ماذا تعني تكوين 5:8؟
شرح تكوين ٥: ٨ من المنظور الأرثوذكسي
المعنى والشرح
تُخبرنا هذه الآية البسيطة: "فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ شِيثَ تِسْعَ مِئَةٍ وَٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ". في ظاهرها، تبدو مجرد معلومة تاريخية عن نهاية حياة شيث بن آدم، ولكن في عمقها، تُعلن هذه الكلمات حقيقتين مقدستين: محبة الله التي تمنح حياة طويلة كفرصة للتوبة والنمو الروحي، وواقع الموت الذي دخل العالم بالخطية، والذي ينتظرنا جميعًا. هاتان الحقيقتان تدفعاننا لنسأل: ماذا نصنع بالأيام التي وهبنا إياها الله؟ وكيف نستعد لللقاء معه؟
هذه الآية هي جزء من سلسلة أنساب تقرأ: "وعاش... وولد... وعاش... ومات". هذا النمط المتكرر ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تذكير نبوي بصوت هادئ ولكن ثابت: الموت هو مصير كل إنسان بسبب سقوط آدم. لكن في نفس الوقت، طول هذه الأعمار - مئات السنين - هو تعبير عن رحمة الله الواسعة التي تمنح البشرية وقتًا طويلاً للتعرف عليه، والتوبة، والبدء في رحلة العودة إليه. شيث، الذي يعني اسمه "المعوّض" أو "البديل"، كان هبة من الله لآدم وحواء بعد مقتل هابيل، رمزًا لاستمرار نسل البشرية الذي سيأتي منه المسيح المخلّص. لذلك، حتى في سرد وفاته، نرى إشارة رقيقة للأمل - فمن نسله سيأتي مَن ينتصر على الموت نفسه.
الله في رحمته يمنح كل إنسان "أيامًا" على الأرض. هذه الأيام هي هبة مقدسة وفرصة للخلاص. شيث عاش ٩١٢ سنة - وقت طويل جدًا للتعمق في معرفة الله، لتربية الأجيال، وللمشاركة في حفظ الوعد الإلهي. هذه السنوات الطويلة تذكرنا بأن الله صبور علينا، "لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة" (٢ بطرس ٣: ٩). لكن النهاية كانت "ومات" - هذه الكلمة القصيرة تذكرنا بحاجتنا المطلقة للمخلّص، وتدفعنا لنبحث عن الحياة الحقيقية التي لا يفنى مجدها، الحياة في المسيح.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (أنساب) | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب التقليدي |
| شعب إسرائيل في البرية | الجمهور الأصلي |
| استمرار النسل البشري رغم الموت | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في الإصحاح الخامس من سفر التكوين، الذي يُعرف بـ "سفر أنساب آدم". قبل هذه الآية، نقرأ: "وعاش شيث مئة وخمس سنين وولد أنوش. وعاش شيث بعد ما ولد أنوش ثمان مئة وسبع سنين وولد بنين وبنات" (تكوين ٥: ٦-٧). بعدها مباشرة: "فكانت كل أيام شيث تسع مئة واثنتي عشرة سنة ومات. وعاش أنوش تسعين سنة وولد قينان..." (تكوين ٥: ٨-٩).
هذا النمط المتكرر "وعاش... وولد... وعاش... ومات" يُظهر دورة الحياة البشرية بعد السقوط. لكن في وسط هذا التكرار، نرى استمرارية خطة الله للخلاص. فشيث هو الجد الثالث لآدم، ومن نسله سيأتي نوح، ثم إبراهيم، ثم داود، وأخيرًا المسيح. حتى عندما يذكر النص "ومات"، فهو يذكرنا أن موت الأفراد لا يوقف خطة محبة الله لخلاص البشرية.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات - بداية الخلق، بداية البشرية، بداية الخطية، وبداية وعد الخلاص. الإصحاح الخامس يشكل جسرًا زمنيًا بين آدم ونوح، ويحفظ سلسلة النسل التي من خلالها سيتم الوعد الإلهي في تكوين ٣: ١٥ عن نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية. رغم أن كل فرد في هذه السلسلة مات، إلا أن وعد الله بقي حيًا، ينتقل من جيل إلى جيل، حتى تم في ملء الزمان في المسيح.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| طول الأعمار في هذه الأنساب يُظهر صبر الله وطول أناته، حيث يمنح البشرية وقتًا للتوبة والعودة إليه قبل الطوفان | التقليد الآبائي عمومًا |
| سلسلة "ومات" المتكررة تذكرنا بعاقبة الخطية الأصلية، وتُيقظ فينا الشوق للمخلّص الذي يغلب الموت | التفسير الأرثوذكسي |
| شيث كـ"معوّض" عن هابيل، يمثل استمرارية نسل التقوى الذي يحفظ معرفة الله على الأرض | الرؤية الآبائية للتاريخ المقدس |
| هذه الأنساب تُظهر أن خطة الله للخلاص تتحقق عبر التاريخ، رغم ضعف البشر وموتهم | فهم الكنيسة للتدبير الإلهي |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله صبور ورحيم، يمنح البشرية وقتًا طويلاً للتوبة والرجوع إليه | الله ومحبته |
| الموت هو نتيجة الخطية الأصلية، ويذكرنا بحاجتنا المطلقة للمخلّص | واقع الخطية والموت |
| خطة الله الخلاصية تستمر عبر الأجيال، رغم ضعف البشر وموتهم | استمرارية الخلاص |
| حياتنا على الأرض هي هبة وفرصة لننمو في النعمة ونستعد للأبدية | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
يرى آباء الكنيسة في سلسلة أنساب تكوين ٥ تمهيدًا وتلميحًا للمسيح:
١. شيث كرمز للمسيح: كما كان شيث "معوّضًا" لآدم عن فقدان هابيل، هكذا المسيح جاء "بديلاً" و"فدية" عن البشرية المفقودة.
٢. الموت المتكرر يعلن الحاجة للمخلّص: تكرار كلمة "ومات" في هذا الإصحاح (ثمان مرات) يخلق في قلب القارئ توقًا للخلاص من الموت، توقعًا للمسيح الذي "بموتة داس الموت".
٣. استمرارية النسل المقدس: من شيث إلى نوح إلى إبراهيم إلى داود إلى المسيح، تُظهر هذه السلسلة أن الله يحفظ وعده رغم ضعف الأفراد وموتهم. هذا يرمز إلى أن الكنيسة، جسد المسيح، تستمر عبر الأجيال برعاية الله.
٤. طول العمر كرمز للحياة الأبدية: الأعمار الطويلة (مئات السنين) تُذكرنا بالحياة الأبدية التي وعد بها الله، والتي تحققت بالمسيح الذي يمنحنا "حياة، ولأكثر وفرة" (يوحنا ١٠: ١٠).
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تذكرنا أن أيامنا على الأرض هبة من الله وفرصة للخلاص، فنجتهد في استغلالها في الصلاة والأعمال الصالحة | الصلاة والعبادة |
| تشجعنا على النظر إلى تاريخ عائلتنا وتراثنا الروحي، ونقل الإيمان للأجيال القادمة كما فعل شيث وأنوش | العائلة ونقل الإيمان |
| تساعدنا على مواجهة حقيقة الموت دون خوف، لأننا نعلم أن المسيح غلب الموت ويمنحنا القيامة | مواجهة الموت والألم |
| تذكرنا أن الله يعمل عبر الأجيال الطويلة، فنتعلم الصبر في صلواتنا وانتظارنا لتحقيق وعوده | الصبر والانتظار الرجائي |
هذه الآية البسيطة تدعونا إلى تأمل جاد في حياتنا: كم من السنوات أعطانا الله؟ وكيف نستخدمها؟ شيث عاش ٩١٢ سنة - وقت يكفي ليعرف الله بعمق، وينقل هذه المعرفة لأبنائه وأحفاده. ونحن، حتى لو كانت أيامنا أقل، لدينا نفس الدعوة: أن ننمو في معرفة الله ومحبته كل يوم.
الكلمة "ومات" في نهاية الآية لا تنتهي بالقنوط، بل توجه نظرنا إلى الرجاء. ففي المسيح، الموت لم يعد نهاية، بل أصبح "رقادًا" ينتظر القيامة. كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "المؤمن لا يموت، بل يرتحل". هذه الآية تدفعنا لنطلب من الله: "علّمنا أن نعد أيامنا، فنكتسب قلبًا حكيمًا" (المزمور ٩٠: ١٢).
أسئلة للتأمل والصلاة
١. تأمل: كم من السنوات أعطاني الله حتى الآن؟ كيف أستخدم هذه الهبة الثمينة؟ هل أنمو في محبة الله ومعرفته يومًا بعد يوم؟
٢. توبة: هل أعيش كما لو أن الموت بعيد عني؟ هل أستعد لهذا اللقاء مع الله بالصلاة والتوبة والأعمال الصالحة؟
٣. صلاة: "يا رب، كما منحت شيث سنين طويلة على الأرض، أعطني أن أستخدم أيامي في خدمتك ومجدك. علمني أن أعد أيامي فأكتسب قلبًا حكيمًا. وأذكرني أن الموت ليس نهاية، بل بوابة للحياة الأبدية معك. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تذكرنا أن الموت دخل العالم بالخطية، وهذا ما تظهره سلسلة "ومات" في تكوين ٥ | رومية ٥: ١٢ |
| تُظهر أن الله صبور، يمنح وقتًا للتوبة قبل الدينونة، كما منح القرون الطويلة قبل الطوفان | ٢ بطرس ٣: ٩ |
| المسيح، من نسل شيث، جاء لينتصر على الموت الذي دخل العالم بالخطية | ١ كورنثوس ١٥: ٢١-٢٢ |
| دعوة لاستغلال الوقت الحاضر، لأن الأيام شريرة | أفسس ٥: ١٥-١٦ |
آيات ذات صلة
- تكوين ٥: ٥: "فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة وثلاثين سنة ومات". بداية سلسلة الموت.
- المزمور ٩٠: ١٠: "أيام سنينا فيها سبعون سنة، وإن كانت مع القوة فثمانون سنة، وافتخارها تعب وضرورة، فإنها بسرعة تقطع ونطير". تقابل بين أعمارنا القصيرة وأعمار الآباء الأولين.
- المزمور ٩٠: ١٢: "علمنا أن نعد أيامنا فنكتسب قلبًا حكيمًا". الصلاة التي تثيرها فينا قراءة تكوين ٥.
- رومية ٦: ٢٣: "لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا". الحل الإلهي لمشكلة الموت.
- ١ كورنثوس ١٥: ٥٤-٥٥: "فمتى لبس هذا الفاسد عدم فساد، ولبس هذا المائت عدم موت، فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة: ابتلع الموت إلى الغلبة. أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟". انتصار المسيح على الموت.