السابقتكوين ١:٢٨التالي

تكوين ١

تكوين 1:28

وَبَارَكَهُمُ ٱللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلَأُوا ٱلْأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى ٱلْأَرْضِ».

English (KJV):

And God blessed them, and God said unto them, Be fruitful, and multiply, and replenish the earth, and subdue it: and have dominion over the fish of the sea, and over the fowl of the air, and over every living thing that moveth upon the earth.

ماذا تعني تكوين 1:28؟

المعنى والشرح

تكوين ١: ٢٨ هي آية مملوءة نعمة ورجاء، تعلن أول بركة من الله للإنسان بعد خلقه مباشرة. هذه ليست مجرد تعليمات أو تكليفات، بل هي تعبير عن محبة الله الثالوثي وثقته بالإنسان، وتوكيله له بمهمة مقدسة. الله الذي خلق الإنسان على صورته ومثاله (تكوين ١: ٢٦-٢٧) لا يتركه دون هدف أو شركة، بل يباركه ويدعوه للمشاركة الفاعلة في جمال وملء الخليقة. البركة هنا هي عطية إلهية تسبق أي عمل بشري، وتؤسس لعلاقة تعاون ومحبة بين الخالق والمخلوق.

"أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا" هي دعوة لمشاركة عطية الحياة التي منحها الله. إنها بركة تعكس فيض محبة الله الذي يريد أن يشاركه المخلوقون في فرح الخليقة وامتدادها. "وَٱمْلَأُوا ٱلْأَرْضَ" تعني جعل الأرض عامرة بوجود الإنسان، ليس وجودًا ماديًا فقط، بل حضورًا روحيًا يعكس صورة الله ومجده. أما "وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا" فهي ليست تفويضًا للاستبداد أو التدمير، بل هي سلطان مُسْتَعْمَل بالمحبة والمسؤولية، كما يُسلّط الأب الحكيم على بيته لرعايته وحفظه. الله يودع الإنسان كنزه الأرضي – الطبيعة – ويدعوه ليكون وكيلًا أمينًا عليه، ليعكس حكمة الخالق ورعايته في كل ذرة من الخليقة.

في قلب هذه الآية، نرى دعوة الله للإنسان إلى التأله (Theosis) – أي المشاركة في حياة الله وصفاته. فكما أن الله خالق ومثمر، يُدعى الإنسان للإبداع والعطاء. وكما أن الله ضابط الكل وحافظه، يُعطى الإنسان سلطانًا ليرعى ويحفظ. هذه الآية تُظهر أن الله، منذ البدء، يريد للإنسان أن يكون شريكًا في جمال الخلق واستمراريته، وأن يعيش في شركة كاملة معه ومع كل ما خلق.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (بدء الخليقة)النوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل في البرية، والشعب المؤمن عبر العصورالجمهور
بركة الله للإنسان ودعوته للشركة في الخليقةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في ذروة قصة الخليقة في اليوم السادس (تكوين ١: ٢٤-٣١). الله قد خلق الحيوانات البرية، ثم يتوج عمله الخلاق بخلق الإنسان على صورته ومثاله، ذكرًا وأنثى. الآية ٢٨ هي أول كلمة مباشرة من الله للإنسان كزوجين، وهي بركة وتكليف في آن واحد. تسبق هذه الآية تصريح الله بأن كل ما خلقه هو "حَسَنٌ جِدًّا" (آية ٣١)، مما يعني أن هذه المهمة تُعطى في عالم مثالي، في شركة تامة مع الله. الآيات التي تليها (٢٩-٣٠) تُظهر عناية الله بالاحتياجات المادية للإنسان والحيوان، مؤكدة أن السلطان الممنوح هو ضمن إطار من العطاء والرعاية، وليس الاستغلال.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، وهو يروي قصة محبة الله الخلاصية منذ الأزل. الفصل الأول يُعلن سيادة الله الخالق، والفصلان الثاني والثالث يشرحان علاقة العهد بين الله والإنسان. تكوين ١: ٢٨ تُحدد الهوية والرسالة الأصلية للإنسان قبل السقوط. إنها تصف ما كان ينبغي أن تكون عليه الحياة: بركة، وثمر، وملء، وشركة متناغمة مع الله ومع الخليقة. كل قصة سقوط الإنسان (تكوين ٣) وصراعاته اللاحقة (قايين، الطوفان، بابل) تُفهم على خلفية هذه الدعوة والبركة الأصلية التي تشتاق النعمة الإلهية لاستعادتها.


التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية أكثر من مجرد حدث تاريخي؛ إنهم يرون فيها سرّ دعوة الإنسان الأزلية ونبوة عن عمل الثالوث الخلاصي.

التفسيرالأب/المصدر
"الله لم يقل 'ليكثر' بل 'أثمروا واكثروا'... ليُظهر أن الثمرة هي من عملنا مع نعمته. وكما أن الزرع لا ينمو بدون عناية الفلاح، هكذا البركة الإلهية تحتاج إلى تعاون إرادتنا الحرة."القديس يوحنا ذهبي الفم
"الأرض التي نُدعى لملئها ليست الأرض المادية فقط، بل أرض قلوبنا. فالإنسان مُدعو أولاً لأن يمتلئ من الفضائل الإلهية، وعندها فقط يمكنه أن يحكم على الخليقة الخارجية بحكمة."القديس غريغوريوس النيصي
"سلطان الإنسان على الحيوانات كان رمزًا لسلطان النفس العاقلة على الشهوات الحيوانية غير العاقلة. في الفردوس، كانت النفس تسود على الجسد والشهوات بسلام."القديس أوغسطينوس (ضمن التقليد المشترك)
"هذه البركة تُظهر الثالوث القدوس: الآب يبارك، والابن هو الكلمة الخالق الذي به يُثمر ويمتلئ كل شيء، والروح القدس هو المُنعِم بالنمو والحياة."التقليد الآبائي عمومًا

الخلفية الثقافية

في العالم القديم، كانت فكرة "البركة" الإلهية قوية وجوهرية. البركة لم تكن مجرد تمنيات طيبة، بل كانت قوة إلهية فعالة تُعلن رضى الإله وتُطلق قدرته لتحقيق ما تُعلن عنه. عندما يبارك الله، فهو يمنح القدرة على تحقيق البركة. كذلك، مفهوم "التسلط" في الثقافات المجاورة كان غالبًا ما يرتبط بالاستبداد واستغلال الشعوب المقهورة. لكن النص الكتابي يقدم مفهومًا ثوريًا: السلطان مرتبط بالصورة الإلهية والمسؤولية الأخلاقية. الإنسان لا يتسلط لأنه الأقوى، بل لأنه يحمل صورة الله، وبالتالي يجب أن يحكم كما يحكم الله – بالعدل والرحمة والحكمة (مزمور ٧٢).


دراسة الكلمات

تركز الكلمات الرئيسية في هذه الآية على عطايا الله الفاعلة ودعوة الإنسان للمشاركة.

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الحياة والثمر هبة وعمل نعمة إلهيةH١٢٨٨بارك، ثنى الركبة (للتبارك)باراكבָּרַךְ
تدعو للنمو العضوي والإنتاج، وليست الزيادة العددية فقطH٦٥٠٩أثمر، أنتج، حمل ثمرًابراפָּרָה
تعني الامتلاء الكمي والنوعي، لتحقيق الغايةH٤٣٩٠ملأ، أكمل، وفّرمالاמָלָא
تعني الخضوع بالحكمة والرعاية، كالراعي لقطيعهH٣٥٣٣أخضع، جعل تحت الأقدامكاباشכָּבַשׁ
سلطان مرتبط بالحكم العادل والرئاسة بالخدمةH٧٢٨٧تسلط، حكم، مشى عليهاراداרָדָה

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية عن حقائق لاهوتية عميقة عن الله وعن دعوتنا كبشر:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله محب عطاء: بركته سبقت أي عمل بشري. وهو يثق بنا ويكلّفنا بمهمة مقدسة، مما يُظهر كرامتنا العظيمة كحاملين لصورته.الله ومحبته
المسيح هو الإنسان الحقيقي: لقد جاء المسيح، الكلمة المتجسد، ليعيد صورة الله الكاملة فينا. وهو الذي أخضع كل شيء لنفسه بسلطان المحبة والخدمة (فيلبي ٢: ٩-١١)، ليعيدنا إلى دعوتنا الأصلية.المسيح والخلاص
الروح القدس هو معطي الحياة: بركة "أثمروا واكثروا" تُحقق بقوة الروح القدس. هو الذي يجعلنا نثمر ثمر الروح (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣) ويملأنا لحياة الشركة والخدمة.الروح القدس
دعوتنا هي التأله والشركة: نحن مدعوون لا للاستهلاك، بل للإبداع؛ لا للهيمنة، بل للخدمة؛ لا للعزلة، بل للشركة التي تمتلئ بها الأرض.دعوة الإنسان

الرموز والتمهيد

رأى آباء الكنيسة في هذه الآية تمهيدًا عميقًا لعمل المسيح الكفاري والكنيسة.

  • "أثمروا واكثروا": هذه ليست دعوة جسدية فقط، بل هي نبوة عن الثمر الروحي الذي سيأتي من نسل المرأة (تكوين ٣: ١٥) – المسيح. فالمسيح هو "الزرع" (إشعياء ٥٣: ٢) الذي أثمر خلاصًا للعالم. والكنيسة، جسد المسيح، مدعوة أن تثمر وتكثر بأبناء روحيين بالإيمان والمعمودية.
  • "تسلطوا": السيد المسيح، بموته وقيامته، أخضع قوات الشر وأعاد السلطان للإنسان المؤمن (كولوسي ٢: ١٥). المؤمنون يتسلطون على الخطية والشهوات بقوة المسيح، وليس بقوتهم الذاتية.
  • "املأوا الأرض": هذا يتحقق روحياً في الكنيسة الجامعة، حيث يُدعى المؤمنون من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان (رؤيا ٧: ٩) ليملأوا الأرض بتسبيح الله ومحبته.

الاستخدام الليتورجي

تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بهذه الآية ودعوة الإنسان الأصلية في عدة سياقات:

  • خدمة الزواج (العرس): تُقرأ هذه الآية في صلاة الزواج، لتذكير الزوجين بأن اتحادهما هو استمرار للبركة الإلهية الأصلية. يدعو الكاهن الله أن يمنح الزوجين "ثمرة البطن" ويساعدهما على بناء بيتٍ مسيحيٍّ يملأ الأرض بمحبة الله.
  • عيد ميلاد السيدة العذراء (٨ أيلول): يُشار إلى هذه الآية في التراتيل والصلوات كتحقيق نبوي، حيث أن العذراء الطاهرة، "الثمرة المباركة"، ولدت المسيح مخلّص العالم، فامتلأت الأرض فرحًا.
  • القداس الإلهي: فكرة "الامتلاء" و"البركة" تتجلى في شركة السرّ الإلهي، حيث يمتلئ المؤمنون من نعمة الله ويُباركون ليصيروا بركة للعالم.

التطبيق الروحي

تدعونا هذه الآية إلى استعادة هويتنا الأصلية كأبناء مباركين ووكلاء أمناء في بيت الله – الخليقة.

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن الصلاة ليست طلبات فقط، بل هي مكان نستقبل فيه بركة الله وقوته لنثمر. اجعل شكرك لله على عطية الحياة والخلق جزءًا من صلواتك اليومية.الصلاة والعبادة
في عملك (فلاحًا، مهندسًا، معلمًا، أمًّا)، انظر إليه كجزء من "إخضاع الأرض" وإدارتها بحكمة. عامل الناس والموارد التي تحت تصرفك بالمسؤولية والرعاية، متذكرًا أنك وكيل لله.العمل والمسؤولية
عِش بروح العطاء والإثمار. ازرع الفضائل في قلبك (الصبر، الوداعة، المحبة). ابحث عن فرص لتنمية مواهبك الروحية وتقديمها للكنيسة والمجتمع.النمو الشخصي
عندما ترى تدهور البيئة أو الظلم الاجتماعي، تذكّر دعوتك الأصلية "لتسلط" وتحكم بالعدل والرحمة. يمكنك المشاركة بحماية البيئة أو دعم المشاريع التي ترعى الفقراء والمهمشين، كممارسة لهذه الدعوة.العلاقات مع الخليقة والمجتمع

تذكّر هذا: بركة الله عليك موجودة ودائمة. قد تشعر أحيانًا بعدم الإثمار أو العجز، ولكن الله الذي أعطى هذه الدعوة هو نفسه يعطيك النعمة لتحقيقها. ابدأ من قلبك وبيتك الصغير: أثمر بمحبة، أملأ محيطك بالسلام، أَخضِع أفكارك السلبية بصلاة باسم يسوع. بهذه الطريقة، تشارك في استعادة جمال خطة الله الأصلية.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. تأمل: كيف أرى "بركة الله" على حياتي اليوم؟ هل أركز على ما ينقصني أم على العطايا الكثيرة التي أملأ بها (الصحة، العلاقات، الإيمان)؟ ٢. تفحّص: في أي مجال من مجالات حياتي (العمل، الأسرة، العلاقات الشخصية) أحتاج أن أتوقف عن "الهيمنة" أو "الاستغلال" وأبدأ في "الخدمة" و"الرعاية" كوكيل أمين لله؟ ٣. صلاة: "يا رب، أشكرك لأنك باركتني منذ البدء ودعوتني لأشارك في جمال خليقتك. ساعدني لأعيش هذه الدعوة: أن أثمر بمحبتك، أن أملأ محيطي بروحك، وأن أخدم الخليقة التي وكلتني بها بحكمة ومسؤولية، أمين."


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
تؤكد أن بركة الإثمار والكثرة هي جزء من عهد الله مع البشر، حتى بعد الطوفان، مما يُظهر استمرارية رحمة اللهتكوين ٩: ١، ٧
تظهر كيف أعاد السيد المسيح صورة الإنسان وكرامته، ووهبه سلطانًا روحيًا على الشرلوقا ١٠: ١٩
تشرح أن "ملء الأرض" يتحقق روحيًا بملء الكنيسة، جسد المسيح، الذي يصل إلى ملء قامة المسيحأفسس ١: ٢٢-٢٣
توضح أن السلطان الحقيقي هو سلطان المحبة والخدمة، وليس القهر، على مثال السيد المسيحمرقس ١٠: ٤٢-٤٥
تذكرنا أننا، كمخلوقين جديدين في المسيح، نُدعى لنثمر لله ثمرًا روحيًارومية ٧: ٤

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ٢٦-٢٧: أساس الدعوة – خلق الإنسان على صورة الله ومثاله.
  • تكوين ٢: ١٥: التفصيل العملي للتكليف: "وأخذه الرب الإله ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها".
  • مزمور ٨: ٤-٨: تأمل في عظمة الله ودعوة الإنسان الممنوحة له من الخالق.
  • مزمور ١١٥: ١٦: "السماوات سموات للرب، أما الأرض فأعطاها لبني آدم".
  • كولوسي ١: ١٥-٢٠: المسيح، صورة الله غير المنظور، الذي به خُلق كل شيء، وهو يصلح ويصالح كل شيء لنفسه.