السابقتكوين ١:١٤التالي

تكوين ١

تكوين 1:14

وَقَالَ ٱللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ ٱلنَّهَارِ وَٱللَّيْلِ، وَتَكُونَ لِآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ.

English (KJV):

And God said, Let there be lights in the firmament of the heaven to divide the day from the night; and let them be for signs, and for seasons, and for days, and years:

ماذا تعني تكوين 1:14؟

المعنى والشرح

تكوين ١: ١٤ تُعلن عن عمل الله المحب في اليوم الرابع من الخلق، حيث يُنشئ الأنوار في جلد السماء ليس فقط لإضاءة الأرض، بل لنَظم الزمان نفسه وتوجيه الإنسان نحو خالقه. هذه الآية تُظهر أن الله ليس خالقًا عشوائيًا، بل إلهًا منظّمًا ومُحبًا يُريد لخليقته أن تعيش في نظام وانسجام. الأنوار التي خلقها – الشمس والقمر والنجوم – هي أكثر من مجرد أجرام سماوية؛ فهي "آيات" تُعلن مجد الله (المزمور ١٩: ١)، و"أوقات" تُقسّم حياتنا إلى فترات مقدسة للصلاة والعمل، و"أيام وسنين" تُذكرنا بأن الزمان نفسه هبة من الله ومساحة للشركة معه.

في قلب هذا الأمر الإلهي "لِتَكُنْ أَنْوَارٌ" نرى استمرارًا لتدفق محبة الله الخلاّقة. فبعد أن فصل الله بين النور والظلمة في اليوم الأول (تكوين ١: ٣-٥)، ها هو الآن يضع مصادر دائمة ومنظمة لهذا النور. هذا يُظهر رعاية الله الدقيقة: فهو لم يترك العالم في ظلمة دائمة أو نور عشوائي، بل أعدّ مصادر ثابتة للحرارة والضوء والوقت. إنه إله النظام والجمال الذي يُعدّ كل شيء لمصلحة الإنسان، حتى قبل خلقه. الشمس، التي ترمز للمسيح "شمس البر" (ملاخي ٤: ٢)، تُعطي دفئًا ونورًا للحياة. والقمر، الذي يعكس نور الشمس، يُشير إلى الكنيسة التي تعكس نور المسيح للعالم. والنجوم، التي لا تُحصى، تُذكرنا بأن الله يدعو كل واحد منا باسمه (إشعياء ٤٠: ٢٦) ويُعدّ لنا مكانًا في ملكوته.

الأمر الإلهي بأن تكون هذه الأنوار "لِآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ" يكشف عن نية أعمق: الله يُريد أن يكون الزمان مساحة للقاء معه. فالأوقات (المواسم) والأيام والسنين لم تُخلق فقط لأغراض زراعية أو فلكية، بل لتكون إطارًا لعبادة الإنسان وتقديسه للزمن. في التقليد الأرثوذكسي، تحوّل الكنيسة هذه الوحدات الزمنية الطبيعية إلى أوقات مقدسة: ساعات الصلاة، وأسابيع الصوم، ودورات الأعياد الكنسية. وهكذا، فإن كل لحظة تمر تحت السماء المرصعة بالنجوم هي دعوة من الله للصلاة والتأمل والشكر.

خلاصة المعنى: في خلق الأنوار، لا يُظهر الله قوته الخلاّقة فحسب، بل يُظهر أيضًا حكمته الأبوية ومحبته العميقة. فهو يُنظم الكون ليُحافظ على الحياة، ويُقدس الزمان ليُرشد البشر إلى الخلاص. كل شروق شمس هو تذكار برحمته الجديدة كل صباح (مراثي إرميا ٣: ٢٣)، وكل دورة قمر هي دعوة للتوبة والتجديد، وكل نجمة في الليل هي بصيص رجاء في ظلام العالم.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (خَلقي)النوع الأدبي
موسى النبي (التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل والشعب المسيحيالجمهور
نظام الخلق ومحبة الله المُنظمةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في قلب رواية الخلق في الأسبوع الأول (تكوين ١: ١–٢: ٣). تسبقها أيام الخلق الثلاثة الأولى التي أقامت البنى الأساسية: النور والظلمة، الجلد (السماء) والمياه، اليابسة والنباتات. تليها الآيات التي تصف تنفيذ الأمر الإلهي (تكوين ١: ١٥-١٩)، حيث خلق الله النيرين العظيمين والنجوم وجعلها في جلد السماء. هذا اليوم الرابع يُكمّل اليوم الأول (خلق النور) بشكل متناظر، مما يُظهر نظامًا وإتقانًا في عمل الله. السياق يُظهر تدرجًا من الخلق العام إلى الخاص، ومن الفصل إلى الملء، حيث يضع الله كل شيء في مكانه لمصلحة الإنسان الذي سيُخلق بعد أيام قليلة.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، والأصحاح الأول هو أساس كل القصة الكتابية اللاحقة. هذه الآية جزء من الإعلان الأساسي عن الله كخالق صالح وحكيم، وهو الحق الذي سيتحداه السقوط والخطية لاحقًا، ولكن الله سيظل يعمل من خلال نفس النظام الطبيعي ليقود البشرية نحو الفداء. النظام الكوني الذي أقامه الله هنا سيكون المسرح الذي تجري عليه دراما الخلاص، من دعوة إبراهيم تحت النجوم (تكوين ١٥: ٥) إلى النجم الذي قاد المجوس إلى المسيح (متى ٢: ٢).


التفسير الآبائي

التفسيرالأب/المصدر
الأنوار خُلقت ليس لحاجة الله، بل لمصلحة الإنسان. الشمس تُعطي الحياة للنباتات والحيوانات، والقمر يُنظم المد والجزر والأوقات، وكلاهما يُعلّمان الإنسان عن وجود الخالق وبرّه.القديس باسيليوس الكبير (عظات على سفر التكوين)
عندما يقول "لِتَكُنْ أَنْوَارٌ" فإن كلمة الله هي التي تعمل. هذه الكلمة نفسها ستتجسد لتكون "نور العالم" (يوحنا ٨: ١٢). فالأنوار المخلوقة هي رمز وتمهيد للنور غير المخلوق، وهو الله نفسه.القديس يوحنا ذهبي الفم (عظات على سفر التكوين)
"لِآيَاتٍ" – أي علامات. فالآباء رأوا في هذه العلامات ليس فقط دلائل فلكية، بل إشارات روحية. تغيرات السماء تُذكرنا بتغيرات حياتنا وتدعونا إلى الثبات في الله الذي لا يتغير.القديس غريغوريوس النيصي
النظام الدقيق للشمس والقمر يُشير إلى نظام الكنيسة وطقوسها. فكما أن الأجرام السماوية تتحرك بتناغم بحسب ناموس وضعها الله، هكذا يجب أن تتحرك حياتنا الروحية بتناغم مع ناموس الله ووصاياه.التقليد الآبائي عمومًا

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله هو مصدر النظام والجمال، وليس الفوضى. محبته تتجلى في ترتيبه لكل شيء لمصلحة الإنسان، حتى في أدق تفاصيل الكون.الله ومحبته
الأنوار، وخاصة الشمس، تُشير رمزيًا إلى المسيح "نور العالم". خلق الأنوار الجسدية يُمهّد الطريق لفهم المسيح كمصدر النور الروحي والحياة الأبدية.المسيح والخلاص
النظام الكوني الذي يحفظه الله يشهد لعمل روحه القدوس الذي "يرف على وجه المياه" (تكوين ١: ٢) ويُجدّد وجه الأرض (المزمور ١٠٤: ٣٠).الروح القدس
الإنسان مدعو ليس فقط للاستفادة من النظام الكوني، بل ليتأمل فيه ويصعد منه إلى معرفة الخالق. هذا هو بداية طريق التأله: من الخليقة إلى الخالق.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

كثير من آباء الكنيسة رأوا في أنوار اليوم الرابع رموزًا مسيحانية (مسيحية):

  • الشمس: هي رمز واضح للمسيح، "شمس البر" (ملاخي ٤: ٢). فكما أن الشمس تُعطي الحياة الجسدية، المسيح يُعطي الحياة الأبدية. كما أن الشمس لا يمكن النظر إليها مباشرة بقدراتنا المحدودة، هكذا لا يُمكن إدراك لاهوت المسيح الكامل، لكننا ننعم بحرارته ونوره.
  • القمر: الذي لا نور ذاتي له بل يعكس نور الشمس، هو رمز للكنيسة. فالكنيسة لا تملك نورًا خاصًا بها، بل تعكس نور المسيح للعالم. كما أن أطوار القمر تُشير إلى حالات الإنسان الروحية بين النمو والنقصان، ولكن النور الأصلي (المسيح) يظل ثابتًا.
  • النجوم: تُشير إلى القديسين، الذين "يُضيئون كأنوار في العالم" (فيلبي ٢: ١٥). كما أن النجم قاد المجوس إلى المسيح، هكذا حياة القديسين تقود الآخرين إلى الله.

هذا التفسير الرمزي لا يُلغي الحقيقة التاريخية والحرفية للخلق، بل يضيف عليها بُعدًا روحيًا يُظهر كيف أن كل الخليقة تشير إلى المسيح وتحضر له.


الاستخدام الليتورجي

لآية تكوين ١: ١٤ وما يليها أهمية خاصة في التقليد الليتورجي الأرثوذكسي:

١. في صلوات الساعات (السواعي): تُذكر دورة النهار والليل، التي أنشأها الله، في صلوات الغروب والعرس (المساء) وصلاة نصف الليل وصلاة باكر (الصباح). تغيير الأوقات الطبيعية يُذكرنا بتغيير الأوقات الروحية للصلاة. ٢. في أعياد التجلي وعيد الصليب: حيث يُعلن مجد الله كالنور غير المخلوق. خلق الأنوار المادية يُعدّ أذهاننا لفهم نور التجلي الإلهي. ٣. في طقوس البركة (الاغابي) في عيد الغطاس (عيد الظهور الإلهي): حيث تُبارك المياه والعناصر الطبيعية، تذكر الكنيسة أن كل الخليقة، بما فيها الأجرام السماوية، صالحة لأنها من صنع الله وتُقدس بتجسده. ٤. في توقيت الأعياد الكنسية: العديد من الأعياد الكبرى (مثل الفصح والعنصرة) مرتبطة بأوقات فلكية (الاعتدال الربيعي، الخ). هذا يربط تاريخ الخلاص بنظام الخلق الذي وضعه الله.


التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
جعل أوقات الصلاة اليومية (مثل صلاة باكر مع شروق الشمس، وصلاة الغروب) فرصة للشكر على نظام النهار والليل الذي وضعه الله لخيرنا.الصلاة والعبادة
النظر إلى جمال السماء ليلاً أو نهارًا كمدخل للتسبيح: "السموات تحدث بمجد الله" (مز ١٩: ١). يمكن أن تكون هذه ممارسة بسيطة تُجدد إيماننا.العلاقة مع الله
في فترات "الظلام" الروحي أو الصعوبات، تذكر أن الله هو الذي خلق النور والظلمة، وهو يسمح بفترات الظلام لنمونا، لكن النور (المسيح) سيشرق مجددًا.التجارب والصعوبات

الله الذي رتب النجوم في مجرات والقمر في مداره، هو نفسه الذي يرتب أحداث حياتنا بخير ومحبة. قد لا نفهم دائماً نظام تحركاته، لكننا نثق أنه يعمل لكل خير لمحبيه (رومية ٨: ٢٨). كل صباح، عندما تشرق الشمس، هي ليست ظاهرة فيزيائية فحسب، بل هي رمز لرأفة الله التي "جديدة في كل صباح" (مراثي ٣: ٢٣). دعنا نتقبل كل يوم كهدية جديدة من محبته، وكل ليلة كفرصة للراحة في حماية يده.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. تأمل: عندما تنظر إلى الشمس أو القمر أو النجوم في المرة القادمة، هل يمكنك أن تراها كـ"آية" من عند الله تُخاطبك شخصيًا؟ ما الذي قد تقوله لك عن محبته وعظمته؟ ٢. تفحص: كيف أستخدم وقتي (الأيام والسنيين التي منحني إياها الله)؟ هل هي مكرسة بشكل ما لخدمته وشكرانه، أم أنها تضيع في الفوضى والاهتمامات الأرضية؟ ٣. صلاة: "يا رب، أنت الذي رتبت الأنوار في السماء لهدايتنا وتنظيم زماننا، أعطني عينين لرؤية نظام محبتك في حياتي، وقلبًا شاكرًا على كل وقت تمنحني إياه. ساعدني أن أقدس الوقت بالصلاة والأعمال الصالحة، حتى يكون كل يوم خطوة نحو الاتحاد بك. آمين."


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
المزمور ١٩: ١-٤: يشرح دور السماوات والأجرام السماوية كمنادية بمجد الله بدون كلمات."اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ."
إشعياء ٤٠: ٢٦: يربط خلق النجوم وقدرة الله على دعوتها كلها باسمها بمحبته الفردية وعنايته بكل إنسان."ارْفَعُوا إِلَى الْعُلُيَا عُيُونَكُمْ، وَانْظُرُوا مَنْ خَلَقَ هَذِهِ؟ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنُودَهَا. يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ."
يوحنا ١: ٤-٩: يعلن أن المسيح هو "النور الحقيقي" الذي كان يضيء منذ البداية، وهو مصدر كل نور روحي، مكملاً نور الخليقة المادية."كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ."
رؤيا ٢١: ٢٣: يصور النهاية حيث لا حاجة للشمس أو القمر، لأن مجد الله هو نور المدينة السماوية، ممجدًا النور المخلوق في النور غير المخلوق."وَلَمْ تَكُنِ الْمَدِينَةُ مُحْتَاجَةً إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِتُضِيءَ فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا."

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ٣-٥: خلق النور وفصله عن الظلمة في اليوم الأول.
  • تكوين ١: ١٦-١٨: تفاصيل صنع النيرين العظيمين والنجوم ووظيفتها.
  • المزمور ١٣٦: ٧-٩: تسابيح لله خالق الأنوار.
  • إرميا ٣١: ٣٥: الله الذي يثبت نظام الشمس والقمر كعلامة على عهده الأبدي.
  • متى ٥: ١٤-١٦: دعوة المسيح للمؤمنين أن يكونوا هم "نور العالم".