السابقتكوين ٥:٣٢التالي

تكوين ٥

تكوين 5:32

وَكَانَ نُوحٌ ٱبْنَ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ. وَوَلَدَ نُوحٌ: سَامًا، وَحَامًا، وَيَافَثَ.

English (KJV):

And Noah was five hundred years old: and Noah begat Shem, Ham, and Japheth.

ماذا تعني تكوين 5:32؟

شرح الآية: "وَكَانَ نُوحٌ ٱبْنَ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ. وَوَلَدَ نُوحٌ: سَامًا، وَحَامًا، وَيَافَثَ." (تكوين ٥: ٣٢)

المعنى والشرح

تُخبرنا هذه الآية البسيطة في ظاهرها قصة أمانة الله المُستمرة وخطته المحبة للبشرية. في عمر الخمسمائة سنة، وهب الله لنوح ثلاثة أبناء: سام وحام ويافث. هذا ليس مجرد سجل تاريخي أو نسبي جاف، بل هو تأكيد حي على أن محبة الله لا تنقطع. ففي وقت كان الشر يعم الأرض (تكوين ٦: ٥)، كان الله يُعد الوسيلة لاستمرار الجنس البشري وللحفاظ على بذرة البر التي ستُظهر مخلص العالم فيما بعد. إن ولادة هؤلاء الأبناء تُشير إلى رحمة الله الصبورة التي تُعد الخلاص حتى عندما يبدو الظلام مخيماً. إنها تذكير لنا أن الله يعمل في صمت، داخل أسرتنا وبيوتنا، ليُحضر رجاءً ومستقبلاً، حتى في الأوقات التي تبدو فيها الظروف غير مُشجعة.

يُظهر لنا هذا النص أن بركات الله تأتي في أوانها.

انتظر نوح طويلاً (خمسمائة سنة) قبل أن يُرزق بأبناء، لكن هذا الانتظار كان جزءاً من خطة الله الحكيمة.

فالأبناء سيصيرون أساساً للبشرية الجديدة بعد الطوفان.

هكذا، في حياتنا، قد تبدو وعود الله بطيئة، لكن توقيته كامل وهو يعمل دائمأ من أجل خلاصنا وخلاص العالم.

الولادة هنا علامة على العناية الإلهية، فالله لم يُهلك البشرية فحسب، بل حَفِظ لها نسلًا عبر عائلة بارة، مُظهراً أن دينونته دائماً ما تكون مصحوبة بمراحم عظيمة ونافذة للخلاص.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
سفر التكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي / تاريخ خلاصيالنوع الأدبي
موسى النبي (تقليدياً)الكاتب
شعب إسرائيل والشعوب كافة (بصفة أعم)الجمهور الأصل
استمرارية خطة الله المحبة عبر الأجيالالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تأتي هذه الآية في نهاية الإصحاح الخامس من سفر التكوين، وهو إصحاح يُسجل "سفر مواليد آدم" (تكوين ٥: ١). هذا الإصحاح مليء بتكرار العبارة "وعاش... ثم مات"، مُظهراً دورة الحياة والموت التي دخلت إلى العالم بالخطية. ولكن، وسط هذا السرد عن الموت، تبرز قصة نوح كنقطة تحول. فالآية ٣٢ تختتم جيل آدم وتُعلن بداية فصل جديد. فالآيات التالية مباشرة (تكوين ٦) تصف شر البشرية العظيم واقتراب دينونة الطوفان. لذا، فإن ذكر أبناء نوح هنا هو بصيرة رحمة قبل الدينونة. إنه يؤسس لعائلة البر التي ستحمل وعود الله وستكون أداة خلاص للبشرية والكائنات الحية كلها. الله، في محبته، يُعد الوسيلة للنجاة قبل أن يُعلن الدينونة.

سياق السفر

يقع سفر التكوين في قسم "البدايات": بداية الخلق، بداية الخطية، وبداية وعود الفداء. قصة نوح هي بداية جديدة بعد فشل آدم. إنها تظهر نمطاً متكرراً في عمل الله: عندما يزداد الشر، يتدخل الله بالدينونة، لكنه دائماً يحفظ بقية أمينة تبدأ عهداً جديداً معه. أبناء نوح الثلاثة سيمثلون الشعوب كلها (تكوين ١٠)، ومن نسل سام سيأتي إبراهيم، ثم داود، وأخيراً المسيح (لوقا ٣: ٢٣-٣٨). لذا، هذه الآية هي حلقة حيوية في السلسلة الذهبية لخطة الخلاص، مما يُظهر أن محبة الله الخلاصية لا تعمل بشكل عشوائي، بل من خلال الأجيال والعائلات، مقدساً إياها كقنوات لنعمته.

التفسير الآبائي

لاحظ آباء الكنيسة العظام في هذه الآية رموزاً عميقة تُشير إلى عمل الثالوث القدوس وخطة الخلاص. لم ينظروا إليها كمجرد معلومة تاريخية، بل ككلمة حية تكشف عن حكمة الله.

التفسيرالأب/المصدر
رؤية الثالوث في أبناء نوح: رأى بعض الآباء في أبناء نوح الثلاثة رمزاً للثالوث المقدس (الآب والابن والروح القدس) الذي يعمل معاً من أجل خلاص البشرية واستمرار الخليقة.القديس أغسطينوس وآخرون
الكنيسة الجامعة: يمثل أبناء نوح الثلاثة الشعوب المنحدرة منهم (تكوين ١٠)، وبالتالي فإن حفظهم في الفلك يرمز إلى الكنيسة التي تضم كل الأمم وتنجو من دينونة العالم.التقليد الآبائي
النعمة المُتعددة: الولادة في عمر متقدم (٥٠٠ سنة) تظهر أن البركات العظيمة من الله لا تحكمها قوانين الطبيعة البشرية؛ فحين يمنح الله الوعد، فهو قادر أن يفعله فوق التوقعات الطبيعية. هذا يشجعنا على الثقة في مواعيد الله حتى عندما تبدو مستحيلة.القديس يوحنا ذهبي الفم (في مواعظه عن سفر التكوين)
البقية الباقية: يُشدد الآباء على أن نوحاً وأبناءه يمثلون "البقية الباقية" التي يحفظها الله دائماً في العالم. هكذا، حتى في أظلم الأوقات، لله شعب أمين هو عينه ووسيلة بركته للعالم.تعليم كنسي عام

الخلفية التاريخية والثقافية

التفاصيلالعامل
حوالي الألفية الثالثة أو الثانية قبل الميلاد (زمن ما قبل الطوفان)التاريخ التقريبي
منطقة الهلال الخصيب / بلاد ما بين النهرين (تقليدياً)الموقع
مجتمع ما قبل الطوفان الذي كان قد انتشر فيه الفساد والشر بشكل كبير (تكوين ٦: ٥، ١١-١٢).السياق الاجتماعي والديني

في الثقافة القديمة، كان إنجاب الأبناء، وخاصة الذكور، يعتبر بركة عظيمة وضمانة لمستقبل العائلة واستمرار الاسم. أن يرزق نوح بثلاثة أبناء في عمر الخمسمائة سنة كان علامة واضحة على نعمة الله الخاصة عليه وعلى تمييزه كرجل بار. كما أن الأسماء في العهد القديم غالباً ما تحمل دلالات. اسم "نوح" نفسه يعني "راحة" أو "تعزية" (تكوين ٥: ٢٩). أسماء أبنائه (سام، حام، يافث) ستُصبح لاحقاً أساساً لشعوب الأرض (تكوين ١٠)، مما يُظهر أن بركة الله لنوح لم تكن له وحده، بل للعالم أجمع عبر نسله.

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية البسيطة جوانب عميقة عن الله وعن خطته:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
أمانة الله للعهد: وعد الله بوجود نسل للمرأة (تكوين ٣: ١٥) لم يُنسَ. فمن خلال حفظ نسل نوح، حافظ الله على الخط الذي سيأتي منه المخلص. هذا يُظهر أن وعود الله لا تسقط أبداً.الله ومحبته
التدبير الإلهي (Oikonomia): الله يُدبر أموره بحكمة عبر الأجيال. الولادة في هذا التوقيت بالذات كانت إعداداً للفلك والخلاص من الطوفان. محبة الله لا تتعجل، بل تعمل بتدبير حكيم من أجل خلاص أكبر عدد.الخلاص كعمل إلهي
قدسية العائلة: اختار الله أن يعمل الخلاص من خلال عائلة (نوح وبنيه). هذا يُكرس العائلة كخلية أساسية في خطة الله، ومكاناً لتربية البِر ونقل الإيمان.دعوة الإنسان والمجتمع
الرجاء وسط الدينونة: حتى عند الحديث عن دينونة الطوفان الوشيكة، تضع هذه الآية أساس الرجاء. الله لا يسر بالهلاك، بل يُعد مخرجاً وطريق خلاص.رحمة الله وصلاحه

الرموز والتمهيد

يرى التقليد المسيحي، وخاصة الأرثوذكسي، في شخص نوح وفلكه رمزاً مُهماً للمسيح وكنيسته:

  • نوح، الرجل البار الذي بنى فلك الخلاص بأمر الله، يرمز إلى المسيح، البار الوحيد الذي يبني كنيسة الخلاص.
  • الفلك، الذي حمى من فيه من غضب الطوفان، هو رمز للكنيسة، حيث نجد الخلاص من دينونة الخطية والموت. الدخول إلى الفلك يشبه دخولنا إلى شركة الكنيسة عبر سرّ المعمودية، كما يوضح الرسول بطرس (١ بطرس ٣: ٢٠-٢١).
  • أبناء نوح الثلاثة الذين دخلوا الفلك يمثلون شعوب العالم كافة المدعوة إلى الخلاص في المسيح، حيث "ليس يوناني ويهودي، ختان وغرلة، بربري وسكيثي، عبد وحر، بل المسيح هو الكل وفي الكل" (كولوسي ٣: ١١).

هكذا، فإن هذه الآية، التي تسجل ولادة أبناء نوح، تُعدّنا روحيًا لفهم أن الخلاص سيكون عالمياً، وسيأتي من نسل بار (سام) سيُولد منه في ملء الزمان مخلص العالم.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية إلى النمو في شركتنا مع الله اليوم؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تعزيتنا في فترات الانتظار: ربما تنتظر بركة أو تحقق وعد من الله منذ وقت طويل. قصة نوح تُذكرك أن توقيت الله كامل. عمر الخمسمائة سنة لم يمنع الله من منحه البركة. ثق أن الله يعمل في الخفاء ويُحضر الخير في وقته المناسب.الصبر والرجاء
تشجيعنا على الأمانة العائلية: اختار الله عائلة نوح كقناة للخلاص. هذا يُعلي من شأن دور العائلة في نقل الإيمان والقيم. نحن مدعوون لبناء "فلك" روحي في بيوتنا، بالصلاة ومحبة الله، ليحمي أولادنا من طوفان أفكار هذا العالم.الحياة العائلية
تذكيرنا بأننا بقية للبر: كمسيحيين أرثوذكس، نحن مدعوون لنكون مثل نوح وأبنائه، "بقية أمينة" تحفظ إيمان المسيح في عالم يعمّه الكثير من الشر واللامبالاة. وجودنا في العالم هو علامة رجاء ونعمة للآخرين.الشهادة والرسالة
توجيه نظرنا إلى الكنيسة كفلك خلاص: عندما نمر بأزمات أو تجارب، تُذكرنا هذه الآية أن الكنيسة هي ملجأنا. كما التجأ أبناء نوح إلى الفلك، نحن نتجه إلى أسرار الكنيسة (الافخارستيا، الاعتراف) وشركة المؤمنين لننال القوة والخلاص.الحياة الكنسية والشركة

تذكرة محبة: الله الذي حفظ نوحاً وعائلته في زمن الفساد، هو نفسه يحفظك اليوم. قد لا ترى الفلك يُبنى الآن، لكن الله يعمل في حياتك. ثق بأن أبناء الوعد – أي بركاته ومراحمه – سيولدون في الوقت المناسب. ابحث عن السلام والطمأنينة في داخلك، فالله أمين.

أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين أرى نفسي في فترات الانتظار؟ هل أثق في توقيت الله الحكيم كما فعل نوح، أم أستسلم للقلق؟ يمكنني أن أصرخ إلى الله: "يا رب، علمني أن انتظر بصبر ورجاء، واثقاً أنك تُحضر الخير في زمانك".

٢. كيف أبني "فلكاً" روحيًا في بيتي؟ ما هي العادات الروحية (الصلاة العائلية، قراءة الكتاب معاً) التي يمكنني تعزيزها لتكون عائلتي مكاناً للنعمة والحماية؟

٣. هل أعتبر نفسي جزءاً من "البقية الباقية" التي تحمل الرجاء للعالم؟ كيف يمكن لوجودي وأمانتي أن يكونا بركة وعلامة محبة الله لمن حولي؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تأكيد على بر نوح واختياره، مما يفسر لماذا اختاره الله ليكون أباً للبشرية الجديدة.تكوين ٦: ٨-٩
نتيجة هذه الولادة: تفصيل شعوب الأرض المنحدرة من أبناء نوح الثلاثة، مما يظهر تحقق بركة الله واستمرارية النسل.تكوين ١٠: ١
المقارنة بين دينونة الطوفان وخلاص المعمودية، حيث يرمز الفلك للكنيسة التي نخلص فيها.١ بطرس ٣: ٢٠-٢١
الإشارة إلى نوح كرمز للإيمان والطاعة، الذي به دان العالم وصار وارثاً للبر.عبرانيين ١١: ٧

آيات ذات صلة

  • تكوين ٦: ٨: "وَلَكِنْ نُوحًا وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ." – أساس اختيار الله له ولعائلته.
  • تكوين ٧: ٧: "فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ إِلَى الْفُلْكِ..." – تحقيق دور الأبناء في خطة الخلاص.
  • تكوين ٩: ١: "وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ..." – البركة الإلهية المُعلنة بعد الطوفان تستمر في أبناءه.
  • لوقا ٣: ٣٦: "بْنِ نُوحٍ، بْنِ لَامَكَ..." – تسجيل نسب السيد المسيح نفسه يعود إلى نوح، مؤكداً تحقيق الوعد.
  • ٢ بطرس ٢: ٥: "وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا، كَارِزًا لِلْبِرِّ..." – دور نوح كحافظ للبر وسط جيل فاسد.