السابقتكوين ١:١٢التالي

تكوين ١

تكوين 1:12

فَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى ٱللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.

English (KJV):

And the earth brought forth grass, and herb yielding seed after his kind, and the tree yielding fruit, whose seed was in itself, after his kind: and God saw that it was good.

ماذا تعني تكوين 1:12؟

المعنى والشرح

تكوين ١: ١٢ هي آية جميلة تُظهر قدرة الله الخلاقة وحكمته المُحبّة. بعد أن فصل الله الأرض عن المياه في اليوم الثالث، يأمر الأرض نفسها بأن تُخرج النباتات. فتستجيب الأرض لمشيئة خالقها وتُنتج عشبًا وبقلاً وأشجارًا، وكل منها لديه بذرة بداخله ليتكاثر "كَجِنْسِهِ". ثم يكمل الله مشهد الخلق بالنظر إلى ما صنعه ويُقيم: "وَرَأَى ٱللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ". هذا التقييم ليس مجرد ملاحظة، بل هو ختم رضا من الله على نظامٍ خلقه، نظامٌ يعكس صلاحه، نظامٌ قادر على النمو والتجدد والعطاء. الآية تُظهر لنا أن محبة الله تتجلى ليس فقط في خلق الحياة، بل في منحها قوانين ونُظم تسمح لها أن تستمر وتزدهر. إنه إله النظام والجمال، الذي يهب لخليقته كل ما تحتاجه لتُثمر وتعطي حياة.

إن جملة "كَجِنْسِهِ" المتكررة تؤكد أن الله خلق كل شيءٍ بحسب نوعه، أي بحدودٍ ونظامٍ مُحدد. هذا النظام ليس عائقًا للحرية، بل هو تعبير عن رعاية الله وحفظه. فكما أن البذرة تحمل في داخلها إمكانية حياة جديدة من نفس الجنس، هكذا نحن كمخلوقين على صورته، نحمل في داخلنا إمكانية أن نحيا ونتحرك ونتكاثر روحياً في صلاحه. أنظار الله المُحبة ترى كل شيء، وتقول عنه إنه "حَسَنٌ". هذا يُعلّمنا أن العالم المادي الذي خلقه الله هو جيد في ذاته، وأن حياتنا وطعامنا وكل ما ينمو من الأرض هو جزء من صلاحه ومنحته لنا. الله يُريد لخليقته أن تكون مُثمرة، أن تُعطي، وأن تُشارك في دورة الحياة التي أسسها. دعونا نتأمل في هذا النظام الرائع كنعمة من محبته.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (رواية الخلق)النوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل والشعب المؤمن عبر العصورالجمهور
صلاح النظام الخليقي ومحبة الله الخالقةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في اليوم الثالث من أيام الخلق الستة (تكوين ١: ٩-١٣). في بداية اليوم الثالث، أمر الله المياه أن تَجْتَمِعْ في مكان واحد لتَظْهَر اليابسة، وسمى اليابسة "أرضًا" والمجتمع المائي "بحارًا" (آية ٩-١٠). فور حدوث ذلك، رأى الله أن ذلك حسن (آية ١٠). ثم يأتي أمر الله للأرض في الآية ١١: "لْتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً..."، وتستجيب الأرض في الآية ١٢ التي نحن بصددها. هذه الآية هي التتمة العملية للأمر الإلهي. بعدها، يُمسي ويصبح، ويكمل الله اليوم الثالث (آية ١٣).

سياق السفر

سفر تكوين هو سفر البدايات. الأصحاح الأول يُؤسس لعقيدة الخلق من العدم بقوة كلمة الله. هذه الآية جزء من اللوحة الكبيرة التي تُظهر أن الله هو مصدر كل حياة ونظام. إنها تُهيئ المسرح للقصة الإنسانية التي تبدأ في الأصحاح الثاني، حيث سيُوضع الإنسان في جنة مليئة بالأشجار الجيدة للأكل (تكوين ٢: ٩). النظام الذي أسسه الله في النباتات يضمن استمرارية الحياة والغذاء للإنسان والحيوان، مما يُظهر رعاية الله المُسبقة لمخلوقاته.


التفسير الآبائي

لآباء الكنيسة الأرثوذكسيين تأملات عميقة في أيام الخلق، ورأوا فيها أكثر من مجرد أحداث تاريخية، بل رموزاً لعمل الله الخلاصي في المسيح وفي الكنيسة.

التفسيرالأب/المصدر
النظام "كجنسه" يُظهر حكمة الله وقدرته على تنظيم الفوضى. الأرض المُطيعة للأمر الإلهي هي مثال على الخليقة كلها التي تنتظر الفداء.التقاليد الآبائية المشتركة
التركيز على أن الله "رأى ذلك أنه حسن" يُظهر أن الله يفرح بصلاح خليقته. الخليقة هي مرآة تعكس صلاح الخالق.القديس يوحنا ذهبي الفم (في عظاته على سفر التكوين)
النباتات التي تحمل بذرتها في داخلها هي صورة للكنيسة التي تحمل في داخلها بذرة كلمة الله التي تثمر في المؤمنين. الشجرة التي تثمر بذورها فيها تُشير إلى الصليب الذي منه تثمر حياة أبدية.الرمزية الآبائية (مشتركة بين عدة آباء)
الأمر الإلهي "لتنبت الأرض" يُظهر أن الله يُشرك الخليقة في عمل الخلق. الأرض تصبح أداة طيعة، وهذا يُشير إلى تعاون الإنسان مع نعمة الله في العمل الروحي.القديس باسيليوس الكبير (في كتابه "الستة أيام")

دراسة الكلمات

كلمات هذه الآية تحمل معاني غنية تُظهر دقة الوحي الإلهي وتُعمق فهمنا لعمل الله المحب.

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الأرض ليست مُجرد مادة جامدة، بل هي أداة طيعة ونشيطة تنفذ مشيئة خالقها.H٣٣١٨خرج، أخرج، أنبتيَخْرُج / تَخْرُجיָצָא
تؤكد النظام والنظامية في الخلق. كل نوع مخلوق بكمال خاص به، يعكس حكمة الله وعدم العشوائية في عمله.H٤٣٢٧حسب نوعه، كصنفه، بحسب جنسهكَجِنْسِهِלְמִינֵהוּ
هذا التقييم الإلهي هو أكثر من ملاحظة جمالية. إنه إعلان أن الخليقة تحقق الهدف الذي من أجله خُلقت: أن تعكس صلاح الله.H٢٨٩٦جيد، صالح، جميل، نافعطُوبטוֹב
تُشير إلى قدرة النبات على التكاثر والحفظ، وهي نعمة من الله لضمان استمرارية النعم المادية.H٢٢٣٣بذر، زرع، نسلزَرْعזֶרַע

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية عن جوانب عميقة من لاهوتنا الأرثوذكسي، مركزة على محبة الله وعمله الخلاصي.

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله ليس خالقًا بعيدًا، بل هو أب مُحب يُراقب خليقته ويفرح بصلاحها. كلمة "رأى" تُظهر عنايته الشخصية واهتمامه بكل تفاصيل الخلق.الله ومحبته
النظام والقدرة على التكاثر "كجنسه" تُظهر أن الله هو إله النظام (١ كورنثوس ١٤: ٣٣) وليس الفوضى. محبته تتجلى في إعطاء حدود ونُظم تحفظ الخليقة وتسمح لها بالازدهار.النظام الإلهي والرحمة
الأرض التي تُطيع الأمر الإلهي وتُخرج ثمرًا هي صورة للعذراء مريم التي قبلت كلمة الله وأتت بثمر الخلاص، الرب يسوع. كما أنها صورة للكنيسة المثمرة.الرمزية الكنسية والتأله
صلاح الخليقة المادية (النباتات) يُؤسس لفهم أن العالم المادي هو هبة من الله وجزء من خطته الصالحة. هذا يُقاوم أي فكر ازدرائي للمادة، ويُهيء لفهم سر التجسد حيث أخذ الكلمة جسدًا من مادة هذا العالم.سر التجسد وصلاح المادة

الرموز والتمهيد

من منظور أرثوذكسي، نرى في العهد القديم تمهيدات ورموزًا لعمل المسيح الخلاصي وكنيسته.

  • الشجرة التي تعمل ثمرًا بذرها فيها: يرى الكثير من الآباء في هذه الصورة رمزًا للصليب المقدس. فالشجرة (الصليب) حملت ثمرًا هو الرب يسوع المسيح، الذي من جسده المقدس ودمه (كالبذرة) تثمر حياة أبدية لكل المؤمنين. الصليب الذي بدا كأداة موت أصبح شجرة حياة.
  • العشب والبقل الذي يبزر بزرًا: يمكن أن يُشير هذا إلى كلمة الله الحية (بطرس الأولى ١: ٢٣-٢٥) التي تُزرع في قلوب المؤمنين فتثمر ثمرًا روحيًا. كما يُشير إلى الرسل والقديسين الذين يزرعون بذرة الإيمان في العالم.
  • الأرض المُطِيعة التي تُخرج النباتات: هي صورة مسبقة للعذراء مريم، "الأرض الجديدة" التي قبلت كلمة الله بكل طاعة، فأنبتت من أحشائها ثمرة الحياة الأبدية، السيد المسيح. وهي أيضًا صورة للنفس البشرية المطيعة لله، التي عندما تقبل نعمته تثمر أعمالاً صالحة.

الاستخدام الليتورجي

على الرغم من أن هذه الآية المحددة قد لا تُقرأ بشكل متكرر في الخدمة الإلهية المركزية (القداس الإلهي)، إلا أن موضوعها حاضر بقوة في التقليد الليتورجي الأرثوذكسي:

  1. صلاة الغروب (الجناح): في صلوات الغروب، هناك تسبحة تُوجه لله الخالق، متأملة في عجائب الخلق كتعبير عن مجده ومحبته.
  2. عيد الصليب (١٤ أيلول): حيث تُسبح الكنيسة الصليب كـ "شجرة الحياة" المقدسة، مما يذكرنا بالرمزية الآبائية للشجرة المثمرة.
  3. أعياد تقديس الثمار (مثل عيد تحويل المياه إلى خمر في ٦ كانون الثاني): تُذكر الكنيسة بنعمة الله في الخليقة وصلاح منتجات الأرض، داعية المؤمنين لشكر الله على عطاياه المادية والروحية.
  4. صلاة تقديم القرابين (بروسكوميدي): عندما يُحضر الكاهن الخبز والخمر (منتجات الأرض والعنبة)، فهو يُذكرنا أن هذه المواد هي هبة من الله، وهي على استعداد لأن تتحول بقوة الروح القدس إلى جسد ودم المسيح، محققة بذلك الهدف السامي لكل الخليقة: الشركة مع الله.

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية الجميلة إلى النمو في علاقتنا مع الله وفي حياتنا اليومية؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
عندما نرى جمال الطبيعة ونظامها، يجب أن يتحول انتباهنا فورًا إلى الخالق. اجعل تأملك في زهرة أو شجرة فرصة للصلاة والتسبيح: "يا رب، كم أنت عظيم في خليقتك!"الصلاة والعبادة
النظام "كجنسه" يُذكرنا أن الله يدعونا إلى حياة نظامية وضبط للنفس. الروحانية الأرثوذكسية تُشجع على نظام (قانون) صلاة، وصوم، وقراءة كلمة الله. النظام ليس قيدًا، بل هو طريق الحرية الحقيقية.النمو الروحي
خذ وقتًا لتقدير الطعام الذي تأكله. قل بركة بفرح واشكر الله على نعمته في إعطاء الأرض القدرة على إنتاج الغذاء. شارك مع المحتاجين، عارفًا أن الخيرات هي عطايا من الله للإعالة والمشاركة.الشكر والعطاء
النبات يحتاج إلى تربة جيدة ووقت لينمو. هكذا نفوسنا تحتاج إلى الصبر في التوبة والنمو الروحي. لا تيأس من تقصيرك، بل ثق أن نعمة الله تعمل فيك ببطء وأمانة كعملية النمو في الطبيعة.الصبر والرجاء

تذكر: الله الذي نظم الكون وجعل الأرض تثمر بأنواعها، هو نفسه الذي يعمل في حياتك. هو يُريد أن يثمر فيك ثمر الروح القدس: محبة، فرح، سلام، طول أناة... (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣). اسمح لكلمته أن تُزرع في قلبك، واستعد بتربة طيبة، وثق أنه سيجعل حياتك مثمرة لحساب ملكوته.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. عندما تنظر إلى نبات أو شجرة، هل تستطيع أن ترى فيها نظام الله وحكمته المحبة؟ كيف يمكن لهذا المنظر أن يقودك للتسبيح؟ ٢. ما هو "الثمر الروحي" الذي تشعر أن الله يدعوك لتحمله في هذه المرحلة من حياتك؟ وما الذي تحتاجه (مثل صلاة، صبر، قراءة) لتنمو هذه البذرة؟ ٣. هل تعيش حياتك بنظام "كجنسك" المسيحي، أي حسب الدعوة الإلهية التي دعاك إليها، أم تسمح للفوضى والعشوائية بأن تسيطر؟ صلِّ طالبًا من الله أن ينظم خطواتك حسب مشيئته الصالحة. ٤. خذ لحظة لتتأمل في جملة "وَرَأَى ٱللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ". كيف تشعر عندما تعلم أن الله ينظر إلى خليقته (وإليك) بنظرة رضا ومحبة؟ حوِّل هذا الشعور إلى صلاة شكر.


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تُظهر أن قوة نمو النباتات تأتي من كلمة الله التي تُرسل المطر وتُعطي النمو.إشعياء ٥٥: ١٠-١١
تشبيه كلمة الملكوت بحبة زرعت في الأرض ونمت دون أن يعرف الزارع كيف، مؤكدة أن النمو هو عمل الله السري.مرقس ٤: ٢٦-٢٩
المسيح هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان. بدون الاتحاد به لا نقدر أن نثمر شيئًا. هذه هي الذروة الروحية لفكرة النبات المثمر.يوحنا ١٥: ١-٨
خلق النباتات في اليوم الثالث يُشير رمزيًا إلى قيامة المسيح في اليوم الثالث، حيث أن الحياة تخرج من الأرض.التقليد الرمزي الآبائي

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ١١: الأمر الإلهي الذي سبق التنفيذ: "وَقَالَ اللهُ: لْتُنْبِتِ ٱلْأَرْضُ عُشْبًا..."
  • تكوين ١: ٣١: الختام العظيم: "وَرَأَى ٱللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا."
  • تكوين ٢: ٩: تفصيل عن أشجار الجنة، بما فيها شجرة الحياة.
  • مزمور ١٠٤: ١٤: "تُنْبِتُ الْعُشْبَ لِلْبَهَائِمِ، وَخُضْرَةَ النَّبَاتِ لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ..."
  • متى ١٣: ٣-٨: مثل الزارع، حيث تُشير أنواع التربة المختلفة إلى استجابة البشر لكلمة الله.