ماذا تعني تكوين 1:20؟
شرح آية تكوين ١: ٢٠ من منظور أرثوذكسي
المعنى والشرح
تُعلن هذه الآية الجميلة من سفر التكوين استمرار عمل الله الخلاق المُحب في اليوم الخامس للخلق، حيث يدعو الله المياه أن تفيض بأنواع مختلفة من الكائنات الحية، والطيور أن تطير في السماء. هذه ليست مجرد عملية خلق ميكانيكية، بل هي تعبير عن محبة الله الفائضة ورغبته في ملء عالمه بالحياة والجمال والتنوع. كلمة الله الخالقة تُنشئ وتُبارك، وتُظهر أن الخليقة كلها هي هبة من محبته التي لا تنضب.
في هذه الآية، نرى صلاح الله يتدفق إلى الخليقة بطريقة جديدة: من المياه التي كانت تغطي الأرض في البداية، يخرج الآن أنواع عديدة من الكائنات الحية. هذا يُذكرنا بأن الله يُحيي ويُجدد، فهو ليس فقط خالق المادة، بل خالق الحياة نفسها. "ذات نفس حية" - هذه العبارة تُبرز أن الحياة هبة إلهية، نسمة من نسمة الله نفسه. والطيور التي تطير في جلد السماء تُظهر حرية الخليقة وفرحها في حضور الخالق.
الله يدعو الخليقة إلى الوجود بكلمة محبة، وكل مخلوق يستجيب لدعوته بطريقته الخاصة. هذا اليوم الخامس من الخلق يُظهر لنا أن الله يريد أن يكون عالمه مليئًا بالحياة، متنوعًا، جميلًا، ومتناغمًا. كل سمكة في البحر، كل طائر في السماء، هو شهادة حية لمحبة الخالق ورعايته.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (رواية الخلق) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل وجميع المؤمنين | الجمهور |
| محبة الله الخالقة تملأ العالم بالحياة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في وسط رواية الخلق السباعية (تكوين ١: ١ - ٢: ٣)، وهي جزء من اليوم الخامس للخلق. قبل هذه الآية، خلق الله النور (اليوم الأول)، الجلد (اليوم الثاني)، اليابسة والنباتات (اليوم الثالث)، الأجرام السماوية (اليوم الرابع). بعد هذه الآية، سيخلق الله الحيوانات البرية والإنسان (اليوم السادس)، ثم يستريح (اليوم السابع).
هذا التسلسل يُظهر حكمة الله المتدرجة في الخلق - من البسيط إلى المعقد، من غير الحي إلى الحي. المياه التي كانت تغطي الأرض في البداية (تكوين ١: ٢) تصبح الآن مصدرًا للحياة، مما يُظهر كيف يحوّل الله الفوضى إلى نظام، والعقم إلى خصوبة.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات - بداية الخليقة، بداية الخطية، بداية وعود الله الخلاصية. هذه الآية هي جزء من الفصل الافتتاحي الذي يُؤسس لثلاث حقائق جوهرية:
١. الله هو الخالق الوحيد لكل ما في الوجود ٢. الخليقة كلها صالحة لأنها من صنع الله الصالح ٣. لله هدف ومقصد لكل ما خلق
هذا الإطار الأساسي يُعدّنا لفهم قصة الخلاص كلها - فالله الذي خلق العالم بمحبة، هو نفسه الذي يعمل ليفديه ويرده إلى حالته الأصلية بعد السقوط.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| "عندما قال الله 'لتُخرج المياه زحافات'، لم يخلقها من مادة سابقة، بل بكلمته القادرة أوجد أنواعها المختلفة. هذا يُظهر قدرته غير المحدودة ومحبته التي تريد أن تملأ العالم بالحياة" | القديس باسيليوس الكبير (العظات على أيام الخلق) |
| "الطيور التي تطير في السماء تُذكرنا بأن حياتنا يجب أن تكون مرتفعة، متجهة نحو السماويات، لأننا خُلقنا للشركة مع الله" | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "النفس الحية' في هذه الكائنات تُشير إلى أن الحياة هبة إلهية. كل حيوان، كل طائر، يحمل في ذاته شرارة من حكمة الله ومحبته" | القديس غريغوريوس النيصي |
| "الله لا يخلق كائنات حية فقط، بل يخلق 'أنفسًا حية' - أي كائنات قادرة على الحياة والحركة والنمو. هذه العطية تُظهر أن الله يريد مشاركة نعمة الوجود مع مخلوقاته" | التقليد الآبائي عمومًا |
الخلفية الثقافية
في الثقافة القديمة للشرق الأدنى، كانت المياه تُعتبر مصدرًا للحياة والخصوبة، ولكن أيضًا مصدرًا للفوضى والخراب (كما في أساطير الخلق البابلية مثل ملحمة إينوما إليش). لكن الكتاب المقدس يُقدم رؤية مختلفة تمامًا:
- المياه في الكتاب المقدس ليست آلهة أو قوى معادية، بل خليقة الله التي يسيطر عليها بكلمته
- الله يخلق من المياه كائنات حية، مما يُظهر سلطانه على كل عناصر الطبيعة
- الطيور التي تطير في جلد السماء تُظهر أن السماوات ليست مملكة آلهة وثنية، بل فضاء خلقه الله لمخلوقاته
هذا السياق يُظهر تميّز الوحي الكتابي - فالله ليس جزءًا من الطبيعة، بل هو خالقها وضابطها. وهو يخلق ليس بسبب حاجة أو صراع مع قوى أخرى، بل بدافع محبته وصلاحه.
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن الله يدعو الخليقة إلى الوجود بكلمة نافذة | H٠٥٥٩ | قال، تكلم، دعا | أَمار | אָמַר |
| تكشف عن بركة الله التي تجعل الخليقة تثمر وتتكاثر | H٠٦٦٦٣ | تفيض، تتفجر، تنتج بوفرة | تَفرِش | תּוֹצֵא |
| تُظهر تنوع الخليقة وجمال تصميم الله | H٠٨٣١٨ | زحافة، كائن يدب أو يتحرك | شِرص | שֶׁרֶץ |
| تُبرز أن الحياة هبة إلهية، نسمة من عند الله | H٠١٨١٧ | كائن حي، مخلوق حي | ذَات نَفْس حَيّه | נֶפֶשׁ חַיָּה |
| تُظهر حرية الخليقة وفرحها في حضور الخالق | H٠٥٧٧٤ | طائر، ما يطير | عُوف | עוֹף |
| تُذكرنا بأن السماوات هي عرش الله ومجال عمله الخلاصي | H٠٧٥٤٩ | جلد، رقعة، فضاء | رَقِيعَه | רָקִיעַ |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله خلق العالم ليس عن حاجة، بل عن محبة وصلاح. كل مخلوق هو تعبير عن حكمة الله وجماله | الله ومحبته |
| المسيح، كلمة الله، هو الوسيط في الخلق (يوحنا ١: ٣). به خُلق كل ما في السموات وما على الأرض | المسيح والخلاص |
| الروح القدس كان يرف على وجه المياه (تكوين ١: ٢)، وهو الذي يُحيي ويثمر في الخليقة | الروح القدس |
| الإنسان مدعو ليكون كاهن الخليقة، يشكر الله نيابة عن كل المخلوقات، ويحفظ الجمال الذي وضعه الله في العالم | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
آباء الكنيسة رأوا في هذه الآية رموزًا تمهيدية لعمل المسيح والكنيسة:
- المياه تُشير إلى مياه المعمودية التي تلد المؤمنين كخليقة جديدة (يوحنا ٣: ٥)
- الطيور التي تطير في السماء تُشير إلى المؤمنين الذين تكون حياتهم في السماويات (كولوسي ٣: ٢)
- الكائنات الحية التي تفيض من المياه تُشير إلى وفرة النعمة والمواهب في الكنيسة
القديس كيرلس الإسكندري يرى في هذا النص صورة للكنيسة التي تلد أبناءً لله من مياه المعمودية، وتُربيهم على الأجنحة الروحية للإيمان.
الاستخدام الليتورجي
هذه الآية تُقرأ في الكنيسة الأرثوذكسية في سياقات متعددة:
- في قداس عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، حيث نرى صلة بين مياه الخلق ومياه المعمودية
- في صلاة التسبحة اليومية، كتذكير بعظمة الخلق وصلاح الخالق
- في أعياد الخليقة والصلوات من أجل حفظ الطبيعة
الكنيسة في صلواتها تشكر الله على عجائب الخليقة، وتتشفع من أجل كل المخلوقات، متممة دعوة الإنسان ككاهن للخليقة كلها.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| أن نرى في كل مخلوق علامة على محبة الله، فنرفع قلوبنا بالشكر والتسبيح | الصلاة والعبادة |
| أن نحفظ الخليقة كأمانة من الله، ونعامل كل كائن باحترام لأنه صنعة يد الله | العلاقات والخدمة |
| أن نثق أن الله الذي خلق تنوعًا عجيبًا في الطبيعة، قادر أن يعمل تنوعًا في مواهبنا لخدمة ملكوته | التجارب والصعوبات |
الله الذي ملأ المياه والسماء بالحياة، يريد أن يملأ حياتك أيضًا ببركاته. عندما تنظر إلى تنوع الطيور وألوانها، أو إلى عجائب الحياة في البحر، تذكّر: هذا التنوع الجميل هو مجرد لمحة من غنى حكمة الله الذي يعمل في عالمك الشخصي أيضًا.
لكل منا دعوة فريدة في ملكوت الله، كما أن لكل طير صوته المميز، ولكل سمكة شكلها الخاص. الله لا يخلق نسخًا متكررة، بل أشخاصًا فريدين، كل له مكانته في لوحة الخليقة العظيمة.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أين أرى تنوع وجمال خليقة الله في حياتي اليومية؟ وكيف يمكن أن يصبح هذا سببًا للتسبيح والشكر؟
٢. كيف أستجيب لدعوة الله لأكون "نفسًا حية" - إنسانًا مفعمًا بحياة النعمة والشركة مع الله؟
٣. ما هو دوري ككاهن للخليقة - كيف أُظهر احترامي وحفظي للطبيعة كعطية من الله؟
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تُظهر أن الله يبارك الخليقة ويأمرها بأن تثمر وتتكاثر | تكوين ١: ٢٢ |
| تُعلّم أن الإنسان مدعو ليكون صورة الله في حفظ الخليقة وسيادتها المحبة | تكوين ١: ٢٦ |
| تذكرنا أن الله يطعم الطيور ويرعاها، فكم بالحري يرعانا نحن | متى ٦: ٢٦ |
| تُظهر أن الخليقة كلها تئن وتتوقع التحرر من الفساد | روما ٨: ١٩-٢٢ |
| تُشير إلى أن المسيح هو الوسيط في الخلق، فبه خُلق كل شيء | كولوسي ١: ١٦ |
| تُذكرنا بأننا خليقة جديدة في المسيح، مولودون من الماء والروح | ٢ كورنثوس ٥: ١٧ |
آيات ذات صلة
- مزمور ١٠٤: ٢٤-٢٥: "مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنَةٌ ٱلْأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ... هُنَاكَ ٱلْبَحْرُ ٱلْكَبيرُ ٱلْوَاسِعُ ٱلأَطْنَابِ. هُنَاكَ دَبَبٌ لاَ عَدَّ لَهَا، حَيَوَانٌ صَغيرٌ مَعَ كَبِيرٍ."
- أيوب ١٢: ٧-١٠: "وَلكِنِ ٱسْأَلِ ٱلْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ ٱلسَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ. أَوْ حَدِّثِ ٱلأَرْضَ فَتُعَلِّمَكَ، وَيُخْبِرَكَ سَمَكُ ٱلْبَحْرِ. مَنْ لاَ يَعْرِفُ مِنْ جَمِيعِ هَؤُلاَءِ أَنَّ يَدَ ٱلرَّبِّ صَنَعَتْ هَذَا؟"
- متى ٦: ٢٦: "ٱنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَذْخُرُ فِي مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟"
- رؤيا ٤: ١١: "أَيُّهَا ٱلرَّبُّ، أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَنْ تَأْخُذَ ٱلْمَجْدَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ."
- مزمور ١٤٨: ٧-١٠: "سَبِّحِي ٱلرَّبَّ مِنَ ٱلأَرْضِ... ٱلْوُحُوشُ وَكُلُّ ٱلْبَهَائِمِ، وَٱلدَّبِبُ وَجَمِيعُ ٱلطُّيُورِ ٱلْمُجَنَّحَةِ... لِيُسَبِّحُوا ٱسْمَ ٱلرَّبِّ لأَنَّ ٱسْمَهُ وَحْدَهُ مُتَعَالٍ."