ماذا تعني تكوين 1:5؟
شرح تكوين ١: ٥ من منظور الكنيسة الأرثوذكسية
المعنى والشرح
تُعلن هذه الآية البسيطة العميقة عن محبة الله المنظمة والحنونة في عمله الخلاق. بعد أن خلق الله النور وفصل بينه وبين الظلمة، يأتي الآن عمل التسمية والتحديد: "وَدَعَا ٱللهُ ٱلنُّورَ نَهَارًا، وَٱلظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلًا". هذه التسمية ليست مجرد وضع أسماء، بل هي فعل محبة يمنح النظام والهوية والوظيفة لكل عنصر في الخليقة. ثم تأتي العبارة الجميلة: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا"، التي تُظهر إيقاع الزمن الذي وضعه الله كهدية للإنسان، حيث يتحرك الوقت من المساء إلى الصباح، من الراحة إلى النشاط، تحت رعاية أبوية حانية.
في هذه الآية، نرى الله ليس كمُهندس بعيد، بل كأب مُحب يُنظم بيئة أسرته. تسمية النور والظلمة تُظهر سيادته المطلقة ومحبته التي تريد أن يُعرف كل شيء بوضوح. النور ليس مجرد ظاهرة فيزيائية، بل هو عطية الله الأولى (تك ١: ٣) التي تُظهر صلاحه وتُعلن مجده. الظلمة ليست شرًا في ذاتها في هذه المرحلة، بل هي زمن الراحة والهدوء الذي أعده الله لخليقته. الترتيب "مساء ثم صباح" يُعلّمنا روحيًا أن كل بداية جديدة مع الله تخرج من فترة هدوء واستعداد، وأن الراحة تسبق العمل، والنعمة تسبق الجهاد.
الله، في محبته، لم يخلق فوضى أو عشوائية، بل وضع نظامًا وانتظامًا يمكن الاعتماد عليه. الشمس ستشرق، والليل سيأتي، والفصول ستتعاقب – كل هذا بمحبة إلهية تريد أن تعيش الخليقة في سلام وطمأنينة. حتى الزمن نفسه يصبح هدية مقدسة، وليس عبئًا ثقيلًا. الله يدعونا من خلال هذه الآية لنرى نظام الكون كتعبير عن محبته الثابتة ورعايته اليومية.
المرجع السريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (خلقي) | النوع الأدبي |
| موسى النبي | الكاتب |
| شعب إسرائيل والشعوب جميعًا | الجمهور |
| محبة الله المنظمة في الخلق | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في ختام اليوم الأول للخلق، حيث بدأ الله عمله الخلاق بكلمة "ليكن نور" (الآية ٣)، ثم رأى أن النور حسن (الآية ٤)، ثم فصل بين النور والظلمة. الآية ٥ تُكمل هذا العمل بالتسمية والتحديد الزمني. هذا التسلسل يُظهر طريقة عمل الله: يخلق، يُميز، يُنظم، ويُبارك. السياق يُظهر أن كل عمل الله هو "حسن"، وأنه يتحرك نحو هدف محدد بمحبة.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات، والأصحاح الأول هو أساس كل البدايات – بداية الكون، الزمن، النظام. هذه الآية تُرسي حقيقة أن الزمن والطبيعة ليسا نتاج صدفة، بل هما من تصميم وإرادة الله المحبة. هذا الأساس ضروري لفهم كل القصة الكتابية اللاحقة: فالله الذي نظم الكون بمحبة، سيعمل دومًا من أجل خلاص وتنظيم حياة شعبه.
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| "الله دعا النور نهارًا والظلمة ليلًا، ليس لأنه كان محتاجًا إلى التسمية لنفسه، بل ليعطينا نحن أسماءً نعرف بها الأشياء. هو يعلمنا أن نكون مشاركين في معرفته، وهذه هي أولى علامات محبته لنا: أنه يجعلنا شركاء في فهم خليقته." | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "النور الذي خلقه الله في اليوم الأول ليس هو نور الشمس (التي خُلقت في اليوم الرابع)، بل هو نور مجيد يشير إلى نور الحق الإلهي. الله فصل بين النور والظلمة ليعلمنا التمييز الروحي بين الحق والباطل، بين الفضيلة والرذيلة." | القديس باسيليوس الكبير |
| "ترتيب 'مساء ثم صباح' يُعلمنا سرًا عميقًا: أن كل يوم يبدأ بظلمة وينتهي بنور، وكذا حياة الإنسان: تبدأ بجهل وتنتهي بمعرفة الله، تبدأ بخطية وتنتهي بتوبة وخلاص. النور ينتصر دائمًا على الظلمة في نظام الله المحب." | القديس غريغوريوس النيصي |
| "التسمية هي عمل سلطان، ولكنها أيضًا عمل محبة. عندما نسمي شيئًا، نعترف بوجوده ونمنحه مكانًا في عالمنا. هكذا الله يعترف بنا ويُعطينا مكانًا في خطته المحبة منذ البداية." | التقليد الآبائي عمومًا |
الخلفية الثقافية
في العالم القديم، كانت تسمية الأشياء تعني ممارسة سلطة عليها. الملك أو الإله الذي يمنح الاسم يكون له السيادة على المسمى. لكن الكتاب المقدس يُظهر هذه التسمية كعمل أبوي حنون، وليس كاستعلاء قاسٍ. أيضًا، ترتيب اليوم من المساء إلى الصباح (وليس من الصباح إلى المساء) هو ترتيب عبري مميز يعكس نظرة روحية: اليوم يبدأ بالراحة والاستعداد (المساء) ثم يأتي العمل (النهار). هذا يعكس إيمانًا بأن كل عمل ناجح يبدأ مع الله وبالله.
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر سلطان الله الحنون في منح الهوية والوظيفة | H٧١٢١ | دعا، نادى، سمّى | قَارَ | קָרָא |
| النور هو أول عطية الله، رمز صلاحه وحضوره | H٢١٦ | نور، إشراق، بهاء | أُور | אוֹר |
| الظلمة ليست شرًا أصليًا، بل هي زمن مُعد بمحبة للراحة والتأمل | H٢٨٢٢ | ظلمة، غموض | حَشِك | חֹשֶׁךְ |
| النظام الزمني هدية محبة تُنظم حياة الخليقة | H٣١١٧ | يوم، فترة زمنية | يَوْم | יוֹם |
| إيقاع الخليقة: من الراحة إلى العمل، تحت رعاية الله | H٦١٥٣ | مساء، وقت الغروب | عَرَب | עֶרֶב |
| بداية جديدة، نور جديد، نعمة جديدة كل يوم | H١٢٤٢ | صباح، فجر | بُكَر | בֹּקֶר |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلّمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله محبة منظمة، يهتم بأدق تفاصيل خليقته، ويضع نظامًا يمكن الاعتماد عليه | الله ومحبته |
| النور الحقيقي هو المسيح (يو ٨: ١٢)، الذي ينتصر على ظلمة الخطية والموت | المسيح والخلاص |
| الروح القدس يعمل فينا لتمييز النور من الظلمة، والحق من الباطل | الروح القدس |
| نحن مدعوون لنعيش في نظام ونُسك، وأن نكون "نورًا للعالم" كشركاء في عمل الله | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
رأى آباء الكنيسة في النور الذي خلقه الله في اليوم الأول تمهيدًا ونبوة عن المسيح، نور العالم الحقيقي. كما أن الظلمة التي فصلها الله عن النور تُشير إلى فصل الملكوت عن سلطان الظلمة. الترتيب "مساء ثم صباح" يُشير إلى سر الفداء: ظلمة الصلب (المساء) تسبق نور القيامة (الصباح). هكذا، حتى في اليوم الأول للخلق، نرى بصمة الثالوث المحب تعمل من أجل خلاص الإنسان.
الاستخدام الليتورجي
هذه الآية تُتلى في الكنيسة الأرثوذكسية في عدة سياقات:
١. في صلاة الغروب (الفسپري)، حيث تبدأ الكنيسة يومها الليتورجي من المساء، تبعًا للنظام الكتابي "وكان مساء وكان صباح". هذا يذكرنا بأن حياتنا الروحية تبدأ بالعودة إلى الله في نهاية النهار. ٢. في أعياد التجلي والمعمدان، حيث موضوع النور الإلهي مركزي. ٣. في طقوس تعميد الكبار، حيث يُرمز للمعتمدين كمنتقلين من ظلمة الخطية إلى نور المسيح. ٤. في الصلوات الصباحية، حيث نشكر الله على النور الجديد واليوم الجديد كعطية من محبته.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| لتشكر الله على نظام الكون وانتظامه، وأن ترى في شروق الشمس وغروبها علامة محبة يومية | الصلاة والعبادة |
| لتعيش بنظام ونسك، وتُقَدِّر وقت الراحة (المساء) كجزء من خطة الله، لا كوقت ضائع | الحياة اليومية |
| لتميز بين نور الحق وظلمة الباطل في أفكارك وقراراتك، طالبًا نعمة التمييز | النمو الروحي |
| لتعزي من يمر في ظلمة التجربة أو الحزن، مُذكرًا إياهم أن النور يأتي بعد الظلمة بمحبة الله | خدمة الآخرين |
الله الذي نظم الكون بنظام بديع، يُريد أن ينظم حياتك أيضًا بمحبته. قد تمر بأوقات ظلمة – صعوبات، حزن، حيرة – لكن تذكر أن هذه الظلمة ليست نهاية القصة. في نظام الله المحب، كل مساء يتبعه صباح، وكل ظلمة تسبق نورًا. ثق أن الله الذي دعا النور "نهارًا" والظلمة "ليلًا" قادر أن يدعو ظلمة حزنك "فرحًا" وصمتك "تسبحة". ابدأ يومك معه، واختبر كيف يحول كل ظلمة إلى نور بمحبته التي لا تغيب.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. أين أرى نظام ومحبة الله في حياتي اليومية؟ هل أتوقف لأشكر على شروق الشمس، على تعاقب الليل والنهار، على إيقاع الخليقة المنتظم؟ ٢. ما هي المناطق في حياتي التي تحتاج إلى "نور" الله ليميز بين ما هو للحق وما هو للباطل؟ كيف أطلب منه نعمة التمييز؟ ٣. كيف يمكنني أن أعيش وفق نظام "مساء ثم صباح" روحيًا؟ أيجعل وقتًا للراحة والتأمل مع الله قبل الانشغال بالعمل؟ ٤. هل أؤمن حقًا أن نور محبة الله أقوى من أي ظلمة في حياتي؟ كيف أُظهر هذا الإيمان عمليًا؟
"يارب، أنت الذي دعوت النور نهارًا والظلمة ليلًا، أدعوك اليوم: ادخل إلى ظلمات قلبي وأنرها بنور محبتك. علمني أن أرى في نظام الكون توقيع حنانك، وفي تعاقب الأيام وعد أمانتك. اجعل من كل مساء في حياتي مقدمة لصبح جديد من نعمتك. آمين."
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| النور الحقيقي الذي جاء إلى العالم هو المسيح | يوحنا ١: ٤-٥، ٨: ١٢ |
| الله خالق النور والظلمة، وهو سيد التاريخ | إشعياء ٤٥: ٧ |
| الدعوة لنكون نورًا في العالم كمشاركين في نور المسيح | متى ٥: ١٤-١٦ |
| في السماء الجديدة لا حاجة للشمس، لأن الله نفسه هو النور | رؤيا ٢١: ٢٣-٢٥، ٢٢: ٥ |
| الله يفصل بين النور والظلمة كصورة للتمييز بين القديسين والخطاة | ٢ كورنثوس ٦: ١٤ |
| المساء والصباح كإطار لصلوات الكنيسة | مزمور ٥٥: ١٧، دانيال ٦: ١٠ |
آيات ذات صلة
- تكوين ١: ٣-٤: "وَقَالَ ٱللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى ٱللهُ ٱلنُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَفَصَلَ ٱللهُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ." (أصل النور وتفصيله)
- مزمور ٧٤: ١٦: "لَكَ ٱلنَّهَارُ أَيْضًا وَٱللَّيْلُ. أَنْتَ هَيَّأْتَ ٱلنُّورَ وَٱلشَّمْسَ." (الله سيد الزمن)
- مزمور ١٣٩: ١١-١٢: "إِنْ قُلْتُ: «إِنَّمَا ٱلظُّلْمَةُ تُغَشَّانِي، فَٱللَّيْلُ نُورٌ حَوْلِي». أَيْضًا ٱلظُّلْمَةُ لَا تُظْلِمُ مِنْ قُدَّامِكَ، وَٱللَّيْلُ يُضِيءُ كَٱلنَّهَارِ. مِثْلُ ظُلْمَتِهِ مِثْلُ نُورِهِ." (حضور الله في الظلمة)
- إشعياء ٦٠: ١٩: "لَا تَكُونُ لَكَ ٱلشَّمْسُ بَعْدُ نُورًا لِلنَّهَارِ، وَلَا يُضِيءُ لَكَ ٱلْقَمَرُ بِنُورِهِ، بَلْ يَكُونُ لَكَ ٱلرَّبُّ نُورًا أَبَدِيًّا، وَإِلَهُكَ بَهَاءَكَ." (الله نفسه هو نورنا)
- ١ بطرس ٢: ٩: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، كَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبٌ ٱقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ ٱلظُلْمَةِ إِلَى نُورِهِ ٱلْعَجِيبِ." (دعوتنا من الظلمة إلى النور)
- ١ يوحنا ١: ٥: "وَهَذَا هُوَ ٱلْخَبَرُ ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: أَنَّ ٱللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ ٱلْبَتَّةَ." (جوهر الله النور)