ماذا تعني تكوين 1:25؟
تفسير تكوين ١: ٢٥ من منظور الكنيسة الأرثوذكسية
المعنى والشرح
تخبرنا هذه الآية الجميلة عن اليوم السادس من الخلق، حيث يكمل الله صنع الحيوانات الأرضية بأنواعها المتنوعة، ثم ينظر إليها ويرى أنها "حسنة". هذا ليس مجرد سرد لأحداث الخلق، بل هو إعلان عن محبة الله الفائقة التي تفرح بتنوع الخليقة وتكملها. الله الخالق لا يصنع أشياء عشوائية، بل يخلق كل كائن بحكمة ومحبة، ويمنحه مكانته الخاصة في النظام الجميل الذي وضعه.
عندما يقول النص أن الله عمل الحيوانات "كأجناسها"، فإنه يؤكد نظام الخليقة وحكمة الخالق. فالله لم يخلق فوضى، بل نظاماً متناغماً حيث لكل مخلوق هويته وطبيعته الخاصة التي تحمل بصمة حكمة الله. والأجمل من ذلك هو نهاية الآية: "وَرَأَى ٱللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ". هذه العبارة تكشف قلب الله الأبوي الذي يفرح بعمله، ويرضى عن الخليقة التي أبدعها. إنها صورة مؤثرة للإله المحب الذي لا يخلق وينسى، بل يتابع خليقته ويسر بها. في التقليد الأرثوذكسي، هذا "الحسن" ليس مجرد جمال خارجي، بل هو تعبير عن صلاح الله المتجلي في الخليقة، ونذير بالصلاح الأسمى الذي سيحققه في الإنسان لاحقاً.
هذه الآية تدعونا لننظر إلى العالم الحيواني حولنا ليس كشيء ثانوي أو عرضي، بل كجزء من فسيفساء الخليقة الجميلة التي تسبح خالقها. كل حيوان، بخصائصه الفريدة، هو مرآة تعكس جانباً من حكمة الله اللامتناهية. وعندما نتعجب من تنوع الحيوانات وغرائزها المعقدة، فإننا في الحقيقة نتعجب من حكمة الصانع الذي أوجدها. الله يرى أن خليقته حسنة، ونحن مدعوون أن نشاركه هذه النظرة، فنتعلم الشكر والتسبيح على عجائب صنعه.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (أدب الخلق) | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب التقليدي |
| شعب إسرائيل والشعوب كلها | الجمهور الأصلي |
| تنوع الخليقة وصلاحها | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في قلب اليوم السادس من أيام الخلق، قبل خلق الإنسان مباشرة. الآيات السابقة (تكوين ١: ٢٠-٢٤) تصف خلق الكائنات البحرية والطيور والحيوانات البرية، بينما الآيات التالية (تكوين ١: ٢٦-٣١) تنتقل إلى ذروة الخلق: صنع الإنسان على صورة الله ومثاله. موقع الآية مهم جداً: فالله يصنع البيئة المناسبة (النباتات والحيوانات) قبل أن يخلق الإنسان، وكأنه يهيئ له بيتاً جميلاً مليئاً بالحياة. هذا يظهر رعاية الله الأبوية ومحبته للإنسان، حيث لا يضعه في فراغ، بل في عالم غني بالحياة والجمال.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، والأصحاح الأول هو أساس كل العلاقة بين الله والإنسان. تكرار عبارة "وَرَأَى ٱللهُ أَنَّهُ حَسَنٌ" (التي تظهر سبع مرات في الأصحاح) يشكل لحنًا ليتورجياً من التسبيح. كل مرحلة من مراحل الخلق تنتهي بفرح الله وصلاحه. الآية ٢٥ هي السادسة في هذا التسابيح السبع، وتشير إلى أن عالم الحيوانات بكل تنوعه هو جزء من هذه السمفونية الإلهية الجميلة. الخلق كله هو هبة محبة من الله، وكل جزء فيه يحمل علامة صلاح الخالق.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يرى القديس باسيليوس الكبير أن عبارة "كأجناسها" تؤكد نظام الخليقة وحكمة الله. فالله وضع حدوداً طبيعية لكل نوع، مما يظهر اهتمامه بكل مخلوق على حدة. التنوع في الخليقة ليس عبثياً، بل هو تعبير عن غنى حكمة الله التي لا تُحصى. | القديس باسيليوس الكبير |
| يعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على عبارة "ورأى الله ذلك أنه حسن"، قائلاً أن هذا يعلن رضى الله عن عمله. فالله كفنان بارع يفرح بتحفة يده. هذا الفرح الإلهي هو أساس دعوتنا لنفرح نحن أيضاً بخلائق الله ونهتم بها. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| يؤكد التقليد الآبائي أن "الحسن" هنا يشير إلى الصلاح الجوهري للخليقة. فالله لا يخلق شراً، وكل ما صنعه يداه هو حسن في ذاته. الحيوانات، بكل غرائزها وطبائعها، هي جزء من هذا الصلاح الأصلي. الشر يدخل العالم لاحقاً بسبب الخطيئة، لكن الخليقة في أصلها تبقى حسنة. | التقليد الآبائي عمومًا |
| يرى بعض الآباء في تنوع الحيوانات رمزاً لتنوع النعم في الكنيسة. فكما أن الحيوانات المختلفة تخدم بأشكال متعددة، هكذا المواهب والخدمات في جسد المسيح متنوعة لكنها متكاملة، وكلها تصدر من حكمة الله المحبة. | الرمزية الآبائية |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| تُظهر الآية أن الله محب للحياة والتنوع. خلق "أجناساً" متعددة يكشف عن قلب الله الخلاق الذي يفرح بالغنى والجمال. الله ليس بخيلاً في عطاياه، بل يفيض صلاحاً في تنوع مذهل. | الله ومحبته |
| تُعلمنا أن الخليقة المادية هي حسنة في نظر الله. الأرثوذكسية ترفض أي نظرية تحط من قدر العالم المادي أو ترى فيه شراً بذاته. المادة هي عمل يد الله الصالحة. | صلاح الخليقة المادية |
| تُظهر أن الله خالق نظام وليس فوضى. عبارة "كأجناسها" تؤكد وجود نظام طبيعي وحكمة إلهية توجه الخليقة. هذا النظام هو هبة محبة تسمح بالحياة والاستقرار. | حكمة الله ونظام الخليقة |
| تدعونا إلى الاتحاد بالله من خلال التسبيح. إذا نظر الله إلى الحيوانات ووجدها حسنة، فكم بالحري يدعونا نحن البشر أن نرى جمال خليقته ونرفع قلوبنا بالشكر له. | دعوة الإنسان للتسبيح |
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| تدعونا إلى تأمل عجائب الخلق كطريق للقاء مع الخالق. عندما نرى تنوع الحيوانات وتعقيدها، تتجه قلوبنا تلقائياً إلى التسبيح لله الذي أوجد هذا الجمال. | الصلاة والعبادة |
| تذكرنا بمسؤوليتنا تجاه الخليقة. إذا رأى الله الحيوانات "حسنة"، فنحن مدعوون أن نتعامل معها بالرحمة والرعاية، لا بالاستغلال أو القسوة. | العلاقة مع الخليقة |
| تقدم لنا رجاءً في صلاح الله الأصلي. في عالم يموج بالآلام، تذكرنا هذه الآية أن الله لم يخلق شراً، وأن الصلاح الأصلي للخليقة يشير إلى استعادة الله النهائية لكل شيء في المسيح. | الرجاء في وسط الألم |
| تساعدنا على تواضع القلب. تنوع الحيوانات وغرائزها المعقدة تذكرنا أن حكمة الله تفوق إدراكنا بكثير. هذا يدعونا إلى التواضع والاندهاش أمام أسرار الخلق. | الفضائل الروحية |
الله الذي نظر إلى الحيوانات ووجدها حسنة، ينظر إليك اليوم ويجد فيك، أيها الإنسان المخلوق على صورته، جمالاً وكرامة أعظم بكثير. قد تكون قد أظلمت الصورة بالخطيئة، لكنها لم تمح. الله الذي فرح بخلقته الأولى، يفرح أكثر بخلقته الجديدة في المسيح. دعونا نتطلع إلى الخليقة من حولنا لا كخلفية لحياتنا، بل ككتاب مفتوح يعلن مجد الخالق. كل حيوان، ببساطته أو تعقيده، يسبح خالقه بطريقته الخاصة. فكم بالحري نحن، الذين منحنا الله نعمة الكلام والعقل، مدعوون أن نرفع تسبحة الشكر على عجائب صنعه. تذكّر: العالم من حولك هو هبة محبة من أب يحبك، وهيئ لك بيتاً جميلاً لتعيش فيه وتتعرف عليه من خلاله.
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تؤكد أن الحيوانات أيضاً هي جزء من عناية الله ورعايته | متى ٦: ٢٦ ("اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ... أَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا") |
| تظهر أن حكمة الله متجلية في تنوع الخليقة وتعقيدها | الأمثال ٣٠: ٢٤-٢٨ (ذكر أربعة حيوانات صغار حكيمة) |
| تذكرنا أن الخليقة كلها تتوق إلى التحرر من الفساد | روما ٨: ١٩-٢٢ |
| تُظهر أن الله يعتز بخليقته الحيوانية ويحفظها | يونان ٤: ١١ (خاتمة سفر يونان) |
آيات ذات صلة
- مزمور ١٠٤: ٢٤-٢٥: "مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلْآنَةٌ ٱلْأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ... هُنَاكَ ٱلْبَحْرُ ٱلْكَبيرُ ٱلْوَاسِعُ ٱلْأَطْرَافِ. هُنَاكَ دَبَّابَاتٌ لَا عَدَّ لَهَا، حَيَوَانَاتٌ صِغَارٌ مَعَ كِبَارٍ." (تسبحة لحكمة الله في الخليقة)
- أيوب ١٢: ٧-١٠: "وَٱسْأَلِ ٱلْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ ٱلسَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ... ٱلَّذِي بِيَدِهِ نَفْسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ بَشَرٍ." (الخليقة تعلّم عن الله)
- رؤيا ٤: ١١: "أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ ٱلْجَلَالَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْقُدْرَةَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ." (تسبحة الخليقة للخالق في السماء)
- كولوسي ١: ١٦: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ ٱلْكُلُّ: مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلْأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى... ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ." (المسيح هو وسيط الخلق)