ماذا تعني تكوين 1:26؟
شرح آية تكوين ١: ٢٦ من المنظور الأرثوذكسي
المعنى والشرح
تكوين ١: ٢٦ هي واحدة من أعمق الآيات في الكتاب المقدس، حيث تُعلن بكل وضوح أن الإنسان هو قمة الخليقة وكنز الله المحبّ. "وَقَالَ ٱللهُ: «نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" — هذه الكلمات تُظهر لنا أن الله الثالوث (الآب والابن والروح القدس) يتشاور بمحبة ليخلق كائناً خاصاً، ليس فقط كعامل في الخليقة، بل كابن محبوب يحمل في جوهره نفحة من طبيعته الإلهية. الله لا يخلق الإنسان عن بعد أو بقوة فقط، بل "نعمل" بصيغة الجمع التي يُفهمها التقليد الآبائي كإشارة إلى الثالوث المقدس، مما يجعل خلق الإنسان عملاً مشتركاً للحب الإلهي.
الآية لا تتحدث فقط عن السلطان الذي منحه الله للإنسان على الخليقة (وهو تكريم عظيم)، بل تكشف بالأساس عن الكرامة الفائقة التي منحنا إياها الله: أننا صُنعنا على صورته وشبهه. الصورة (باليونانية: εἰκών) هي النقش الإلهي في كياننا، وهي غير قابلة للفناء — إنها طابع الله في نفسنا الذي يجعلنا قادرين على معرفته ومحبته والشبه به. أما الشبه (باليونانية: ὁμοίωσις) فهو دعوتنا ومسيرتنا نحو الاتحاد بالله، نحو أن نصبح مشابهين له أكثر فأكثر من خلال نعمة الروح القدس وعملنا الشخصي بالفضيلة. هذا هو جوهر التألُه (Theosis) في التقليد الأرثوذكسي: أن نعود إلى الشبه الذي فُقد جزئياً بسقوط آدم، فنصبح بالتدريج "مشاركي الطبيعة الإلهية" (٢ بطرس ١: ٤).
الله الذي لا يحتاج إلى شيء، خلقنا لأنه محبة (١ يوحنا ٤: ٨)، ومحبته تفيض خارج ذاته لتُوجد كائنات تستطيع أن ترد له الحب بمحبة. حتى السلطان الذي منحه للإنسان على الخليقة هو تكريم وثقة، وليس استغلالاً، إذ يدعونا الله لنسهر على العالم كما يسهر هو علينا — برحمة وحكمة وصلاح.
مرجع سريع
| التفاصيل | السمة |
|---|---|
| تكوين | السفر |
| العهد القديم | العهد |
| سرد تأسيسي (خلقي) | النوع الأدبي |
| موسى النبي (بالوحي الإلهي) | الكاتب التقليدي |
| شعب إسرائيل والشعب المسيحي عبر العصور | الجمهور الأصلي والأوسع |
| كرامة الإنسان كمخلوق على صورة الله ومحبته | الموضوع الرئيسي |
السياق
السياق المباشر
تأتي هذه الآية في اليوم السادس من أسبوع الخلق، بعد خلق النور، الجلد، اليابسة، النباتات، الشمس والقمر، الكواكب، الطيور والأسماك، والحيوانات البرية. كل ما سبق كان تمهيداً، وكأن الكون كله كان يُجهَّز لاستقبال الضيف الملكي — الإنسان. فالله بعد أن أعلن "نعمل الإنسان"، يباركه مباشرة في الآية التالية (تكوين ١: ٢٧-٢٨) ويكلّفه بمهمة ملء الأرض وإخضاعها. السياق يُظهر تدرجاً في الخلق يصل إلى ذروته بالإنسان، مما يؤكد المحبة الخاصة التي يحملها الله لنا.
سياق السفر
سفر التكوين هو سفر البدايات: بداية الخلق، بداية الإنسان، بداية الخطية، وبداية موعد الخلاص. هذه الآية تُحدد الهوية الأصلية للإنسان قبل السقوط — هوية مجيدة مبنية على الشركة مع الله. لاحقاً، عندما يسقط آدم (تكوين ٣)، تبقى الصورة الإلهية فيه (كما يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم)، لكن الشبه يتأذى وتنقطع الشركة. لذا، كل تاريخ الخلاص في الكتاب المقدس هو قصة استعادة الله للإنسان إلى هذه المكانة الأولى، إلى الشبه الكامل، وهذا يتحقق بالكمال في شخص ربنا يسوع المسيح، "صورة الله غير المنظور" (كولوسي ١: ١٥).
التفسير الآبائي
| التفسير | الأب/المصدر |
|---|---|
| "لاحظوا تواضع الله: إنه يقول 'نعمل'، مع أنه هو الخالق وحده. ولكن لا أحد يقول 'نعمل' لذاته وحده. إنه يتكلم مع من؟ مع الابن والروح القدس... إنه يحضر الإنسان إلى الوجود، معطياً إياه ما هو فوق كل الكائنات: أن يكون على صورته." | القديس يوحنا ذهبي الفم |
| "‘على صورتنا’ تعني في القدرة على الحكم... ‘كشبهنا’ تعني أن يكون الإنسان مشابهاً لله بالوداعة، والوداعة، والرحمة، والبرّ." | القديس باسيليوس الكبير |
| "الصورة’ هي ما نمنحه للإنسان منذ البداية؛ أما ‘الشبه’ فهو ما يجب أن يحققه بالاختيار الحر، بجهاد الفضيلة، ليصل إلى كمال المشابهة لله." | القديس غريغوريوس النيصص |
| "الله خلق الإنسان لكي يكون مشاركاً في صلاحه الخاص... منحه العقل والكلام ليُعرّف به وبصلاحه." | القديس يوحنا الدمشقي |
| التقليد الأرثوذكسي يرى في عبارة "نعمل" (بالجمع) إعلاناً عن الثالوث القدوس منذ الصفحات الأولى للكتاب، وأن خلق الإنسان هو عمل محبة مشترك للآب (مصدر الوجود)، بالابن (الحكمة والنمط)، وبالروح القدس (المُكمّل والمقدّس). | التقليد الآبائي |
دراسة الكلمات
| الأهمية الروحية | رقم سترونج | المعنى | النقل الحرفي | الكلمة الأصلية |
|---|---|---|---|---|
| تُظهر أن خلق الإنسان هو قرار إلهي مدروس بمحبة وتعاون ثالوثي | H٦٢١٣ | عمل، صنع، فعل | عَسا | עָשָׂה |
| تكشف عن الكرامة الفائقة للإنسان كنقش إلهي في كيانه | H٦٧٥٤ | صورة، تمثال، شبه | تَصِلم | צֶלֶם |
| تُحدد دعوة الإنسان نحو النمو الروحي والاتحاد بالله | H١٨٢٣ | شبه، مشابهة، مماثلة | دِموت | דְּמוּת |
| تُبرز السلطان كأمانة ووكالة منحها الله بمحبة، لا كملكية مطلقة | H٧٢٨٧ | تسلط، حكم، سيادة | رَدا | רָדָה |
الأهمية اللاهوتية
| ما تُعلمنا إياه | الموضوع |
|---|---|
| الله ليس وحدة منعزلة، بل شركة محبة (ثالوث). خلق الإنسان هو عمل محبة مشترك. | الله ومحبته |
| المسيح هو "صورة الله غير المنظور" (كولوسي ١: ١٥) الذي جاء ليردّ للإنسان شبهه الكامل الذي فقده. | المسيح والخلاص |
| الروح القدس هو الذي يجدّد الصورة الإلهية فينا ويقدّسنا، معطياً إيانا القوة لننمو في الشبه بالله. | الروح القدس |
| نحن مدعوون لاكتشاف الصورة الإلهية فينا وفي كل إنسان، والسعي نحو التأله (Theosis) بالشركة مع الله. | دعوة الإنسان |
الرموز والتمهيد
الآباء يرون في هذه الآية تمهيداً كاملاً للسرّ المسيحاني. الإنسان المخلوق "على صورة الله" يجد اكتماله في المسيح، صورة الله الكاملة، الذي جاء ليُجدّد فينا هذه الصورة المشوّهة بالخطيئة. كما أن السلطان الذي أعطاه الله للإنسان على الخليقة يُمهّد لفهم سلطان المسيح كمخلص للعالم كله. القديس كيرلس الإسكندري يرى أن عبارة "نعمل الإنسان" تُشير إلى الابن والروح القدس مع الآب، فالابن هو "صورة الآب" (كولوسي ١: ١٥) والروح القدس هو خاتم الصورة فينا. وهكذا، منذ البدء، الثالوث يضع خطة محبة لخلق كائن يستطيع أن يتحد به.
الاستخدام الليتورجي
هذه الآية تُتلى في الكنيسة الأرثوذكسية في عيد رأس السنة الكنسية (١ أيلول/سبتمبر)، الذي يُعتبر تذكاراً لخلق العالم. كما أنها تقرأ في سياق خدمات الصوم الكبير، حيث نتأمل في سقوط الإنسان ودعوته للعودة إلى الشبه الإلهي. في قداس عيد الميلاد، تُذكر هذه الآية ضمنياً عندما نرى تجسد الكلمة، الذي أخذ صورة الإنسان (فيليبّي ٢: ٧) ليردّ لنا صورة الله. الصلوات المسائية (الغروب) والتسبحة تُذكرنا بأننا مخلوقون على صورة الله، مما يحرك فينا التوبة والشكر.
التطبيق الروحي
| كيف تُساعدنا هذه الآية | مجال الحياة |
|---|---|
| عندما نشك في قيمتنا، نذكر: أنا مخلوق على صورة الله! هذه هويتي الحقيقية التي لا تُسلب. | الهوية والقيمة |
| نتعامل مع كل إنسان (حتى من يختلفون عنا) باحترام مقدس، لأن صورة الله فيه. | العلاقات والخدمة |
| نستقبل السلطة (في العمل، الأسرة، المجتمع) كأمانة من الله نمارسها برحمة وحكمة. | المسؤولية |
| نجاهد في الصلاة والفضيلة ليس بإرادتنا فقط، بل بنعمة الله، لننمو في "الشبه" به. | النمو الروحي |
الله الذي منحك كرامة "الصورة" الإلهية منذ البداية، هو نفسه يعمل فيك اليوم ليجدد "الشبه" بكلمته ونعمته. لا تيأس من ضعفك، لأن الذي بدأ فيك عملاً صالحاً هو يكمله (فيليبّي ١: ٦). انظر إلى نفسك وإلى الآخرين بعيون الله: فكل وجه إنسان هو أيقونة محتملة، تحتاج فقط إلى أن تُنقّى وتُشرق بنور المسيح.
أسئلة للتأمل والصلاة
١. كيف يُغيّر إدراكي أنني "مخلوق على صورة الله" نظرتي إلى نفسي في لحظات الفشل أو انخفاض المعنويات؟ ٢. في علاقاتي اليومية، هل أتعامل مع الآخرين كحاملين لصورة الله، حتى عندما يكونون صعبي المراس؟ ٣. ما هي منطقة واحدة في حياتي حيث أدعو الله ليجدد "الشبه" به، لأسلك أكثر في الوداعة، الرحمة، أو المحبة؟ ٤. كيف يمكنني أن أمارس "السلطان" الذي منحني إياه الله (في عملي، عائلتي، مواهبي) بطريقة تُعكس محبته واهتمامه بالخليقة؟
المراجع المتقاطعة
| الصلة | المرجع |
|---|---|
| اكتمال صورة الله في المسيح، الذي جاء ليجدد صورتنا | كولوسي ١: ١٥؛ ٢ كورنثوس ٤: ٤ |
| الدعوة إلى التشبه بالله، خاصة في المحبة والقداسة | أفسس ٥: ١-٢؛ ١ بطرس ١: ١٥-١٦ |
| استعادة صورة الإنسان الجديد في المسيح | أفسس ٤: ٢٤؛ كولوسي ٣: ١٠ |
| السلطان على الخليقة مُعطى للإنسان، ولكنه مُستعاد في المسيح | مزمور ٨: ٤-٨؛ عبرانيين ٢: ٦-٩ |
آيات ذات صلة
- تكوين ١: ٢٧: "فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ." — تؤكد أن الصورة الإلهية مُنحت للجنسين معاً.
- تكوين ٥: ١: "هَذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ. يَوْمَ خَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ ٱللهِ عَمِلَهُ." — تؤكد استمرارية الشبه الإلهي بعد السقوط.
- مزمور ٨: ٥-٦: "وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ قَلِيلًا عَنِ ٱلْمَلَائِكَةِ... خَلَقْتَهُ لِتَسْلُكَ فِي طَرِيقِ ٱلْكَمَالِ." — تصف الكرامة الملكية للإنسان.
- يعقوب ٣: ٩: "بِهِ نُبَارِكُ ٱللهَ ٱلْآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ ٱلنَّاسَ ٱلَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى صُورَةِ ٱللهِ." — تحذير لاحترام الصورة الإلهية في كل إنسان.
- ١ كورنثوس ١١: ٧: "لِأَنَّ ٱلرَّجُلَ... هُوَ صُورَةُ ٱللهِ وَمَجْدُهُ." — في سياق العلاقة بين الرجل والمرأة، تذكر أن كليهما يحملان الصورة.