السابقتكوين ١:٣٠التالي

تكوين ١

تكوين 1:30

وَلِكُلِّ حَيَوَانِ ٱلْأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى ٱلْأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذَلِكَ.

English (KJV):

And to every beast of the earth, and to every fowl of the air, and to every thing that creepeth upon the earth, wherein there is life, I have given every green herb for meat: and it was so.

ماذا تعني تكوين 1:30؟

المعنى والشرح

تخبرنا هذه الآية الرائعة "وَلِكُلِّ حَيَوَانِ ٱلْأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى ٱلْأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا»." - تكوين ١:٣٠ عن اللحظة التي فيها أعلن الله، بمحبته الأبوية، رعايته الكاملة لكل المخلوقات الحية. إنها ليست مجرد معلومة عن النظام الغذائي للحيوانات في الفردوس، بل هي إعلان عن عطية الله المجانية وعنايته الإلهية التي تشمل أصغر المخلوقات وأبسطها. الكلمة الحاسمة هنا هي "أَعْطَيْتُ" – إنها فعل من الله الخالق، المتفضل، الذي لا يكتفي بإبداع الحياة، بل يضمن استمرارها بسخاء ورحمة.

في اليوم السادس للخليقة، بعد أن خلق الله الحيوانات البرية وطيور السماء وكل ما يدب على الأرض، وأخيراً الإنسان على صورته، وقف كأب محب يوزع الميراث على أبنائه. إن تخصيص "كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ" طعاماً هو علامة على أن الله وضع في الطبيعة نفسها – التي هي من صنعه – كل ما تحتاجه المخلوقات للعيش والازدهار. لم يتركها لتتشاجر على القوت أو تبحث عنه بقلق، بل هيأ كل شيء مسبقاً. وهذا يكشف لنا قلب الله: خالق يهتم، أب يرعى، إله يضمن. هذه الآية تلفت نظرنا إلى أن محبة الله ليست حصرية أو انتقائية؛ فهي تشمل كل ذي نفس حيَّة، مما يذكرنا بأن الحياة كلها عطية مقدسة منه، وهي مسؤوليته وفرحه.

إن عبارة "وَكَانَ كَذَلِكَ" الختامية ليست مجرد خاتمة سردية، بل هي تثبيت لحقيقة مطلقة: كلمة الله فعالة، وعطيته مضمونة. ما وعده به يصبح واقعاً. إنه تأكيد لنا أن وعود الله لمحبته وعنايته – لنا وللخليقة كلها – هي ثابتة وستتم. حتى في عالمنا الذي شوهته الخطيئة، لا تزال هذه العناية الإلهية الأساسية باقية (أعمال الرسل ١٤: ١٧)، وهي تلميح إلى النظام الأصلي الحسن الذي سيعيده المسيح في ملء الزمان.

هذه الآية تدعوك لتستريح في يقين أن الإله الذي رعى حتى الحيوانات في بداية الخليقة، هو نفسه الذي سيرعاك أنت، بكرم أعظم، لأنك على صورته ومثاله.

مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (رواية الخلق)النوع الأدبي
موسى النبي (حسب التقليد)الكاتب
شعب إسرائيل، وجميع المؤمنينالجمهور الأصلـي
عناية الله الشاملة ورعايته للخليقةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في ذروة قصة الخليقة، في اليوم السادس. تسبقها مباشرة آيات تتحدث عن خلق الحيوانات البرية (تكوين ١: ٢٤-٢٥) ثم خلق الإنسان على صورة الله ومثاله (تكوين ١: ٢٦-٢٨). بعد هذه الآية، يأتي الاستنتاج العظيم: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا." (تكوين ١: ٣١). إذن، إعلان الله عن توفير الطعام للحيوانات هو جزء لا يتجزأ من "الحسن جداً" الذي رآه.

يُظهر هذا الترتيب تسلسلاً جميلاً لمحبة الله: ١. يخلق الحياة (الحيوانات). ٢. يكرّم الحياة (يخلق الإنسان على صورته). ٣. يرعى الحياة (يضمن الغذاء للجميع). ٤. يفرح بالحياة (يرى أنها حسنٌ جداً).

لاحظ أن العطية للحيوانات تأتي بعد خلق الإنسان. في التقليد الآبائي، يُفهم هذا أحياناً على أن الإنسان، وهو رأس الخليقة المرئية و"كاهن الكون"، مُنِحَ أولاً السيادة (تكوين ١: ٢٨) ثم شهد على عطية الله السخية للخليقة التي سيديرها برحمة، مقلداً رحمة خالقه.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات والأساسيات. تضع هذه الآية أساساً لاهوتياً مهماً: الله هو المعيل. هذه الحقيقة ستتردد صداها عبر كل الكتاب المقدس، من إعالة الله لشعبه في البرية بالمنّ (خروج ١٦)، إلى دعوة يسوع لأن نطلب خبزنا اليومي (متى ٦: ١١). إنها تكشف أن الاعتماد على الله هو جزء من تصميم الخليقة الأصلي، وليست حالة طارئة بسبب السقوط. كما أنها تُظهر التوازن والانسجام في الخليقة الأصلية، حيث لكل مخلوق مكانه وغذاؤه دون عنف أو افتراس – صورة للسلام المسيحاني الذي تنبأ عنه إشعياء (إشعياء ١١: ٦-٩).

التفسير الآبائي

يرى آباء الكنيسة في هذه الآية تعبيراً عن حكمة الله غير المحدودة وصلاحه الشامل. لم يخلق الله العالم وتركه، بل وضعه تحت نظام رعايته المستمرة.

التفسيرالأب/المصدر
يُظهر تخصيص العشب الأخضر طعاماً أن الله، في حكمته، خلق كل شيء بترتيب وهدف. فلكل مخلوق طعامه المناسب، مما يُظهر العناية الإلهية المباشرة حتى لأصغر المخلوقات.القديس باسيليوس الكبير (في سداسية الأيام)
كلمة "أَعْطَيْتُ" تُشير إلى العطية المجانية. الله لم يخلق الحيوانات ثم تركها لتجد قوتها، بل منحها الغذاء كعطية من خزائنه. هذا يعلمنا أن نعتمد على عطايا الله اليومية ولا نقلق للغد.القديس يوحنا ذهبي الفم (عظات على سفر التكوين)
النظام النباتي الأولي للحيوانات يُشير إلى حالة السلام والبراءة في الفردوس، حيث لم تكن هناك عداوة في الخليقة. هذا يرمز للحالة المسيحانية حيث يعود السلام إلى الخليقة كلها بفداء المسيح.التقليد الآبائي عمومًا (راجع تفسيرات القديس أمبروسيوس وغريغوريوس النيصصي)
إن عناية الله بالحيوانات هي درس لنا في الرحمة. إذا كان الله يهتم بمخلوقات لا عقل لها، فكم بالحري يهتم بنا، أبناءه بالتبني؟ هذا يجب أن يدفعنا للثقة الكاملة في أبينا السماوي.تعاليم الآباء الرهبانية (كذا في أقوال الآباء)

الخلفية الثقافية

في العالم القديم، كانت فكرة إله يهتم بتفاصيل مثل غذاء الحيوانات فكرة ثورية. كانت آلهة الأمم الأخرى غالباً ما تُصوَّر كقوى بعيدة، تحتاج إلى استرضاء، وغير مبالية بحاجات المخلوقات الدنيوية. في المقابل، يُقدم إله إسرائيل نفسه كأب قريب، يعرف حاجات كل مخلوقاته ويوفرها. إن تخصيص "العشب الأخضر" كغذاء عالمي للحيوانات في ذلك الوقت، يُظهر بساطة النظام وكفايته. لم يكن هناك افتراس أو صراع على البقاء في التصميم الأصلي، بل كان هناك وفرة ومساحة للجميع، تعكس غنى محبة الله غير المحدود.

دراسة الكلمات

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُظهر أن الله هو مصدر كل عطية وحياة. هي ليست مجرد خلق، بل منح واستمرارية في العطاء.H٥٤١٤أعطى، منح، سلّم، خصّصنَاتَنْנָתַן
تشير إلى النَّفَس، الروح، الكائن الحي. ليست مجرد حياة بيولوجية، بل حياة من الله نفسه.H٥٣١٥نفس، حياة، كائننِفِشנֶפֶשׁ
تُشير إلى الاستمرارية والفعالية. كلمة الله لا تعود فارغة، بل تحقق ما أرسلت له.H١٩٦١صار، كان، حدث، تحققهاياهהָיָה

الأهمية اللاهوتية

تكشف هذه الآية البسيطة عمقاً لاهوتياً عظيماً عن طبيعة الله وعمله:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله محبّ ومعتَنٍ: محبة الله ليست عاطفية فحسب، بل عملية. يهتم بتفاصيل بقاء مخلوقاته. صلاحه (أغاثوسيني) يتدفق ليملأ كل الخليقة.الله ومحبته
وحدة الخليقة واعتمادها على الله: كل الخليقة، بمن فيهم البشر، تعتمد على عطية الله اليومية. هذا يزرع فينا التواضع والشكر.علاقة الخليقة بالخالق
الوفرة والكفاية في تصميم الله: النظام الأصلي لم يكن نظام ندرة وصراع، بل وفرة. هذا يُشير إلى ملكوت الله حيث يعمّ الغنى الروحي والمادي للجميع.ملكوت الله والسلام المسيحاني

الرموز والتمهيد

رأى الآباء في العشب الأخضر رمزاً غنياً:

  • رمز لكلمة الله: كما تحتاج الأجساد إلى عشب الأرض، تحتاج النفوس إلى "العشب الأخضر" الروحي، أي كلمة الله (بطرس الأولى ٢: ٢) والإفخارستيا، الخبز الحي الذي نزل من السماء (يوحنا ٦: ٣٣، ٥١). المسيح هو الغذاء الحقيقي الذي يعطي حياة للعالم.
  • رمز للبركة الإلهية والحياة: الخضرة دليل على الحياة والماء والبركة. يشير هذا إلى المسيح الذي جاء لكي تكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل (يوحنا ١٠: ١٠).
  • تمهيد للعهد الجديد: النظام السلمي حيث تأكل جميع الحيوانات العشب، هو نبوءة مصغرة عن السلام الذي يجلبه المسيح، ليس بين البشر فقط، بل في كل الخليقة (رومية ٨: ١٩-٢١). إنه يلمح إلى زمن الفداء الكامل حيث تُستعاد البراءة والانسجام.

الاستخدام الليتورجي

بينما لا تُقرأ هذه الآية بشكل مباشر في قراءات الأعياد الكبرى، فإن روحها ومعناها يتخللان العبادة الأرثوذكسية:

  • صلاة الغروب (الجزء الأول): تبدأ بترنيمة "يا نوراً بهياً..." التي تسبح الله خالق النور والنهار. تذكرنا الخليقة وروعة نظامها بعطايا الله التي لا تُحصى.
  • قداس القديس باسيليوس الكبير: في الصلاة الافخارستية الطويلة، نذكر "الذي صنع السماء والأرض وكل ما فيها...". هذا الشكر على الخلق هو خلفية لفداء المسيح.
  • عيد تقديس البيعة (التجلي): يُذكرنا تجلي المسيح بأن الخليقة كلها مُعدَّة للتقديس والتغير بالنعمة الإلهية.
  • صلاة البركة على الطعام: تشكر هذه الصلوات الله على عطاياه المادية، معترفة بأنه هو "الذي يطعم كل جسد".

التطبيق الروحي

كيف تدعونا هذه الآية الجميلة إلى النمو في الشركة مع الله؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
تذكرنا أن الله أب محب يهتم بكل تفاصيل حياتنا، حتى الصغيرة منها. هذا يحول صلاتنا من قلق وطلب إلى ثقة وشكر.الصلاة والثقة بالله
تشجعنا على النظر إلى العالم الطبيعي ليس كموارد نستغلها، بل كعطية مقدسة من الله يجب أن نرعاها بتواضع وامتنان.علاقتنا مع الخليقة (الإيكولوجيا)
في أوقات القلق المالي أو الجسدي، تذكرنا بأن الله هو المعيل الذي وفر للخليقة منذ البداية. هو يعرف حاجتنا (متى ٦: ٣١-٣٣).التجارب والصعوبات
إذا كان الله يهتم بحياة كل حيوان، فكم بالأولى يهتم بكل إنسان، بغض النظر عن ضعفه أو وضعه. هذا يدفعنا لاحترام كل إنسان، بل وكل شكل من أشكال الحياة.محبة الآخر والخدمة

الله الذي خلق الكون الفسيح، ووفر العشب الأخضر للحيوانات في الفردوس، هو نفسه الذي يقول لك اليوم: "لا تهتموا لحياتكم..." (متى ٦: ٢٥). دع هذه الصورة – صورة الله المتكرم الذي يعدّ الطعام لمخلوقاته – تملأ قلبك سلاماً. ألقِ كل همك عليه، فهو يعتني بك (بطرس الأولى ٥: ٧). وكلما رأيت عشباً أخضر، أو طائراً، أو حيواناً، تذكر أنك تنظر إلى عطية من أبيك السماوي، وردّد في قلبك: "مجدًا لك، يا رب، مجدًا لك."

أسئلة للتأمل والصلاة

١. عندما تقرأ أن الله "أَعْطَيْتُ"، ما هي المجالات في حياتك التي تحتاج أن تتذكر فيها أن الله معطي، وليس قاسياً أو بخيلاً؟ كيف يمكن أن يغير هذا نظرتك إلى ظروفك؟ ٢. إذا كانت عناية الله تشمل الحيوانات الصغيرة، فكيف تُساعدك هذه الحقيقة على الوثوق بعنايته لك في الأمور الكبيرة والصغيرة في حياتك؟ ٣. كيف يمكنك أن تُقلد صلاح الله وعنايته اليوم في تعاملك مع من حولك ومع البيئة التي وضعك الله فيها؟ ٤. توقف للحظة وتأمل في جمال ووفرة الطبيعة من حولك (ولو من نافذتك). كيف يمكنك تحويل هذا التأمل إلى صلاة شكر وتسبيح للخالق المحب؟

المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
يؤكد أن الله هو مصدر الغذاء والحياة للجميع، وأن صلاحه شامل.المزمور ١٤٥: ١٥-١٦ «عَيْنَا جَمِيعِهِ إِلَيْكَ تَتَوَقَّعَانِ، وَأَنْتَ تُعْطِيهِمْ طَعَامَهُمْ فِي حِينِهِ. تُفْتَحُ أَنْتَ يَدَكَ فَتَشْبَعُ كُلَّ حَيٍّ مَرْضَاةً».
يُظهر استمرارية عناية الله حتى بعد السقوط.أيوب ٣٨: ٣٩-٤١ «أَتَصْطَادُ فَرِيسَةً لِلأَسَدِ، وَتَشْبَعُ نُسُورًا صِغَارًا... مَنْ يُعِدُّ لِلْغُرَابِ صَيْدَهُ؟»
دعوة المسيح للثقة الكاملة في عناية الآب السماوي، بناءً على نفس المبدأ.متى ٦: ٢٦ «اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟»
يصف الفداء الشامل للمسيح الذي يشمل كل الخليقة، ويعيدها إلى حالة السلام والوفرة.رومية ٨: ١٩-٢١ «لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَّجِهُ بِلَهْفَةٍ إِلَى اسْتِعْلاَنِ أَبْنَاءِ اللهِ... عَلَى رَجَاءِ أَنْ تَتَحَرَّرَ هِيَ نَفْسُهَا أَيْضًا مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ.»

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ٢٩-٣٠: السياق الكامل لعطية الغذاء للإنسان والحيوان.
  • مزمور ١٠٤: ١٠-١٤، ٢١، ٢٧-٢٨: ترنيمة رائعة تصف عناية الله المستمرة بكل الخليقة.
  • لوقا ١٢: ٢٢-٣١: توسيع المسيح لموضوع الثقة في العناية الإلهية.
  • أعمال الرسل ١٤: ١٧: يشهد بأن الله لم يترك نفسه بلا شاهد، وهو يفعل خيراً، يعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة.
  • كولوسي ١: ١٦-١٧: كل الأشياء خُلقت به (المسيح) وله، وهو قائم قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل.