السابقتكوين ١:٦التالي

تكوين ١

تكوين 1:6

وَقَالَ ٱللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ ٱلْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلًا بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ».

English (KJV):

And God said, Let there be a firmament in the midst of the waters, and let it divide the waters from the waters.

ماذا تعني تكوين 1:6؟

المعنى والشرح

في اليوم الثاني من الخلق، يقول الله: "لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ ٱلْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلًا بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ" (تكوين ١: ٦). هذه الآية تُعلن عن عمل الله الخلاق الذي يُنظّم ويُرتّب الخليقة. إنها تُظهر لنا صورة الله الحكيم والمحب الذي لا يخلق فوضى، بل يُقيم نظامًا ونظامًا في عالمه. ذلك الجَلَد – الذي يمكن فهمه على أنه الفضاء أو السماء أو النطاق الجوي – هو هبة من الله لفصل المياه، ليُقيم مساحة للحياة. هذا العمل ليس مجرد فصل فيزيائي، بل هو تعبير عن رعاية الله المُحِبّة، فهو يُهيئ العالم ليكون بيتًا صالحًا للحياة التي سيسكنها، خاصة الإنسان، كتاج الخليقة.

هذا الفصل بين المياه يُعلّمنا أن الله يحب النظام والجمال. فكما قال القديس باسيليوس الكبير، الله هو "الصانع النظامي"، الذي يُخرج الكون من العدم والفوضى إلى نظام متناغم. حتى في فصل المياه، نرى عناية الله المُسبقة؛ فهو يُعدّ العالم ليكون بيئة صالحة. المياه فوق الجلد ستسقي الأرض (في المطر والندى)، والمياه تحت الجلد ستكون مصادر للأنهار والبحار. كل شيء في محله، وكل شيء بترتيب. هذا يُعلن عن طبيعة الله كأب حكيم يُعدّ كل شيء لمصلحة أولاده. في حياتنا، قد نشعر أحيانًا أننا في "مياه" مضطربة من المشاكل والقلق، ولكن الله، بنفس الكلمة الخلاقة، قادر أن يقيم في وسط ضيقنا "جلدًا" – سلامًا، نظامًا، وفرجًا – يفصل بين يأسنا ورجائه، بين ضيقنا وخلاصه.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
سفر التكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي / تاريخ خلاصيالنوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل والشعب المسيحيالجمهور
نظام الخليقة ومحبة الله الخالقةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في قلب رواية الخلق (تكوين ١: ١–٢: ٣). تسبقها الآيات التي تصف الأرض على أنها "خربة وخالية" والروح يرف على وجه المياه (تكوين ١: ٢)، وتليها تنفيذ الأمر الإلهي: "فَعَمِلَ ٱللهُ ٱلْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ ٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي تَحْتَ ٱلْجَلَدِ وَٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي فَوْقَ ٱلْجَلَدِ. وَكَانَ كَذَٰلِكَ" (تكوين ١: ٧). تُظهر هذه الآية مرحلة أساسية في تحويل العالم من حالة من الفوضى ("الخواء") إلى نظام مُرتّب ومُعدّ للحياة.

سياق السفر

سفر التكوين هو "سفر البدايات"، يُعلن أصل الكون والإنسان وعلاقة العهد بين الله وشعبه. رواية الخلق (الأصحاح الأول) هي الأساس اللاهوتي لكل ما يلي: فهي تؤسس حقيقة أن الله هو الخالق الصالح، وأن العالم خُلِقَ بحكمة ومحبة، وأن الإنسان هو ذروة الخليقة مدعو للشركة مع الله. فصل المياه بالجلد هو جزء من هذا التحضير الإلهي الدقيق للعالم الذي سيسكنه الإنسان، مما يُظهر أن الله يهتم بكل تفاصيل بيئة حياتنا.


التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذا النص ليس فقط حدثًا تاريخيًا، بل معاني روحية عميقة تُظهر حكمة الله ومحبته. لقد فهموا الخلق كعمل ثالوثي، وكلمة الله (اللوغوس) هي الوسيلة التي بها خُلِقَ كل شيء.

التفسيرالأب/المصدر
الفصل بين المياه هو إنشاء للنظام. يرى القديس باسيليوس الكبير في "مقالاته في أيام الخلق" (Hexaemeron) أن الله، بكلمته، فرّق وجمع، ليس بالقوة الجافة، بل بالحكمة والنظام. الفصل نفسه هو عمل محبة، لأنه هيّأ الظروف لنشأة حياة متنوعة.القديس باسيليوس الكبير
الجلد هو رمز للسماء المنظورة (الغلاف الجوي). يُشير القديس يوحنا ذهبي الفم إلى أن الله أعدّ بذلك "المخزن" (السماء) للمياه، لتروي الأرض في أوقاتها، مُظهرًا عناية الله المُسبقة وتدبيره للخليقة.القديس يوحنا ذهبي الفم
المياه ترمز أحيانًا إلى قوى الفوضى والشر. في التقليد الآبائي، يُرى أن الله بسلطانه يحدّ ويسيطر على القوى التي قد تدمر الإنسان (مثل المياه في طوفان نوح). فصل المياه يُظهر سلطان الله على كل القوى ومحبته في حماية الخليقة.التقليد الآبائي عمومًا
في الخلق نرى صورة الثالوث. العمل يتم "بكلمة الله" (الابن) و"روح الله يرف" (الروح القدس)، مُظهرًا أن الخليقة كلها هي ثمرة محبة الثالوث الداخلية التي تفيض إلى الخارج.القديس أثناسيوس والقديس غريغوريوس النيصي

الخلفية الثقافية

في العالم القديم، كانت المياه تُصوّر غالبًا على أنها قوى بدائية للفوضى والعدم (مثل "تهاوم" في الأساطير البابلية). رواية التكوين تقدم منظورًا مختلفًا جذريًا: المياه هي مادة خام جيدة خلقها الله، وهو يسيطر عليها ليس بقهر عنيف، بل بكلمة نظامية رحيمة ("ليكن..."). الله لا يحارب وحوشًا، بل ينطق بالنظام إلى الوجود. هذا يؤكد سيادة الله المطلقة وحسن نيته نحو الخليقة.


دراسة الكلمات

في النص العبري الأصلي، تحمل الكلمات الرئيسية دلالات غنية:

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر سلطان كلمة الله الخلاق وقدرته على إقامة النظام والحدودH٧٥٤٩جلد، فضاء، سماء (في هذا السياق: القبة أو النطاق)رَقِيعַרָקִיעַ
تُظهر أن الله هو مصدر كل فصل وتمييز وترتيب في الخليقة والحياةH٩١٤فصل، ميّز، فرّقبَدَلבָּדַל
تذكرنا أن الخليقة كلها صادرة عن إرادة الله المحبة وكلمته الفعالةH١٩٦١كان، صار، حدث (في صيغة الأمر: "ليكن")هَـيَـهהָיָה

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية عن جوانب عميقة من لاهوتنا الأرثوذكسي:

ما تُعلّمه هذه الآيةالموضوع
الله خالق ونظامي. محبته لا تُنتج فوضى، بل تُقيم نظامًا وجمالًا يُعدّان العالم ليكون مسكنًا للحياة والشركة.الله ومحبته
هذه الآية، كجزء من سرد الخلق، تُشير إلى "الكلمة" (اللوغوس)، الابن الأزلي، الذي به خُلِقَ كل شيء (يوحنا ١: ٣). النظام والجمال في الخليقة ينبعان منه.المسيح والخلاص
يُذكّرنا فصل المياه بأن الروح القدس، الذي كان "يرف" على وجه المياه (تك ١: ٢)، يعمل دائمًا ليجدد وجه الأرض ويُقيم نظامًا جديدًا في قلوبنا.الروح القدس
الإنسان مدعو لأن يشارك في هذا النظام الإلهي. حياتنا مدعوة لأن تكون "جلدًا" – مجالًا للسلام والنظام – حيث نُفرّق، بنعمة الله، بين ما هو سماوي وزمني، روحي وجسدي.دعوة الإنسان (التأله)

الرموز والتمهيد

في التقليد المسيحي، وخاصة الأرثوذكسي، المياه تحمل رمزية غنية:

  • المعمودية: المياه التي فوق الجلد وتحت الجلد تُذكرنا بمياه المعمودية. ففي المعمودية، ينزل المؤمن إلى المياه (الموت مع المسيح) ويصعد منها (القيامة). الله، بفصله للمياه، يهيئ رمزيًا لسر التجديد هذا.
  • المسيح يسيطر على المياه: يُرى في سلطان المسيح على بحيرة الجليل (كبح العاصفة – مرقس ٤: ٣٥-٤١) تحقيقًا وتجليًا لسلطان الله الخالق الذي يسيطر على المياه البدئية ويُقيم السلام.
  • مياه الحياة: في الرؤيا (٢٢: ١)، يرى يوحنا "نَهْرَ مَاءِ حَيَاةٍ" صافياً خارجاً من عرش الله. النظام الذي أقامه الله في البدء يجد كماله في أورشليم السماوية، حيث تنبع المياه الحية للجميع بلا عائق.

الاستخدام الليتورجي

تُقرأ هذه الآية ضمن مقاطع من سفر التكوين في أسبوع البصخة (أسبوع الآلام) في بعض التقاليد، خاصة في صلوات السواعي، لتذكير المؤمنين بأن الله الذي رتب النظام في البدء هو نفسه القادر أن يُقيم نظامًا جديدًا من فوضى الخطية والموت بقيادة المسيح. كما أن موضوع المياه والخلق حاضر بقوة في عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، حيث نرى الثالوث القدوس يظهر ويتقدس مياه الخليقة كلها، مجددًا إياها ومحوّلاً إياها إلى ينبوع للتجديد.


التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية إلى النمو في شركتنا مع الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
عندما تشعر أن حياتك مليئة بالفوضى أو "الخواء"، صلِّ قائلاً: "ليكن جلد في وسط مياهي". ثق أن كلمة الله الخلاقة نفسها قادرة أن تُقيم سلامًا ونظامًا في داخلك.الصلاة والثقة
تذكّر أن النظام والجمال في بيتك أو عملك ليسا ترفًا، بل يشيران إلى النظام السماوي. السعي لتنظيم حياتك بنعمة الله هو مشاركة في عمل الخالق.الحياة اليومية والعمل
الله فصل بين المياه. في علاقاتنا، نحتاج إلى "فصل" حكيم، بوضع حدود صحية (Boundaries) تحمي الحب والسلام، وتميّز بين ما يبني وما يُدمر، بمحبة وحكمة.العلاقات

تذكّر: ذلك الجلد الذي أقامه الله في البدء لم يكن حاجزًا معزولاً، بل كان مجالاً حيويًا. هكذا، السلام الذي يمنحه الله لنا ليس هروبًا من العالم، بل هو مجال نعيش فيه ونتنفس فيه روحيًا. الله يُعدّ لك دائمًا مكانًا للسلام وسط العاصفة.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. أين تشعر في حياتك بـ "مياه" مضطربة أو فوضى؟ هل تستطيع أن تطلب من الله، بثقة، أن يُقيم "جلدًا" – سلامًا وترتيبًا – في تلك المنطقة؟ ٢. كيف يمكنك أن تكون، بنعمة الله، أداة لإحلال النظام والسلام (وليس الفوضى أو النميمة) في محيطك – عائلتك، عملك، كنيستك؟ ٣. تأمل في عناية الله المُسبقة في الخلق. هل تؤمن أن الله يهتم ويُعدّ الظروف لحياتك بمحبة؟ حوّل هذا الإيمان إلى صلاة شكر: "أشكرك يا الله، لأنك منذ البدء تُعدّ كل شيء لمصلحتي وخلاصي".


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تؤكد أن الخلق تم بكلمة الله (اللوغوس)، الذي هو المسيح نفسه.يوحنا ١: ١-٣
تُظهر استمرار سلطان الله على المياه كعلامة على عهده ورحمته.أيوب ٣٨: ٨-١١
تربط بين الروح القدس والمياه في عمل التجديد.تيطس ٣: ٥
تُظهر الهدف النهائي: حيث لن يكون بحر ولا مياه مضطربة، بل سلام كامل.رؤيا ٢١: ١

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ٧: تنفيذ أمر الله بالفصل بين المياه.
  • مزمور ١٤٨: ٤: "سَبِّحُوهُ يَا سَمَاوَاتِ السَّمَاوَاتِ وَيَا الْمِيَاهَ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ." – تسبيح الخليقة للخالق.
  • أمثال ٨: ٢٧-٢٩: حكمة الله (المسيح) كانت حاضرًا عند ترسيخ الجلد والسحاب.
  • ٢ بطرس ٣: ٥: تذكير بأن الكلمة الإلهية هي مصدر النظام الكوني.
  • مرقس ٤: ٣٩: "فَقَامَ وَانْتَهَرَ ٱلرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: اسْكُتْ. اِبْكَمْ. فَسَكَنَتِ ٱلرِّيحُ، وَصَارَ هُدُوٌّ عَظِيمٌ." – سلطان المسيح كخالق على الطبيعة.