السابقتكوين ١:١٧التالي

تكوين ١

تكوين 1:17

وَجَعَلَهَا ٱللهُ فِي جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ،

English (KJV):

And God set them in the firmament of the heaven to give light upon the earth,

ماذا تعني تكوين 1:17؟

الشرح الأرثوذكسي لتكوين ١: ١٧

المعنى والشرح

"وَجَعَلَهَا ٱللهُ فِي جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ" — هذه الآية البديعة تُخبرنا كيف وضع الله النيرات (الشمس والقمر والنجوم) في جلد السماء لتُنير على الأرض. لكنها ليست مجرد حقيقة علمية عن خلق الأجرام السماوية، بل هي إعلان عميق عن محبة الله الأبوية ورعايته للخليقة. الله الذي يهتم حتى بأصغر تفاصيل حياتنا، قد خلق هذه الأنوار العظيمة لخدمة الأرض وسكانها، مُظهرًا أنه إله نظام وجمال وعناية.

الله، في محبته غير المحدودة، لم يخلق الكون ثم تركه، بل وضَعه في نظام دقيق يعكس حكمته ومحبته. النيرات لم تُخلق للعرض أو للتفاخر، بل "لِتُنِيرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ" — أي لخدمة الإنسان والخليقة. هذا يُذكرنا أن محبة الله عملية وعملانية: فهو يهتم باحتياجاتنا حتى الجسدية منها، ويوفر لنا ما نحتاجه للحياة والنمو. في اليوم الرابع للخليقة، نرى الله كأب حنون يُعدّ البيت لاستقبال أولاده، وينير الطريق لهم قبل مجيئهم.

عزيزي القارئ: الله الذي رتب الأنوار في السماء لخدمتك، هو نفسه الذي يريد أن يُنير درب حياتك اليوم بنوره الإلهي. كما أن الشمس تُشرق على الجميع بدون تمييز، هكذا محبة الله تشمل كل البشر بلا استثناء.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسيالنوع الأدبي
موسى النبيالكاتب
شعب إسرائيل والجنس البشري كلهالجمهور
محبة الله الخالقة ورعايته للخليقةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

هذه الآية تأتي في وسط قصة الخلق (تكوين ١: ١ - ٢: ٣)، وتحديدًا في اليوم الرابع من الأيام الستة للخليقة. الآيات السابقة تتحدث عن خلق النور (اليوم الأول) والسماء (اليوم الثاني) والأرض والنباتات (اليوم الثالث). في اليوم الرابع، يُكمِل الله عمله بخلق "النُّورَينِ العَظيمَينِ" والشمس والقمر والنجوم.

الآية تتبع مباشرة آية ١٦: "فَصَنَعَ ٱللهُ ٱلنُّورَيْنِ ٱلْعَظِيمَيْنِ: ٱلنُّورَ ٱلْأَكْبَرَ لِحُكْمِ ٱلنَّهَارِ، وَٱلنُّورَ ٱلْأَصْغَرَ لِحُكْمِ ٱللَّيْلِ، وَٱلنُّجُومَ." والآية التي تليها (١٨) تُكمل: "وَلِتَحْكُمَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَٱللَّيْلِ، وَلِتَمْيِزَ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ. وَرَأَى ٱللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ."

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، يُعلن لنا من هو الله وكيف بدأ كل شيء. قصة الخلق في الإصحاح الأول تُقدم الله كخالق كُلِّي القدرة، كُلِّي الحكمة، وكُلِّي المحبة. ترتيب الخليقة يظهر تناغمًا وتدبيرًا إلهيًا حكيمًا، حيث كل جزء يخدم الآخر، وكل شيء مُعدّ لاستقبال الإنسان، تاج الخليقة.


التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في خلق النيرات ليس فقط حدثًا تاريخيًا، بل إعلانًا عن محبة الله وعنايته الدائمة. لقد رأوا في هذه الأنوار رموزًا روحية عميقة تُشير إلى الحقائق الإلهية.

التفسيرالأب/المصدر
النيرات تُظهر حكمة الله ونظامه المحب. فالله لم يخلقها فقط للإنارة، بل لوضع النظام في الخليقة، وليكون للإنسان علامات للأزمنة والمواسم، مما يُظهر عناية الله بكل احتياجات الإنسانالقديس باسيليوس الكبير
الشمس، ببهائها ونورها، ترمز للمسيح، "شمس البر" (ملاخي ٤: ٢)، الذي جاء لينير عالمنا الظلماني. والقمر، الذي يستمد نوره من الشمس، يرمز للكنيسة التي تعكس نور المسيح للعالمالقديس يوحنا ذهبي الفم
الله "جعلها في جلد السماء" — هذه العبارة تُظهر أن الله هو الذي وضَعهما في مكانهما المحدد بدقة. كل نجم في موضعه حسب مشيئة الله المحبة، وهذا يُعلّمنا الطاعة والنظام في حياتنا الروحيةالقديس غريغوريوس النيسي
خلق النيرات في اليوم الرابع له أهمية رمزية: العدد أربعة يشير إلى العالم المادي (الجهات الأربع)، والنيرات خُدمة للعالم المادي. لكنها أيضًا تُشير إلى أن الله يهتم بجسدنا واحتياجاتنا المادية، كما يهتم بأرواحناالتقليد الآبائي عمومًا

الخلفية الثقافية

في زمن كتابة سفر التكوين، كانت الثقافات المحيطة تعبد الأجرام السماوية كآلهة (عبادة الشمس والقمر والنجوم). لكن الكتاب المقدس يُقدّم تصحيحًا جذريًا: هذه النيرات ليست آلهة، بل مخلوقات وضعها الله لخدمة الأرض والبشر. هذا التصوير يُحرر الإنسان من الخوف والعبادة الخاطئة، ويُوجهه لعبادة الخالق وحده.

كلمة "جلد السماء" تُشير إلى القبة السماوية التي كان يُصورها القدماء. الكاتب يستخدم اللغة والتخيلات الثقافية السائدة ليُوصل الحق الإلهي: أن الله هو سيد الكون ومدبِّره.


دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الله هو المُرتِّب والناظم لكل شيء، فهو يضع كل خليقة في مكانها المناسب حسب محبته وحكمتهH٧٧٦٠وضع، جعل، عيَّن، رتَّبجَعَلَهَاשָׂם
تكشف عن عناية الله الدقيقة: فهو لم يخلق النيرات فقط، بل وضعها في المكان المناسب لتحقيق الغرض المحددH٧٥٤٩جلد، قبة، رقعةجَلَدרָקִיעַ
تُعلن أن الله خلق النيرات لغاية نبيلة: لخدمة الأرض والإنسان، وليس للعرض فقطH٢١٥أنار، أشرق، أعطى نورًالِتُنِيرَאוֹר

الأهمية اللاهوتية

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله يهتم بكل تفاصيل خليقته، حتى الأنوار في السماء وُضعت لخدمتنا. هذه العناية تُظهر أن محبته شاملة وعمليةالله ومحبته
النيرات تُشير رمزيًا إلى المسيح "نور العالم" (يوحنا ٨: ١٢)، الذي جاء لينير ظلمة خطايانا. كما تُشير إلى الكنيسة التي تُعكس نور المسيحالمسيح والخلاص
النظام والتناغم في الخليقة يُظهران عمل الروح القدس الذي "يرف على وجه المياه" (تكوين ١: ٢) ويُنسق كل شيء حسب إرادة الآبالروح القدس
الإنسان مدعو أن يتأمل في جمال ونظام الخليقة، فيتعرّف على محبة الله وينمو في الشركة معه. كما أننا مدعوون لنكون نحن أيضًا "أنوارًا في العالم" (فيلبي ٢: ١٥)دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

آباء الكنيسة رأوا في النيرات تمهيدًا وإشارة إلى المسيح والخلاص:

  • الشمس: ترمز للمسيح، "شمس البر" الذي له Healing في أجنحته (ملاخي ٤: ٢). كما أن الشمس تُعطي نورها وحرارتها للجميع مجانًا، هكذا نعمة المسيح تُمنح للجميع.
  • القمر: يرمز للكنيسة التي لا نور لها ذاتيًا، بل تعكس نور الشمس (المسيح). الكنيسة تُنير درب المؤمنين في ظلمة العالم.
  • النجوم: ترمز للقديسين والملائكة (رؤيا ١: ٢٠). القديسون كالنجوم يهدون البشر إلى المسيح.

التقليد الأرثوذكسي يرى في اليوم الرابع للخليقة إشارة إلى الصليب (بشكله الرباعي)، وكأن الله منذ البدء كان يُعدّ طريق الخلاص بالصليب.


الاستخدام الليتورجي

آية تكوين ١: ١٧ وغيرها من آيات قصة الخلق تُتلى في الكنيسة الأرثوذكسية في:

١. قداس عيد الظهور الإلهي (الغطاس): حيث نرى كيف أن المسيح، نور العالم الحقيقي، جاء لينير ظلمة خطايانا. ٢. صلاة الغروب: حيث تُذكرنا بخلق النيرات ونشكر الله على نعمته في نهاية النهار. ٣. أيام الصوم الكبير: تُقرأ مقاطع من سفر التكوين لتذكيرنا بأصولنا وخليقة الله الحسنة. ٤. طقوس التقديس: في بركة المياه، تُذكر قوة الله الخالقة.

في التسبحة الأرثوذكسية، نجد ترانيم كثيرة تُشبه المسيح بالشمس والقديسين بالنجوم، مستوحاة من هذه الآية.


التطبيق الروحي

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن الله هو مصدر النور الحقيقي. في صلواتنا، نطلب منه أن يُنير عقولنا وقلوبنا لمعرفة إرادته ومحبتهالصلاة والعبادة
كما أن النيرات تخدم الأرض بدون تمييز، هكذا نحن مدعوون لخدمة كل من حولنا بدون محاباة، مُعكسين محبة الله للجميعالعلاقات والخدمة
عندما نمر بأوقات ظلام روحي أو صعوبات، نذكر أن الله وضع الأنوار في السماء لتنير، وهو قادر أن يُنير ظلمتنا بنوره الإلهيالتجارب والصعوبات

الله الذي رتب النجوم في السماء بدقة محبة، هو نفسه الذي يريد أن يرتب حياتنا. قد نشعر أحيانًا أن حياتنا فوضى أو ظلام، لكن الله يعمل دائمًا لنُورِنا وخلاصنا. ثقتنا ليست في قوتنا، بل في محبته التي تضع كل شيء في موضعه الصحيح.

خطوة عملية لهذا الأسبوع: خصص وقتًا في المساء للتأمل في السماء والنجوم. راقب جمال الخليقة وقل لله: "شكرًا لأنك خالق كل شيء، وشكرًا لأنك تهتم بي شخصيًا. أنر دربي كما أنرت الأرض".


أسئلة للتأمل والصلاة

١. كيف تُظهر لي عناية الله في تفاصيل حياتي اليومية، كما أظهرها في وضع النيرات في السماء؟ ٢. بأي طريقة أدعو الله لينير ظلمة محددة في حياتي حالياً؟ ٣. كيف يمكنني أن أكون "نورًا" للآخرين، معكسًا محبة الله كما يعكس القمر نور الشمس؟


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
المسيح هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسانيوحنا ١: ٩
المؤمنون مدعوون أن يكونوا أنوارًا في العالمفيلبي ٢: ١٥
الله خلق الشمس والقمر لخدمة الإنسان، وهما يخدمان البشرية حتى اليوممزمور ١٣٦: ٧-٩
النيرات تُظهر عظمة الله وحكمتهمزمور ١٩: ١

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ١٤-١٩: القصة الكاملة لخلق النيرات في اليوم الرابع
  • مزمور ١٤٨: ٣: "سَبِّحُوهُ يَا شَمْسَ وَقَمَرَ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ كَوَاكِبِ النُّورِ"
  • إشعياء ٤٠: ٢٦: "ارْفَعُوا إِلَى الْعَلِيِّ أَعْيُنَكُمْ، وَانْظُرُوا مَنْ خَلَقَ هَذِهِ. الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنُودَهَا. يُدْعِي كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ"
  • متى ٥: ١٤: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ"
  • رؤيا ٢١: ٢٣: "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخِرُوفُ سِرَاجُهَا"