً للتوبة قبل الدينونة (الطوفان)، ممثلاً في طول عمر مَتُّوشَالَح، أطول الأعمار المسجَّلة (٩٦٩ سنة).
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات والأسس. يُظهر الفصول الأولى من تاريخ علاقة الله بالإنسان: الخلق، السقوط، الوعد بالخلاص. الإصحاح الخامس هو جسر بين قصة السقوط (الإصحاحات ١-٣) وقصة الطوفان (الإصحاحات ٦-٩). يُظهِر هذا التسلسل النَّسَبي أن خطة الله للخلاص تسير قدماً رغم الخطية والموت، مؤكدًا أن محبته وإرادته الخيِّرة لن تُقهَر. الله يعمل في صمت عبر الأجيال، مستعدًا لعمل الخلاص العظيم.
التفسير الآبائي
يقدم لنا آباء الكنيسة قراءة روحية عميقة لهذه الأعداد، يرون فيها أكثر من مجرد سرد تاريخي.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يرى الآباء أن طول الأعمار قبل الطوفان كان علامة على صلاح الله الأول. لقد منح الله الإنسان حياة طويلة كفرصة لمعرفة الخالق والتوبة والتمتع بشركته. كان هذا تعبيرًا عن رحمة الله، وليس مجرد صفة طبيعية للإنسان. | التقليد الآبائي عمومًا (مثل القديس يوحنا ذهبي الفم في عظاته على سفر التكوين) |
| يُلاحظ أن مَتُّوشَالَح مات قبل الطوفان (حسب التسلسل الزمني). هذا يعني أن الله، في رحمته، أنظر الدينونة (الطوفان) حتى وفاة أطول المعمرين، ربما كفرصة أخيرة للتوبة أو كعلامة على أن الله لا يُسر بموت الخاطئ. | القراءة التقليدية للتسلسل الزمني |
| حياة مَتُّوشَالَح الطويلة تُرى كرمز لـ صبر الله الطويل الأناة (أنظر ٢ بطرس ٣: ٩). الله لا يعجل بالدينونة، بل يمنح وقتًا واسعًا للتوبة، مظهرًا أن محبته تشتهي خلاص الجميع. | التفسير الرمزي الآبائي |
| التركيز على "ومات" يُذكرنا بحقيقة الموت كأجرة للخطية (رومية ٦: ٢٣). لكن الآباء يوجهون نظرنا من هذا الموت إلى الموت الذي يهزم الموت، أي موت وقيامة المسيح، الذي يمنحنا الحياة الأبدية. | التركيز في العظات على الآلام (الباسيليكي) |
الأهمية اللاهوتية
تكشف هذه الآية البسيطة حقائق لاهوتية عميقة عن محبة الله وعمله:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله صبور ورحيم. طول عمر مَتُّوشَالَح ليس حدثًا عشوائيًا، بل هو جزء من توقيت الله الرحيم. الله يتحلى بأناة عظيمة، غير راغب في هلاك أحد، بل في أن يبلغ الجميع إلى التوبة (٢ بطرس ٣: ٩). محبته تظهر في منحه فرصًا متعددة. | الله ومحبته |
| المسيح هو غاية النَّسَب. هذه السلسلة من "وُلِدَ... ومات" تؤدي في النهاية إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، وأخيراً إلى المسيح (متى ١: ١-١٧). كل موت في هذه القائمة يذكرنا بالحاجة إلى مخلِّص يهزم الموت نفسه. حياة مَتُّوشَالَح الطويلة تشير رمزيًا إلى انتظار البشرية الطويل للفادي الموعود. | المسيح والخلاص |
| حياتنا هبة من الله. عدد الأيام محسوب ("تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعًا وَسِتِّينَ"). الله يعرف طول حياتنا بالضبط (أيوب ١٤: ٥). هذه المعرفة ليست قَدَرية، بل أبوية. فهو الذي يمنحنا وقتنا على الأرض كفرصة للشركة معه، ولخدمة الآخرين، وللتأهل للملكوت. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
من منظور العهد الجديد والقراءة المسيحية، نرى في هذه الآية تلميحات وتحضيرات:
- الرمزية العددية: رأى بعض المفسرين في الرقم ٩٦٩ رمزًا. الرقم ٩ في الكتاب المقدس يرتبط أحيانًا بثمار الروح (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣ تسعة ثمار)، والدينونة، والكمال. قد يشير طول العمر هذا إلى امتلاء الوقت الذي أعطاه الله للبشرية قبل الدينونة (الطوفان)، كمثال على صبر الله الكامل.
- التمهيد للمسيح: دورة "وُلِدَ... ومات" التي تنتهي بموت مَتُّوشَالَح تُظهِر حاجتنا إلى مخلِّص يكسر هذه الدورة. المسيح وحده، من نسل آدم هذا، دخل التاريخ، وعاش حياة بلا خطية، ومات طوعًا، ولكنه قام منتصرًا على الموت، محطمًا قوته إلى الأبد. قيامته تمنح رجاءً لكل من يموت في الرب.
- الانتظار والرجاء: الفترة الطويلة بين آدم والطوفان، الممثَّلة في حياة مَتُّوشَالَح، ترمز إلى فترة انتظار البشرية للخلاص. الله كان يعمل في صمت، محافظًا على خط النسل الذي منه سيأتي المسيح. هذا يعلمنا أن صبر الله له هدف خلاصي.
التطبيق الروحي
كيف يمكن لهذه الآية عن رجل عاش ومات قبل آلاف السنين أن تلمس حياتنا اليوم؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا بقيمة الوقت. كل يوم هو هبة (عطية) من الله. حياتنا، سواء كانت طويلة أو قصيرة، هي فرصة مقدسة للنمو في محبة الله والخدمة والقرب منه. لا يجب أن نضيع وقتنا. | الصلاة والعبادة |
| تُعزينا في رحيل الأحبة. عبارة "ومات" موجزة وحزينة، لكنها في سياق سفر التكوين الكامل ليست الكلمة الأخيرة. الإيمان بالقيامة يمنحنا رجاءً. كما أن الله اعتنى بمَتُّوشَالَح في حياته وموته، فهو يعتني بأحبائنا. | العلاقات (في الفقدان) |
| تشجعنا على الصبر والرجاء. إذا كان الله قد تحلى بأناة لقرون قبل الطوفان، فهو صبور معنا اليوم. هذا يمنحنا رجاءً في تجددنا الشخصي، ويشجعنا على أن نتحلى بالصبر مع أنفسنا والآخرين في رحلة النمو الروحي. | التجارب والنمو الشخصي |
تأمل: حياتك ليست سلسلة من الأيام العابرة، بل هي قصة تُكتب بمحبة الله. هو يعرف عدد أيامك، ويرافقك في كل واحدة منها. حتى عندما تواجه واقع الألم أو الفقد، تذكر أن الله الكائن خارج الزمن، والذي قصد لك حياة أبدية، يسير معك. دع قصة مَتُّوشَالَح تذكرك بأن الله أمين عبر الأجيال، وأن محبته تصل إليك اليوم كما وصلت إليه قبل آلاف السنين.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. تأمل في وقتك: كيف أستخدم هبة الوقت التي أعطاني إياها الله؟ هل أراها فرصة للنمو في محبته وخدمة قريبي؟ ٢. تأمل في صبر الله: في أي مجال من حياتي أحتاج إلى أن أختبر صبر الله ورحمته اليوم؟ كيف يمكن أن أجسد هذه الصفة في تعاملي مع الآخرين؟ ٣. حوِّل الآية إلى صلاة: "أيها الرب، يا من أحصيت أيام مَتُّوشَالَح وعرفته، أعطني أن أعيش أيامي في شركتك. علمني أن أقدّر كل يوم كفرصة للتوبة والمحبة. وفي ساعة رحيلي، كما قبلت عبدك، اقبلني في أحضان رحمتك، بصلوات والدة الإله وجميع قديسيك. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تؤكد أن الموت دخل العالم بالخطية، وهذا هو سبب تكرار "ومات" في تكوين ٥. | رومية ٥: ١٢ |
| تشرح سبب طول الأعمار قبل الطوفان كجزء من صلاح الله الأول وإعطائه فرصة للحياة. | حكمة سيراخ ٤٩: ١٦ (في الأسفار القانونية الثانية) |
| تعلن صبر الله ورغبته في التوبة، وهو ما تجسده حياة مَتُّوشَالَح الطويلة كفرصة. | ٢ بطرس ٣: ٩ |
| تُظهر أن الله يعرف أيامنا وهو يهتم بمسار حياتنا بالكامل، كما عرف أيام مَتُّوشَالَح. | المزمور ٣٩: ٤-٥ |
| تقدم الرجاء الذي يكسر دورة الموت التي نراها في تكوين ٥، من خلال قيامة المسيح. | ١ كورنثوس ١٥: ٢١-٢٢ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٥: ٢٤: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ". (تقدم نقيضًا للموت: الشركة مع الله تؤدي إلى الحياة)
- تكوين ٦: ٣: "فَقَالَ الرَّبُّ: «لَا يَدِينُ رُوحِي فِي الْإِنْسَانِ إِلَى الْأَبَدِ... إِنَّمَا تَكُونُ أَيَّامُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً»". (تُظهر تغييرًا في تدبير الله بعد فترة الصبر الطويلة)
- مزمور ٩٠: ١٠: "أَيَّامُ سِنِينِنَا فِيهَا سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ بِقُوَّةٍ فَثَمَانُونَ سَنَةً...". (مقارنة مع عمر الإنسان بعد الطوفان)
- لوقا ٣: ٣٦-٣٧: تذكر مَتُّوشَالَح في سلسلة نسب المسيح، مما يربطه بالفادي.
- عبرانيين ١١: ٥: "بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لَا يَرَى الْمَوْتَ...". (تذكر والد مَتُّوشَالَح، وتشير إلى الإيمان الذي ينتصر على الموت)