ماذا تعني تكوين 1:7؟
شرح تكوين ١: ٧ – الجَلَد وعناية الله المحبة
المعنى والشرح في هذه الآية الكريمة، نرى عملاً إلهياً جميلاً من أيام الخلق: "فَعَمِلَ ٱللهُ ٱلْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ ٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي تَحْتَ ٱلْجَلَدِ وَٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي فَوْقَ ٱلْجَلَدِ. وَكَانَ كَذَلِكَ." (تكوين ١: ٧). المعنى المباشر هو أن الله، في اليوم الثاني للخلق، خلق الجَلَد (وهو ما نفهمه غالبًا على أنه السماء أو القبة السماوية المرئية)، وفصل بين مياه كانت تغطي الأرض ومياه أخرى فوق هذا الجلد. لكن وراء هذا العمل الظاهري، تكمن رسالة عميقة عن محبة الله وحكمته: فهو لا يخلق فحسب، بل ينظم ويُرتّب ويُهيئ مسكنًا مناسبًا للحياة، وخاصة للإنسان الذي سيخلقه على صورته. إن فصل المياه هو عمل نظام ورحمة، يحمي الأرض ويخلق فضاءً للحياة. كل خطوة في الخلق تُظهر أن الله ليس قوة بعيدة، بل أبٌ مُحبٌ يهيئ بيتًا لأسرته البشرية.
لقد رأى آباء الكنيسة في هذا الفعل إعلانًا عن حكمة الله التي تُؤسس نظامًا في العالم. فمن الفوضى الأولية ("وَالْأَرْضُ كَانَتْ خَرِبَةً وَخَالِيَةً")، يبدأ الله ببطء وحنان في خلق النظام والجمال. الجَلَد هنا ليس مجرد قبة مادية، بل هو علامة على عناية الله الحامية. فالمياه التي فوق الجلد قد تُشير إلى خزانات البركة الإلهية (الأمطار، والندى، والنظم الكونية) التي تسقي الأرض وتحفظ الحياة. والمياه التي تحته هي تلك التي على الأرض، والتي سيُجمعها لاحقًا في مكان واحد لتنكشف اليابسة. كل هذا يتم بكلمة إلهية محبة: "وَكَانَ كَذَلِكَ". فكلمة الله فاعلة ولا تعود فارغة، بل تحقق قصده الصالح.
هذه الآية تدعونا لنرى يد الله العاملة في تفاصيل خليقته. إنه يهيئ العالم بترتيب وحكمة، وكأنه يبني بيتاً لاستقبال محبوبه (الإنسان). هذا يُعلّمنا أن وجودنا في هذا العالم ليس عشوائياً؛ فالله قد رتب كل شيء بحكمة ومحبة ليكون مسكنًا لنا. حتى في الأوقات التي نشعر فيها أن حياتنا مليئة بـ "مياه" الفوضى أو الغموض، يمكننا أن نثق أن الله قادر على أن "يفصل" ويُنظم، ويخلق من الفوضى نظاماً، ومن الظلمة نوراً، لأنه محبة.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (قصصي) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (حسب التقليد) | الكاتب |
| شعب إسرائيل والشعوب كلها | الجمهور |
| نظام الخليقة وعناية الله المحبة | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تقع هذه الآية في قلب قصة الخليقة (تكوين ١: ١ – ٢: ٣). قبلها مباشرةً، في اليوم الأول، خلق الله النور وفصل بينه وبين الظلمة (آية ٣-٥). بعدها، في اليوم الثالث، سيجمع الله المياه تحت الجلد إلى مكان واحد وتظهر اليابسة، ثم يُنبت الأرض عشبًا وأشجارًا (آيات ٩-١٣). إذن، عمل اليوم الثاني هو جزء من تسلسل إلهي منظّم: أولاً النور (الزمان)، ثم الجَلَد (الفضاء)، ثم الأرض والنباتات (أساس الحياة). هذا التسلسل يُظهر أن الله لا يخلق كل شيء دفعة واحدة، بل بترتيب وحكمة، مما يعكس صبره ومحبته في إعداد العالم للكائن الذي سيُكلّفه برعايته: الإنسان.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، ويُقدّم الأساس لكل تاريخ الخلاص. الأصحاح الأول يضع الأساس اللاهوتي: الله هو الخالق الوحيد، الصالح، الذي كل ما صنعه "حَسَنٌ". آية اليوم الثاني تؤكد هذه الصلاح والنظام. فالله لا يريد فوضى لخليقته، بل يرتب لها نظامًا يحفظها. هذا يمهّد لعلاقة العهد بين الله والإنسان لاحقاً: فالإله الذي يرتب الكون بمحبة، هو نفسه الذي سيدخل في علاقة عهد محبة مع الإنسان، حتى بعد سقوطه.
التفسير الآبائي
لآباء الكنيسة نظرة روحية عميقة لعمل اليوم الثاني. فهم لم يكتفوا بالمعنى الحرفي، بل رأوا فيه رموزاً لعمل الله الخلاصي في العالم وفي نفوسنا.
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| يرى أن الجَلَد (السماء) هو علامة على جمال وقوة الخالق. وهو ليس جسماً صلباً، بل هو "الطبيعة التي تعلو عنّا" والتي رتبها الله بحكمته. فصل المياه يظهر سيادة الله المطلقة على عناصر الطبيعة. | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| يتأمل بكثير من الإعجاب في حكمة الله التي رتبت المياه في أماكنها. المياه فوق الجلد (العلوية) هي مصدر البركات والنواميس الكونية التي تحفظ النظام. وهذا يُظهر عناية الله الأبوية التي تهيئ الظروف المناسبة للحياة. | القديس باسيليوس الكبير (في عظاته عن أيام الخلق) |
| التقليد الآبائي عمومًا يرى في فصل المياه رمزًا لعمل الله الذي يفصل بين ما هو روحي وما هو جسدي، بين السماويات والأرضيات. كما أن الجلد يمثل حماية الله. فكما أن الجلد يحمي الأرض من الفيضان الدائم، كذلك نعمة الله تحيط بنا وتحمينا في رحلتنا نحو الملكوت. | التقليد الآبائي |
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن الخلق هو عمل إلهي دقيق ونشط، وليس مجرد أمر من بعيد. الله نفسه "يعمل" ويشكل الخليقة بمحبته. | H٦٢١٣ | عمل، صنع، فعل | عَسَا | עָשָׂה |
| الكلمة الأساسية في الآية. لا تعني فقط القبة الزرقاء، بل الفاصل أو الامتداد. تُظهر عناية الله في خلق حيز آمن ومنظم للحياة. | H٧٥٤٩ | جلد، رقيع، قبة، فضاء | رَقِيعًا | רָקִיעַ |
| تكشف عن سلطان الله ونظامه. الفصل ليس لتدمير جزء، بل لتنظيم الخليقة وإعطاء كل عنصر مكانته ووظيفته في هارمونية محبة. | H٩١٤ | فصل، فرّق، ميّز | هِفْرِيد | הִבְדִּיל |
| تؤكد مصداقية وثبات كلمة الله. ما يقوله الله يتحقق بالضبط. هذا يعطينا ثقة كاملة في مواعيده ومحبته. | H١٩٦١ | كان، صار، حدث | وَيَهِي | וַיְהִי־כֵן |
الأهمية اللاهوتية
تعلّمنا هذه الآية دروساً جوهرية عن الله وعلاقتنا به:
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله منظم وحكيم. محبته ليست عاطفية عشوائية، بل عملية وتأسيسية. هو يهيئ بتروٍّ وترتيب بيتاً لمحبوبه (الإنسان). هذه الحكمة تُريحنا، فنحن لسنا في عالم فوضوي، بل في عالم خلقه إله محب بحكمة لا تُدرك. | الله ومحبته |
| خلق الجَلَد وفصل المياه تم بكلمة الله ("وَقَالَ اللهُ... وَكَانَ كَذَلِكَ"). الكلمة هنا هي نفسها "الكلمة" (اللوغوس) الذي هو الابن الأزلي، الذي به كان كل شيء (يوحنا ١: ٣). ففي عمل الخلق نرى بصمة الثالوث المحبة. | المسيح والخلاص |
| يُفهم من التقليد أن الروح القدس كان "يرفّ على وجه المياه" (تك ١: ٢) أثناء هذه العمليات. الروح القدس هو الذي يُنشّط ويُكمّل عمل الكلمة، ويملأ الخليقة بالحياة والنظام. فهو قوة الله المحيية. | الروح القدس |
| الإنسان، وهو قمة الخليقة، مدعو لأن يرى نظام الكون ويتعلم منه النظام في حياته الروحية. كما أن الله فصل بين المياه، علينا أن نفرّق بين ما هو لله وما هو للعالم، وأن ننظم حياتنا تحت حماية "جلد" نعمته. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
يرى الآباء في المياه فوق الجلد رمزاً غنياً. فهي قد ترمز إلى:
- البركات السماوية والنعم الإلهية التي تنزل على الأرض (المطر، التعاليم الإلهية، النعمة).
- مياه المعمودية التي من فوق، والتي تُجدد الإنسان وتخلقه من جديد. فكما أن المياه في البدء كانت تغطي كل شيء، ثم نظمها الله، كذلك تغسل مياه المعمودية الإنسان وتعيد تنظيم حياته في المسيح.
- السماء ذاتها، حيث عرش الله، مصدر كل عطية صالحة (يعقوب ١: ١٧). الجَلَد نفسه يُرى في العهد الجديد على أنه السماء التي انفتحت في عماد السيد المسيح (متى ٣: ١٦)، لتبدأ حقبة جديدة من الشركة بين السماء والأرض.
الاستخدام الليتورجي
لا تُقرأ هذه الآية تحديداً في القداس الإلهي غالباً، لكن قصة الخليقة ككل (تكوين ١: ١ – ٢: ٣) تُقرأ كاملة في ليلة عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، أثناء تقديس المياه. هذا الربط عميق: فكما أن الله في البدء رَفَّ روحه على المياه وخلق منها حياة، كذلك في العيد، الكنيسة تبارك المياه بصلوات وطلبات، مؤمنة أن الروح القدس يحل عليها لتصير "ماء غفران، وشركة الحياة الأبدية". إذن، ذكر خلق الجلد وفصل المياه في هذا السياق يُذكرنا بأن الله مستمر في تنظيم وتقديس عناصر طبيعته ليُحضر لنا الخلاص والحياة.
التطبيق الروحي
كيف تُساعدنا هذه الآية في رحلتنا اليومية مع الله؟
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| عندما ننظر إلى السماء (الجلد)، لنتذكر أنها تذكير بعناية الله الحامية. يمكن أن نجعل من النظر إلى جمال السماء لحظة صمت وتسبيح: "السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز ١٩: ١). | الصلاة والعبادة |
| الله فصل ووضع حدودًا. في علاقاتنا، الحب الحقيقي يعرف الحدود الصحية والاحترام. كما نظم الله الخليقة، علينا أن نسعى للنظام والسلام في بيوتنا وعلاقاتنا، وهذا من أعمال المحبة. | العلاقات والخدمة |
| عندما تغمرنا هموم الحياة كفيضان، نتذكر أن الله قادر على "فصل" هذه المياه. هو خلق حاجزًا (الجلد) يحمينا. نثق أن نعمته تحيط بنا كدرع، وأنه حتى في وسط العاصفة، يهيئ لنا مساحة آمنة. | التجارب والصعوبات |
تذكّر: الإله الذي رتب الكون في بدايته، لا يزال يعمل في حياتك ليرتب كل شيء للخير (روما ٨: ٢٨). ثق بأن حكمته التي نظمت المياه والفصول، قادرة على تنظيم ظروفك وتقديس طريقك. دع قلبك يمتلئ شكراً لأنه لم يترك العالم للفوضى، بل أعدّ لك مسكناً جميلاً، ويدعوك الآن إلى مسكن أعظم: الشركة الأبدية معه.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أين أرى "نظام" الله وعنايته في حياتي اليومية؟ هل يمكنني أن أتوقف لأشكر على الأشياء المنظمة التي أعتبرها من المسلمات (الفصول، دورة الماء، نظام جسدي) كعطايا من محبة الله؟
٢. هل أسمح لله أن "يفصل" في حياتي؟ هل هناك أمور مختلطة (مثل العمل والراحة، الاهتمامات الروحية والعالمية) أحتاج أن أطلب من حكمة الله أن يرتبها ويعطي كل ذي حق حقه؟
٣. كيف يمكنني أن أكون أنا أيضاً "جلداً" أو حماية بفضل نعمة الله؟ هل أقدم للأخرين مساحة آمنة من المحبة والقبول، كما أن السماء تحمي الأرض؟
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| تؤكد أن الله بسط السماوات كشقة، وهي صورة مشابهة لفكرة الجَلَد كفاصل أو امتداد محكم. | أيوب ٣٧: ١٨ |
| تذكر تسبيح المياه التي فوق السماوات للرب، مما يُظهر أن هذه المياه هي جزء من الخليقة المطيعة والمسبحة لله. | المزمور ١٤٨: ٤ |
| تصف الله بأنه "الجالس على كرة الأرض" والناظر إلى سكانها كجراد، الذي يكت السماوات كالسرادق، مما يربط بين فكرة الجلد وخيمة الله المحيطة بنا. | إشعياء ٤٠: ٢٢ |
| تعلن أن كل الأشياء خُلقت به (الكلمة) ومن أجله، فخلق الجلد والنظام هو جزء من مخطط محبة المسيح الخلاصي. | كولوسي ١: ١٦ |
آيات ذات صلة
- تكوين ١: ٦-٨: النص الكامل لليوم الثاني من الخلق.
- المزمور ١٩: ١: السماء تخبر بمجد الله.
- أيوب ٣٨: ٨-١١: الله يتحدث عن ضبطه لحدود البحر بأبواب ومصاريع، صورة مشابهة لفصل المياه.
- ٢ بطرس ٣: ٥: تذكر أن "السماوات كانت منذ القديم، والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء".
- رؤيا ٤: ٦: تصف أمام عرش الله "بحراً من زجاج شبه البلور"، مما قد يُذكرنا بالمياه المنظمة تحت الجلد في قدس أقداس الملكوت.