السابقتكوين ١:١٩التالي

تكوين ١

تكوين 1:19

وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا.

English (KJV):

And the evening and the morning were the fourth day.

ماذا تعني تكوين 1:19؟

تفسير تكوين ١: ١٩

"وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا."


المعنى والشرح

هذه الآية البسيطة والعميقة تُختتم بها أعمال اليوم الرابع من أيام الخلق، حيث خلق الله النورين العظيمين (الشمس والقمر) والنجوم. العبارة "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ" ليست مجرد تسجيل زمني، بل هي إعلان عن نظام إلهي، وصبر، وكمال. إنها تُظهر لنا أن الله، في محبته غير المحدودة، لا يعمل بفوضى أو عجلة، بل بحكمة ونظام، معطيًا لكل شيء وقته الكامل ليصل إلى الكمال الذي يريده له.

في التقليد الأرثوذكسي، نرى في هذا التكرار اليومي (مساء ثم صباح) صورة لعمل الله الخلاصي المستمر في حياتنا. فكما أن الخليقة لم تُخلَق دفعة واحدة بل في نظام متدرج، هكذا عمل الله فينا – "الْخَالِقِ الَّذِي يُخْلِقُ فِي الْمَسَاءِ وَيُكْمِلُ فِي الصَّبَاحِ"، كما يرى الآباء. المساء قد يُشير إلى فترات الظلمة أو عدم الوضوح في رحلتنا، والصباح يُعلن دائماً عن تدخل الله المُجَدِّد ورحمته التي لا تُغِبُّ. الله، في محبته، يُتمم عمله فينا عبر دورات الحياة، وهو أمين في إكمال ما بدأه.


مرجع سريع

التفاصيلالسمة
تكوينالسفر
العهد القديمالعهد
سرد تأسيسي (خُلقي)النوع الأدبي
موسى النبيالكاتب التقليدي
شعب إسرائيل والشعب المسيحي جمعاءالجمهور
نظام الخلق ومحبة الله المُنَظِّمةالموضوع الرئيسي

السياق

السياق المباشر

تقع هذه الآية في ذروة قصة اليوم الرابع من الخلق (تكوين ١: ١٤-١٩). قبلها، فصل الله النور عن الظلمة (اليوم الأول)، وخلق الجلد (اليوم الثاني)، وجمع المياه وجعل الأرض تُنبِت (اليوم الثالث). في اليوم الرابع، يملأ الله ما أعدَّه: فالسماء (الجلد) التي أعدها في اليوم الثاني، يملأها الآن بأجرام مُنيرة لحكم الأوقات والفصول. بعد هذا اليوم، سيخلق الله الكائنات الحية (اليوم الخامس والسادس). التسلسل يظهر حكمة الله: فهو يهيئ المسكن أولاً (الكون المنظم)، ثم يملؤه بسكانه. هذا النظام نفسه هو تعبير عن محبته ورعايته لكل الخليقة.

سياق السفر

سفر التكوين هو سفر البدايات، وأساس كل الوحي الإلهي. الفصل الأول بأكمله يُعلن سيادة الله المطلقة وصلاحه. تكرار عبارة "وَرَأَى اللهُ ذَلِكَ حَسَنًا" (آية ١٨) قبل هذه الآية مباشرة، يؤكد أن النظام الزمني (المساء والصباح) هو جزء من هذا الصلاح والحسن. الله لا يخلق فقط، بل يفرح بخلقته ويهتم بأدق تفاصيلها، محددًا لها قوانين ومواقيت لخيرها واستقرارها.


التفسير الآبائي

رأى آباء الكنيسة في هذه الآية تعليمًا عميقًا عن النظام الإلهي وعن السبت المسيحي (اليوم الثامن) وعن المسيح نفسه.

التفسيرالأب/المصدر
يرى في "المساء" صورة للعهد القديم (زمن النبوءات والظلال)، وفي "الصباح" صورة للعهد الجديد (زوم النعمة والنور الكامل) الذي أشرق بقيامة المسيح. هكذا كل يوم خلقي هو تمهيد للخلاص الذي أكمله المسيح.القديس أغسطينوس
يُشير إلى أن الله خلق النور (اليوم الأول) قبل الأجرام النيرة (اليوم الرابع) ليُعلّمنا أن النور الحقيقي والروحي (وهو الله نفسه ووصيته) يسبق ويعلو على النور المادي. النظام الزمني يُذكرنا بخضوع الخليقة كلها للإرادة الإلهية.القديس يوحنا ذهبي الفم
يُفَسِّر "المساء" على أنه نهاية عمل سابق، و"الصباح" بداية عمل جديد. الله لا يكل من العطاء، وعمله الخلاق مستمر. هذا يُعزينا أن الله دائمًا يُمكن أن يبدأ "صباحًا" جديدًا في حياتنا، بغض النظر عن "مساء" فشلنا أو ضعفنا.القديس باسيليوس الكبير
التقليد الآبائي عمومًا يرى في الأيام الستة صورة لحياة الإنسان: فالخليقة تتدرج من البسيط إلى المركب، كما أن الإنسان يُدعى إلى التدرج في الفضيلة والنمو في النعمة. النظام ليس عائقًا، بل هو طريق السلام والكمال.التقليد الآبائي

دراسة الكلمات

الكلمات الرئيسية في هذه الآية تحمل معانٍ غنية في اللغة الأصلية:

الأهمية الروحيةرقم سترونجالمعنىالنقل الحرفيالكلمة الأصلية
تُشير إلى نهاية فترة أو اكتمال عمل، وليست مجرد وقت ظلام. في المحبة الإلهية، لكل مرحلة نهايتها المُعدة للراحة والتفكير.H٦١٥٣مساء، غروبعَرَبעֶרֶב
ترمز إلى البداية الجديدة، والنور بعد الظلمة، والفرح بعد الانتظار. هي صورة دائمة لرأفة الله التي "تَجْدِدُ كُلَّ صَبَاحٍ" (مراثي ٣: ٢٣).H١٢٤٢صباح، ضياءبوكِرבֹּקֶר
ليست فقط وحدة زمنية، بل حقبة أو مرحلة من عمل الله الخلاصي. الله يعمل في "أيامنا" ليُدخلنا إلى "يومه" الأبدي.H٣١١٧يوم، فترة زمنيةيومיוֹם
تُظهر التدرج والنظام. الله لا يعمل كل شيء دفعة واحدة، بل بحكمة وتسلسل، مما يظهر صبره ورعايته للتفاصيل.H٧٢٤٣رابع (من أربعة)رِيعِيרְבִיעִי

الأهمية اللاهوتية

هذه الآية، رغم كونها بسيطة، تُعلّمنا حقائق لاهوتية عميقة عن محبة الله:

ما تُعلّمنا إياهالموضوع
الله مُنَظِّم ومُرتِّب: محبة الله ليست عاطفة عشوائية، بل حكمة تُؤسس نظامًا وهدفًا. الخلق المنظم هو هبة محبة لنا، ليعيش الإنسان في سلام وانتظام.الله ومحبته
الله صبور: التدرج في الخلق يظهر أن الله يعمل بخطوات، محترمًا طبيعة الخليقة. هكذا هو صبور معنا في رحلة خلاصنا الشخصية، لا يستعجلنا بل ينمينا في وقته الكامل.عمل الله في الخلاص
النور يُحكَم: وضع الله النورين "لِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَعَلَى اللَّيْلِ" (آية ١٨). هذا يُذكرنا أن النور المادي (والروحي أيضًا) هو عطية من الله لخدمتنا وبركتنا، وليس لعبادته. كل عطية صالحة هي لخدمة محبة القريب.علاقة الإنسان بالخليقة
الزمان مقدس: بتقديسه لدورة المساء والصباح، يعلن الله أن الزمان نفسه هو هبة من عنده ومساحة للقاء معه. هذا يُشكل أساس الليتورجيا الأرثوذكسية، حيث يقدس الوقت من خلال الصلوات اليومية (السواعي).القداسة والزمان

الرموز والتمهيد

من المنظور الأرثوذكسي، كل العهد القديم هو تمهيد ورمز للمسيح والكنيسة. اليوم الرابع يحمل رموزًا مسيحانية عميقة:

  • النور الحقيقي: خلق الشمس والقمر في اليوم الرابع يُمهد للقول: "أَنَا نُورُ الْعَالَمِ" (يوحنا ٨: ١٢). الشمس المخلوقة هي رمز للشمس البارزليتي، المسيح، "شَمْسُ الْبِرِّ" (ملاخي ٤: ٢)، الذي يشرق على الذين في ظلمة الموت والخطية.
  • قيامة الصباح: صورة "الصباح" بعد "المساء" هي نبوءة عن قيامة المسيح من بين الأموات في فجر الأحد، "الْيَوْمُ الأَوَّلُ مِنَ الأُسْبُوعِ" الذي هو "صباح" الخليقة الجديدة. في الليتورجيا الأرثوذكسية، تبدأ صلاة النوم (الغروب) بتذكار خلق العالم، وتنتهي صلاة الصباح باستقبال نور القيامة.
  • الكنيسة والنجوم: النجوم التي خُلقت في اليوم الرابع ترمز للقديسين، الذين "يُضِيئُونَ كَالنُّجُومِ إِلَى الأَبَدِ" (دانيال ١٢: ٣). الكنيسة هي السماء الجديدة حيث يضيء المؤمنون بنعمة المسيح.

الاستخدام الليتورجي

لعبارة "مساء وصباح" صدى قوي في الحياة الليتورجية للكنيسة الأرثوذكسية:

  1. صلوات السواعي: تُنظَّم الصلوات اليومية (الغروب، المشيئة، السحر، الأولى، الثالثة، السادسة، التاسعة) حول فكرة المساء والصباح ودورات اليوم. صلاة الغروب تبدأ اليوم الطقسي، وتُذكرنا بالخلق ("يارب إليك صرخت...")، وبأن المساء هو وقت الراحة والتأمل. صلاة السحر تُسبح الله "مُنِيرَ الصُّبْحِ"، وتستقبل نور المسيح القائم من الأموات.
  2. عيد التجلي: يُحتفل به في ٦ آب، وفيه يظهر المسيح كالنور الإلهي غير المخلوق، متجاوزًا نور الشمس والقمر المخلوقين في اليوم الرابع.
  3. عيد الخلق: في الأسبوع الذي يسبق الصوم الكبير (أحد الفريسي والعشار)، تُقرأ فصول من سفر التكوين، مُذَكِّرَة المؤمنين بأنهم جزء من خليقة الله الصالحة، ودعوتهم هي تنظيم حياتهم حسب نظام النعمة، لا حسب فوضى الخطية.

التطبيق الروحي

كيف ندع هذه الآية البسيطة تُشكل علاقتنا مع الله اليوم؟

كيف تُساعدنا هذه الآيةمجال الحياة
جعل الصلاة روتينًا مُحِبًّا: كما أن للمساء والصباح وقتهما الثابت، لنجعل للقاء الله وقتًا ثابتًا في يومنا. الصباح لنقديم اليوم له، والمساء لفحص النفس وتقديم الشكر. هذا النظام ليس قيدًا، بل هو إطار محبة يُعطي السلام.الصلاة والعبادة
الثقة في نظام الله وسط فوضى حياتنا: عندما تبدو الأمور مظلمة ("مساء")، نتذكر أن الله قد أعد "صباحًا". رحلتنا الروحية لها فترات جفاف ووضوح، لكن الله أمين في إتمام عمله فينا.التجارب والصعوبات
احترام إيقاع الخليقة وأنفسنا: الله خلقنا بحاجة إلى الراحة (مساء) والعمل (نهار). احترام أوقات النوم والراحة والعمل هو تكريم لنعمة الخلق فينا. محبة الله تتجلى في العناية بجسدنا ونفسنا.الصحة والتوازن
التطلع إلى الأبدية: كل "مساء وصباح" أرضي يذكرنا أننا في رحلة. حياتنا الحاضرة هي "مساء" تمهيدي لـ "صباح" القيامة، حيث لا يكون هناك مساء ولا حاجة إلى شمس، لأن "الرَّبُّ الإِلهُ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ" (رؤيا ٢٢: ٥).الرجاء الأبدي

الله الذي رتب الأزمنة والفصول بمحبة، يدعوك اليوم لترى يديه العاملة في تفاصيل يومك. ثق أنه إذا كان يُنهي يومًا رابعًا في الخليقة، فهو قادر أن يُنهي كل مرحلة في حياتك ببركة واكتمال، ويبدأ بك كل صباح بنعمته التي هي جديدة كل يوم.


أسئلة للتأمل والصلاة

١. في أي مجال من حياتي أشعر أنني في "مساء" (ظلمة، ركود، انتهاء)؟ هل أستطيع أن أسلّم هذا المساء لله وأنتظر بصبر ورجاء "الصباح" الذي يعد به؟ ٢. كيف ينعكس نظام الله وحكمته في روتين يومي؟ هل أتعامل مع الوقت كعطية مقدسة أم كعبء؟ ٣. كيف يمكنني اليوم أن أكون "نورًا صغيرًا" في محيطي، مُعكسًا نور المسيح، النور الحقيقي، كما تعكس القمر نور الشمس؟ ٤. هل أرى في دورة الليل والنهار دعوة للتوبة والتجدد؟ ماذا أريد أن "ينتهي" مع هذا المساء، وماذا أتمنى أن "يشرق" في غدٍ جديد بنعمة الله؟

(صلاة): أيها الرب الإله، الذي رتبت الأزمنة والأوقات بحكمتك، وخلقت المساء والصباح برحمتك، أعطني أن أعيش أيامي في مخافتك، وأن أنام بسلام تحت جناحك، وأن أقوم مع كل صباح شاكرًا على عطاياك الجديدة. علمني أن أرى في كل نهاية بداية لعمل نعمتك، وفي كل ظلمة بزوغ نور رحمتك. أمين.


المراجع المتقاطعة

الصلةالمرجع
يؤكد أن الله هو من خلق دورة الزمن وأعطاها نظامًا لخير الإنسان.تكوين ٨: ٢٢
يربط رحمة الله وصلاحه بتجددها كل صباح، كدورة الخلق اليومية.مراثي إرميا ٣: ٢٢-٢٣
يُظهر أن المسيح هو غاية الخلق والنور الحقيقي الذي كان يرمز له خلق النورين.يوحنا ١: ١-٥، ٩
يصف الحياة الجديدة في المسيح باستعارات النور والنهار، مُكملاً رمزية اليوم الرابع.رومية ١٣: ١١-١٤
يكشف عن الهدف النهائي: مدينة الله المقدسة التي لا تحتاج إلى نور مخلوق.رؤيا يوحنا ٢١: ٢٣-٢٥

آيات ذات صلة

  • تكوين ١: ٥: "وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا وَالظُّلْمَةَ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا." (أصل العبارة وتكرارها كخاتمة لكل يوم).
  • مزمور ٧٤: ١٦: "لَكَ النَّهَارُ أَيْضًا وَاللَّيْلُ أَنْتَ هَيَّأْتَ النُّورَ وَالشَّمْسَ." (تسبيح لله خالق النظام الزمني).
  • مزمور ١٠٤: ١٩-٢٠: "صَنَعَ الْقَمَرَ لِلْمَوَاسِمِ. الشَّمْسُ تَعْرِفُ مَغْرِبَهَا. تُدْخِلُ الظُّلْمَةُ فَتَكُونُ لَيْلاً." (تأمل في حكمة الله في الخلق).
  • إشعياء ٤٥: ٧: "صَانِعُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ. صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هَذِهِ." (الله هو سيد دورة النور والظلمة).
  • مرقس ٤: ٢٧: "وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلاً وَنَهَارًا وَالزَّرْعُ يَطْلُعُ وَيَنْبُتُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ." (مثل ينمو الزرع ببطء، كالخليقة في أيامها الستة).