ماذا تعني تكوين 5:25؟
شرح آية تكوين ٥: ٢٥
"وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ مِئَةً وَسَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ لَامَكَ."
المعنى والشرح
هذه الآية، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد سرد تاريخي أو جزء من قائمة أنساب، هي في الحقيقة إعلان عميق عن استمرارية عناية الله و أمانة وعوده عبر الأجيال. إنها تُظهر لنا كيف أن الله، في محبته الأبوية، يحفظ خط الخلاص ويُعد الطريق لمجيء المخلّص، حتى خلال فترات الصمت الظاهر في تاريخ البشرية. مجرد ذكر الاسم والعمر والنسل هو تأكيد على أن كل حياة مهمة في عيني الله، وكل جيل هو حلقة في سلسلة حنونة يقودها الرب نحو تحقيق قصده الخلاصي.
يرى التقليد الأرثوذكسي في هذه الأنساب، خاصة في الإصحاح الخامس من سفر التكوين، أكثر من مجرد تسجيل تواريخ. إنها شهادة على صبر الله الطويل ورحمته مع البشرية الساقطة. فالله لا يتخلّى عن خليقته رغم الخطية، بل يستمر في دعوتها للعودة إليه. عمر متوشالح الطويل (٩٦٩ سنة حسب الآية ٢٧) يُذكرنا بأن الله يعطي للإنسان وقتًا للتوبة والعودة، مظهرًا "أنَّ الرَّبَّ ... لا يَشَاءُ مَوْتَ الْخَاطِئِ بَلْ أَنْ يَرْجِعَ وَيَحْيَا" (حزقيال ١٨: ٢٣). إن ولادة لامك من متوشالح هي استمرار للبركة التي أعطاها الله للإنسان بعد السقوط، حيث وعد بنسل للمرأة يسحق رأس الحية (تكوين ٣: ١٥). كل ولادة جديدة هي إذن بصيص رجاء ونعمة في مسيرة البشرية نحو الفداء.
الله الذي سجّل اسم متوشالح في سفر الحياة يَعرفك أنت أيضًا باسمك. حياتك، بكل تفاصيلها وأيامها، محفوظة في ذاكرة محبته الأبدية. حتى عندما تشعر أن حياتك عادية أو أن الأيام تمر في روتين، تذكّر أنك جزء من قصة محبة إلهية عظيمة، يُدبّرها الله بحكمة لا تُدرك لخيرك وخلاص نفسك.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (أنساب) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (تقليدياً) | الكاتب |
| شعب إسرائيل والشعوب المتعلقة بهم | الجمهور الأصلي |
| استمرارية نعمة الله عبر الأجيال | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في قلب الإصحاح الخامس من سفر التكوين، وهو إصحاح يُعرف بـ "سفر أنساب آدم". يبدأ الإصحاح بتذكيرنا بأن الله خلق الإنسان على مثاله (تكوين ٥: ١)، ثم يسرد خط النسل من آدم إلى نوح. النمط المتكرر "وعاش... وولد... وعاش بعدما ولد... ومات" يُظهر دورة الحياة والموت التي دخلت إلى العالم بسبب الخطية (رومية ٥: ١٢). ومع ذلك، في وسط هذا النمط، نرى استمرارية بركة الله. فقبل الطوفان، كان هناك رجال مثل أخنوخ الذي "سار مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" (تكوين ٥: ٢٤)، ونوح الذي "وجد نعمة في عيني الرب" (تكوين ٦: ٨). هؤلاء هم بمثابة شموع تنير ظلمة العالم، ويحفظ الله من خلالهم الوعد بالخلاص.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخلق، بداية الخطية، وبداية موعد الفداء. الأصحاحات من ١ إلى ١١ تُظهر العلاقة بين الله والإنسانية جمعاء، بينما الأصحاحات من ١٢ إلى ٥٠ تركز على بداية شعب الله المختار من خلال إبراهيم. سلسلة الأنساب في الإصحاح الخامس هي جسر بين الفردوس المفقود وعهد النعمة مع نوح. إنها تُظهر أن رغم السقوط، ظلت العلاقة بين الله والإنسان قائمة، وأن الله لم يتخلَّ عن خطته الخلاصية. متوشالح، الذي عاش أطول عمر مسجل في الكتاب المقدس (٩٦٩ سنة)، يمثل تقريبًا الفترة الكاملة من آدم إلى نوح، وكأن الله يمنح البشرية كل هذا الوقت لترجع وتتوب قبل الدينونة بالطوفان.
التفسير الآبائي
يرى آباء الكنيسة في هذه الأنساب رمزًا لرحمة الله وصبره، وتمهيدًا لعمل الفداء في المسيح. لم يركزوا على التفاصيل التاريخية فقط، بل على المعنى الروحي الذي تحمله هذه الأسماء والأعمار.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| الأعمار الطويلة قبل الطوفان تُظهر رحمة الله وصبره، حيث منح البشرية وقتًا طويلاً للتوبة قبل الدينونة. فالله "يُبطئ عن الغضب ويكثر الرحمة" (يوئيل ٢: ١٣). | التقليد الآبائي عمومًا |
| الأسماء في هذه الأنساب تحمل معاني لاهوتية. اسم "متوشالح" (מְתוּשֶׁלַח) قد يعني "رجل السلة" أو "رجل الرمح"، ولكن بعض الآباء رأوا فيه إشارة إلى أنه عند موته سيأتي شيء عظيم (الطوفان). وهذا يُظهر كيف أن أحداث التاريخ تُدار بحكمة إلهية. | التفسيرات السريانية والأرمنية |
| التركيز على "وولد" في كل جيل هو تذكير بالوعد الإلهي في تكوين ٣: ١٥ عن نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية. كل ولادة كانت تبعث الرجاء في مجيء المخلّص. | القديس يوحنا ذهبي الفم (في عظاته على سفر التكوين) |
الخلفية التاريخية والثقافية
كان تسجيل الأنساب أمرًا بالغ الأهمية في الثقافات القديمة، بما فيها الثقافة اليهودية، لأنه يحدد الهوية، والميراث، والعلاقة مع وعود الله. سفر التكوين، وكُتب في فترة الخروج والتيه، يهدف إلى تعزيز هوية شعب إسرائيل كشعب الله المختار، وربطهم بخط النسل الذي يحمل وعود الله منذ البداية.
| التفاصيل | العامل |
|---|---|
| القرن ١٥-١٣ قبل الميلاد (تقليدياً) | التاريخ التقريبي للكتابة |
| البرية أو أرض موآب (خلال التيه) | الموقع المحتمل للكتابة |
| شعب إسرائيل حديث التحرر من العبودية، بحاجة إلى فهم هويته ودعوته | الوضع التاريخي |
الأعمار الطويلة المذكورة (مئات السنين) تُفهم في التقليد الأرثوذكسي بشكل أساسي كرمز روحي لبركة الله وطول أناته في الفترة التي تلت السقوط مباشرة. بعض الآباء يتكلمون عنها حرفيًا، بينما يركز آخرون على المعنى المجازي: أن الله كان يمنح البشرية فرصة واسعة للتوبة قبل أن يشتد فسادها. المهم هو الرسالة الروحية: الله صبور وحنون، ولا يريد هلاك الخاطئ.
الأهمية اللاهوتية
هذه الآية البسيطة تُعلّمنا حقائق لاهوتية عميقة عن محبة الله وعمله:
| ما تُعلّمه الآية | الموضوع |
|---|---|
| الله أمين لوعوده عبر الأجيال. رغم تغير الأشخاص، تبقى عنايته ثابتة. | الله ومحبته |
| كل حياة بشرية لها قيمة وهدف في مخطط الله الخلاصي، حتى لو لم تُذكر تفاصيلها. | قدسية الحياة والدعوة الشخصية |
| الزمن في يد الله. الأعمار الطويلة ترمز إلى أن الله يعطي الإنسان فرصة للتوبة والنمو الروحي. | الصبر الإلهي والتوبة |
| الأنساب تربطنا ببعضنا البعض وبالتاريخ الخلاصي. نحن لنا أجداد في الإيمان، ونحن بدورنا حلقات في سلسلة تنقل النعمة للأجيال القادمة. | شركة القديسين والتقليد |
الرموز والتمهيد
في القراءة المسيحية الأرثوذكسية، كل العهد القديم هو تمهيد وتوضيح للعهد الجديد. آباء الكنيسة رأوا في الأنساب، وخاصة أنساب المسيح في إنجيل متى ولوقا، تحقيقًا وتتمة لهذه السلسلة. متوشالح هو الجد الأكبر لنوح، الذي يمثل بداية جديدة للبشرية بعد الطوفان. وهذه البداية الجديدة ترمز إلى المعمودية التي بها نبدأ حياة جديدة في المسيح (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
العلاقة بين الموت والحياة في هذا الإصحاح (كلهم عاشوا ثم ماتوا إلا أخنوخ) تصل ذروتها في المسيح، الذي انتصر على الموت بقيامته، وفتح لنا طريق الحياة الأبدية. فالمسيح هو "آدم الأخير" (١ كورنثوس ١٥: ٤٥) الذي أتى ليُعيد البشرية إلى شركتها مع الله.
التطبيق الروحي
كيف تدعونا هذه الآية البسيطة إلى حياة أعمق مع الله؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكّرنا أننا لسنا معزولين، بل جزء من عائلة الله الممتدة عبر الزمن. هذا يعطينا شعورًا بالانتماء والهوية في المسيح. | الهوية والانتماء |
| تشجعنا على الصلاة من أجل أبنائنا وأحفادنا، وأن ننقل لهم إيماننا وتقليدنا الروحي، كما نقل متوشالح الحياة لابنه لامك. | التربية والنقل الروحي |
| في أوقات نعتقد فيها أن الله صامت أو أن الحياة روتينية، تُذكرنا أن الله يعمل في الخفاء، ويحفظ وعوده عبر تفاصيل أيامنا. | الثقة في عناية الله |
| تحثنا على استخدام وقتنا (الذي هو عطية من الله) بحكمة، للسير مع الله مثل أخنوخ، وللإنجاب الروحي (تلمذة الآخرين) مثلما أنجب هؤلاء الآباء جسديًا. | إدارة الزمن والثمار الروحية |
تأمل: حياتك اليومية، بأفراحها وتحدياتها، هي مقدسة في عيني الله. كما حفظ اسم متوشالح وعمره في سفر الحياة، يحفظ الله دموعك، صلواتك، وكل خطوة تسعى فيها نحوه. لا تستصغر دورك في ملكوت الله. فمنك قد يُولد (روحيًا أو جسديًا) من سيخدم الرب في جيل قادم. ثق أن الله العامل في حياة متوشالح قبل آلاف السنين، هو نفس الله المحب والعامل في حياتك اليوم.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أي جيل من أجدادي في الإيمان (سواء عائلتي الجسدية أو آباء الكنيسة) أقدّره بشكل خاص؟ كيف أرى محبة الله وعنايته من خلال حياتهم؟
٢. كيف يمكنني أن أكون حلقة وصل أمينة لنقل محبة الله والإيمان للأجيال القادمة، سواء في عائلتي أو في كنيستي؟
٣. هل أستغل وقتي (هبة الله لي) بشكل يرضيه؟ هل أمنح الآخرين "وقتًا" وصبرًا كما يمنحني الله؟
صلاة: أيها الرب الإله، الذي سَبْرَتْ أعماق قلبي وتعرف جميع أيامي، كما عرفت أيام متوشالح وكل آبائنا. أشكرك على أمانتك عبر كل جيل، وعلى محبتك التي لا تتبدل. ساعدني أن أعيش أيامي في شركتك، وأن أكون قناة بركة لجيلي والجيل القادم. أمين.
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تُظهر النمط الإلهي في حفظ خط النسل الموعود به، والذي بلغ ذروته في المسيح. | تكوين ٣: ١٥ |
| تقدم مثالاً آخر لرجل سار مع الله واختُطف إلى الفردوس دون رؤية الموت، كرمز للقيامة. | تكوين ٥: ٢٤ (أخنوخ) |
| تؤكد أن وعود الله أمينة وجديرة بالثقة عبر كل الأجيال. | مزمور ١٠٥: ٨ |
| تربط بين الطوفان في أيام نوح والمعمودية التي بها نخلص نحن اليوم. | ١ بطرس ٣: ٢٠-٢١ |
| تُظهر أن الله، خارج الزمن، يدعو شعبه بأسمائهم ويدبر تاريخ الخلاص. | رؤيا يوحنا ١٣: ٨ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٥: ٢٤: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ." – نموذج للحياة في الشركة مع الله.
- مزمور ٩٠: ٤: "لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ." – منظور الله للزمن.
- لوقا ٣: ٣٦-٣٧: تذكر متوشالح في نسب السيد المسيح حسب الجسد. – اتصال النعمة عبر التاريخ.
- ٢ بطرس ٣: ٩: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ." – تفسير روحي لصبر الله.
- رومية ٥: ١٤: "إِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ." – السياق اللاهوتي الأوسع للسقوط والنعمة.