ماذا تعني تكوين 1:4؟
المعنى والشرح تخبرنا الآية الرابعة من سفر التكوين عن اللحظة الأولى التي يعلن فيها الله تقييمه للخليقة: "وَرَأَى ٱللهُ ٱلنُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ". هذا التقييم ليس مجرد إعلان جمال مادي، بل هو تأكيد عميق على أن النور، كأول مظهر من مظاهر الخليقة، يتوافق تمامًا مع إرادة الله الصالحة. ثم يأتي الفعل الثاني: "وَفَصَلَ ٱللهُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ". الفصل هنا ليس مجرد تنظيم فيزيائي، بل هو إعلان عن النظام الذي يضعه الله في الكون، وهو نظام يهدف إلى التمييز والوضوح، ليمنع الاختلاط بين النور والظلمة، بين الصلاح والشر. هذه الآية هي نافذة لقلب الله الخالق؛ فهي تظهر أنه لا يخلق بشكل اعتباطي، بل يخلق بفرح وحكمة، ويضع نظامًا يكشف عن صلاحه ورعايته المستمرة لجميع ما صنعته يداه.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (تاريخ خلاصي) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل والشعوب كلها | الجمهور |
| صلاح الخليقة ونظام الله المحب | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في اليوم الأول من أسبوع الخلق (تكوين ١: ١-٥). السياق المباشر هو قيام الله، بكلمته القادرة، بخلق النور: "وَقَالَ ٱللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ" (آية ٣). فالنور هو أول أمر إلهي يتحقق، وهو يمثل بداية النظام وتدخل الله المباشر لطرد الفوضى والعدم (الظلمة التي على وجه الغمر). تقييم الله "حَسَنٌ" بعد خلق النور مباشرةً يُظهر أن كل ما يصدر عن الله هو صالح وجميل بذاته. ثم يأتي الفصل بين النور والظلمة ليبني نظامًا زمنيًا (نهار وليل) وجوهريًا (تمييز أساسي في الخليقة).
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، وهو يُقدّم لنا الأساس اللاهوتي لفهم علاقة الله بالإنسان والعالم. بدايته بأصحاح الخلق (تكوين ١-٢) تؤسس لحقيقة أن الله هو مصدر كل وجود، وأن الخلق كله صالح في أصله لأنه من يد الله الصالحة. هذه الآية المبكرة تُرسخ مبدأ أن الله يرى ويُقيّم خليقته، وأنه يضع حدودًا ونظامًا لها. هذه الحقائق تسبق وقوع الخطية (تكوين ٣)، وتُظهر أن النظام والصلاح هما الحالة الأصلية التي يريدها الله للعالم والإنسان.
التفسير الآبائي يرى آباء الكنيسة في هذه الآية تعاليم عميقة عن طبيعة الله وعمله. لم ينظروا إليها كسرد مادي فحسب، بل كوحي روحاني عن الخليقة الجديدة في المسيح.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| "ورأى الله النور أنه حسن": هذا يعني أن النور مُرضٍ لخالقه، وموافق لمشيئته. الله لا يرى كالإنسان، بل رؤيته هنا هي موافقة وحُكم بأن هذا العمل قد أُكمِل حسب قصده الصالح. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| الفصل بين النور والظلمة هو إقامة نظام وحدود. الله يفصل بين الأمور المتضادة ليس ليدمر أحدهما، بل لينظم الخليقة ويمنع الاختلاط العشوائي. هذا يرمز أيضًا إلى الفصل بين المعرفة والجهل، بين الفضيلة والرذيلة في الحياة الروحية. | القديس باسيليوس الكبير |
| تقييم "حَسَنٌ" هو شهادة على الجوهر الصالح للخليقة المادية. فالمادة ليست شريرة في ذاتها، بل هي صالحة لأنها من صنع الله. هذا يُقاوم أي فكر ثنائي (مانوي) يرى العالم المادي شريرًا. | التقليد الآبائي عمومًا |
| النور المخلوق في اليوم الأول هو تمهيد ورمز للنور غير المخلوق، أي نور الله ذاته، الذي سيُعلن في ملء الزمان في شخص يسوع المسيح، "نور العالم". | القديس غريغوريوس النيصص |
دراسة الكلمات ترتبط الكلمات الرئيسية في هذه الآية بمفاهيم أساسية في الفكر الأرثوذكسي عن الخلق والنظام.
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن الخليقة تحمل طابع صلاح وجمال إلهي، وتُرضي خالقها. إنها ليست محايدة، بل هي حسنة بذاتها. | H٢٨٩٦ | جيد، جميل، مفيد، صالح | طوب | טוֹב |
| تكشف عن عمل الله كمنظم وحكيم. الفصل هو وضع حدود وتمييز، مما يُظهر النظام الإلهي ويمنع الفوضى. إنه فعل رعاية. | H٩١٤ | فصل، ميّز، فرّق، وضع حدًا | بَدَل | בָּדַל |
| النور هنا هو أول مخلوق، وهو رمز للمعرفة والحياة والوحي الإلهي. الظلمة ترمز إلى الغياب والفوضى الأولية قبل تدخل كلمة الله. | H٢١٦ | نور، إشراق، بهاء | أور | אוֹר |
| الظلمة التي فصل الله النور عنها هي حالة العدم والفوضى (الغمر)، وليست شرًا مستقلاً. الله يسود عليها بخلق النور. | H٢٨٢٢ | ظلمة، غموض، حلكة | خوشِك | חֹשֶׁךְ |
الأهمية اللاهوتية تكشف هذه الآية البسيطة حقائق لاهوتية عميقة عن الله وعمله الخلاصي:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله مُدرك للخير: رؤية الله أن النور "حسن" تُظهر أنه يفرح بصلاح خليقته. محبته تتجلى في تقديره وإعلانه عن جمال وصحة ما صنع. | الله ومحبته |
| الله منظم وحكيم: فعل الفصل يظهر أن الله إله نظام وليس فوضى (١ كورنثوس ١٤: ٣٣). نظامه الخلقي هو تعبير عن رعايته، وهو يُهيئ العالم لاستقبال الإنسان. | طبيعة الله |
| المسيح هو النور الحقيقي: النور المخلوق في البدء هو صورة ونبوءة عن "النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان" (يوحنا ١: ٩)، أي الرب يسوع المسيح. به خُلقت كل الأشياء (يوحنا ١: ٣). | المسيح والخلاص |
| دعوة الإنسان للتمييز: كما فصل الله بين النور والظلمة، يدعونا نحن إلى "امتحان كل شيء" و**"التمييز"** بين ما هو حسن وما هو رديء (١ تسالونيكي ٥: ٢١)، وذلك بنور نعمة الروح القدس. | الروح القدس |
| التأله كاستنارة: رحلة الإنسان نحو الاتحاد بالله (التأله) هي عملية استنارة تدريجية، حيث ينفصل (يميز نفسه) عن ظلمة الخطية والجهل، ويقترب من نور معرفة الله. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد من منظور العهد الجديد والآباء، يحمل النور والظلمة في قصة الخلق بُعدًا مسيانيًا (يشير إلى المسيح):
- النور كرمز للمسيح: يرى آباء الكنيسة أن "ليكن نور" هي كلمة الله الخالقة، أي الابن، الكلمة. لذلك، النور الأول هو رمز وتمهيد للرب يسوع الذي هو "نور العالم" (يوحنا ٨: ١٢). الخليقة تبدأ بالنور، والخلاص الجديد يبدأ بمجيء النور إلى العالم.
- الفصل كرمز للعماد والخلاص: الفصل بين النور والظلمة يرمز إلى عمل المسيح الخلاصي، الذي فصل بين ملكوت النور (ملكوته) وملكوت الظلمة (قوى الشر). في سر المعمودية، ينفصل المؤمن عن ظلمة الخطية والموت ويُنتقل إلى "مملكة ابن محبته"، إلى "النور العجيب" (كولوسي ١: ١٣؛ ١ بطرس ٢: ٩).
- "حَسَنٌ" والإعلان عن الصلاح: تقييم الله "حَسَنٌ" للخليقة يُعلن أن العالم المادي صالح. هذا يُهيئ لفكرة التجسد، حيث يأخذ الابن الكلمة جسدًا ماديًا (يصير إنسانًا) من مادة هي في أساسها صالحة، ليشفيها ويقدسها.
الاستخدام الليتورجي تحظى آيات الخلق، وخاصة فكرة النور، بمكانة خاصة في الليتورجيا الأرثوذكسية:
- صلاة الغروب (الفسبر): تبدأ صلاة الغروب، التي تمثل بداية اليوم الليتورجي، بترتيل "تعالوا نسجد لله الملك..."، متبوعة بمقطع من المزمور ١٠٣ (١٠٤) الذي يذكر الخلق. تُذكر صلاة الغروب انتقال العالم من ظلمة الخطية إلى نور النعمة بانتظار مجيء "نور المساء"، أي المسيح.
- عيد الظهور الإلهي (الغطاس): في هذا العيد، تُعلن الكنيسة أن المسيح هو النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم. تُقرأ نصوص عن الخلق والنور، ويُرمز بغطاس المسيح (عماده) إلى تقديس الخليقة المائية وجميع العناصر المادية، التي خُلقت صالحة.
- طقس المعمودية: يُضاء شمعة كبيرة من شمعة المعمودية، ويُقال للمعتمد: "اقبل سر النور غير المخلوق". هذا يمثل دخوله من ملكوت الظلمة إلى ملكوت النور، محققًا رمزية الفصل الإلهي في حياته الشخصية.
- تسبحة نصف الليل: تُتلى فيها صلوات تُذكر بالنور الإلهي الذي يبدد ظلمة الخطية والموت، طالبة من الله أن يشرق في قلوب المؤمنين بنور معرفته.
التطبيق الروحي كيف تُساعدنا هذه الآية على النمو في شركتنا مع الله اليوم؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| شكر على الجمال: دع مشاهدة جمال النور في الطبيعة (شروق الشمس، ضوء النهار) تدفعك للشكر والتسبيح لله الذي رأى النور حسنًا. اجعل من إدراك الجمال في الخليقة بابًا للصلاة. | الصلاة والعبادة |
| طلب النور الداخلي: صلِّ باستمرار: "يارب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني. أنر ظلمة قلبي". اطلب من الله، النور الحقيقي، أن يطرد كل ظلمة خطية أو شك أو حزن من داخلك. | الحياة الداخلية |
| التمييز الروحي: كما فصل الله، تعلّم أن تميّز في حياتك بين ما هو من النور (المحب، الصادق، البنّاء) وما هو من الظلمة (الحقد، الكذب، التدمير). اسأل الروح القدس أن يمنحك موهبة التمييز. | العلاقات والقرارات |
| الرجاء في النظام: في أوقات الفوضى والشعور بعدم النظام في حياتك أو في العالم، تذكّر أن الله إله نظام. هو الذي فصل النور عن الظلمة في البدء، وهو قادر أن يُعيد النظام والسلام إلى قلبك وظروفك. ثق برعايته. | التجارب والصعوبات |
الله الذي رأى النور الأول حسنًا، يرى حياتك أنت أيضًا ويُقيمها. قد تشعر أحيانًا بأنك في ظلمة أو فوضى، لكن كلمة الله الخالقة ما زالت تقول في عمق كيانك: "ليكن نور". استقبل هذه الكلمة بالإيمان، ودع نعمة الروح القدس تفصل فيك ما للنور عما للظلمة. تذكّر أن كل ما يصنعه الله "حَسَنٌ"، وهو يعمل فيك "لعمل الصلاح" (أفسس ٢: ١٠). دع هذا اليقين يملأك سلامًا وشجاعة.
أسئلة للتأمل والصلاة ١. في أي مجال من حياتي أشعر بالحاجة إلى "نور" الله ليشرق ويُظهر الطريق؟ توقف وصلِّ طالبًا الاستنارة الإلهية. ٢. هل أقبل بتواضع أن الخليقة المادية (بما فيها جسدي) هي "حسنة" لأنها من صنع الله؟ كيف يمكنني أن أعيش هذه الحقيقة في تعاملي مع جسدي والعالم من حولي؟ ٣. أين أحتاج إلى "فصل" أو تمييز في أفكاري أو عواطفي أو علاقاتي؟ اطلب من الروح القدس الحكيم أن يساعدك على وضع حدود صحيّة وتمييز الخير من الشر.
المراجع المتقاطعة هذه الآيات تُساعدنا على رؤية الصورة الكاملة لعمل النور والفصل في خطة الله:
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| النور الحقيقي غير المخلوق: يُعلن أن المسيح هو النور الحقيقي الذي كان في البدء، والذي به خُلقت كل الأشياء. | يوحنا ١: ١-٩ |
| الله إله نظام: يؤكد أن الله ليس إله تشويش بل إله سلام ونظام في كل كنائس القديسين. | ١ كورنثوس ١٤: ٣٣ |
| دعوة المؤمنين للنور: نحن مدعوون لنكون أبناء النور، وأن نسلك في النور كما هو في النور. | أفسس ٥: ٨؛ ١ يوحنا ١: ٧ |
| الخلق بالكلمة: يؤكد أن كل الخليقة، بما فيها النور، صُنعت بكلمة الله القادرة. | المزمور ٣٣: ٦، ٩ |
| النور في الخليقة الجديدة: في أورشليم السماوية، لن يحتاجوا إلى نور الشمس، لأن الله نفسه ينيرهم. | رؤيا ٢١: ٢٣؛ ٢٢: ٥ |
آيات ذات صلة لتتعمق أكثر في موضوع النور وصلاح الخليقة من منظور الكتاب المقدس:
- المزمور ٣٦: ٩: "لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ ٱلْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُورًا." (النور الحقيقي مصدره في شركة مع الله)
- إشعياء ٤٥: ٧: "مُصَوِّرُ ٱلنُّورِ وَخَالِقُ ٱلظُّلْمَةِ، صَانِعُ ٱلسَّلَامِ وَخَالِقُ ٱلشَّرِّ. أَنَا ٱلرَّبُّ صَانِعٌ كُلَّ هَٰذِهِ." (الله هو صانع كل شيء، وهو المسيطر على النقيضين)
- ٢ كورنثوس ٤: ٦: "لأَنَّ ٱللهَ ٱلَّذِي قَالَ: أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لِإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ." (النعمة تخلق نورًا جديدًا في القلب، محققة رمز الخلق الأول)
- يعقوب ١: ١٧: "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مُوهَبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي ٱلْأَنْوَارِ..." (الله هو أبو الأنوار، مصدر كل صلاح)
- ١ بطرس ٢: ٩: "لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ ٱلْعَجِيبِ." (وصف لخبرة المعمودية والخلاص كخروج من الظلمة إلى النور)